الخطبة الإذاعية "02"  بتاريخ 14/ 11/ 1986 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  الرحمة

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           :  الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          الحمد لله رب العالمين ، يا رب كيف نفتقر في غناك ، وكيف نضل في هداك ، وكيف نذل في عزك ، وكيف ندان في سلطانك ، وكيف نخشى غيرك ، والأمر كله لك ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يقول في الحديث القدسي:((عبدي خلقت السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن ، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ، لي عليك فريضة ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي ، إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطنَّ عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً)) .

        ((عبدي أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد)) .

         وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، طب القلوب ودواؤها ، وعافية الأبدان وشفاؤها ، ونور الأبصار وضياؤها ، قال صلى الله عليه وسلم ، في إحدى خطبه :((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي)).

         اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، الهداة المهديين وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، يقول الإمام علي كرم الله وجهه: (قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا ضيع العالم علمه ، استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله ، باع الفقير آخرته بدنيا غيره) .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير  .

      أيها الأخوة ، الناس رجلان لا ثالث لهما ، مؤمن تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله ، فمن عرف ربه ، وصحت عقيدته انقاد كلياً لأوامره ونواهيه ، عندها تنعقد الصلة بينه وبين خالقه ، ومن خلال هذه الصلة ، تطهر نفسه من أمراضها وأدرانها ، وتصطبغ نفسه بالكمالات الإنسانية، التي هي أساس سعادته في الدنيا والآخرة ، فالصلاة نور ، وطهور، وحبور .

      ومن زاغت عقيدته ، ونسي خالقه ، انقاد لهوى نفسه ، فانقطع عن ربه وعاش في ظلمات بعضها فوق بعض ، وفي إساءات لنفسه ولمن حوله ، هذه الإساءات تُعد أساساً لشقائه في الدنيا والآخرة ، قال تعالى موضِّحاً المفارقة بين الرجلين :

[سورة الجاثية]

وقال تعالى :

[سورة القصص]

       أيها الأخوة ، الإيمان حق ، وضرورة مصيرية ، لأنه أساس الفضائل ولجام الرذائل ، وقوام الضمائر ، وسند العزائم في الشدائد ، وبلسم الصبر عند المصائب ، وعماد الرضى والقناعة بالحظوظ ، ونور الأمل في الصدور ، وسكن النفس إذا أوحشتها الحياة ، وعزاء القلوب إذا نزل بها الموت ، والعروة الوثقى بين الإنسانية ومثلها الكريمة .

      يقول عليه الصلاة والسلام : ((ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن الإيمان ما وقر في القلب ، وصدقه العمل)) ، والإيمان معرفة بالقلب ، وقول باللسان وعمل بالأركان .

       أما المؤمنون ، فكما وصفهم عليه الصلاة والسلام : ((المؤمنون بعضهم لبعض نصحةٌ متوادُّون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غششةٌ متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم)) .

 قال الله تعالى :

[سورة الأنفال]

       أيها الأخوة الأكارم ، العلاقة بين المؤمنين أساسها الانضباط ، والإحسان والمؤاثرة ، والعلاقة بين المعرضين أساسها التفلت ، والإساءة ، والأثرة .

       وهذا سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يصف مجتمع الجاهلية قبل الإسلام وما فيه من قسوة وكفران ، ويصف مجتمع الإيمان وما فيه من رحمة وعرفان ، فيقول : ((كنَّا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده  ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات ، فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءه من الله ، فعبدنا الله وحده لم نشرك به شيئاً ، ، وحرَّمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا فعذَّبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان، وإلى ما كنا عليه من الخبائث)) .

[أحمد في المسند]

         شتان بين الجاهلية والإسلام وشتان بين الجهل والعرفان ، شتان بين الوثنية والتوحيد ، و شتان بين الانحراف والاستقامة ، شتان بين الإساءة والإحسان ، وبين الكفر والشكر ، بين التفلت والانضباط ، و بين الغي والرشد ، بين البغي والعدل ، وبين البهيمية والإنسانية ، وبين الشقاء والسعادة ، بين جنة يدوم نعيمها ، و بين نار محرقة تلفح الوجوه وتنضج الجلود لا ينفد عذابها .

      أخوة الإيمان ، إن من آثار انعقاد الصلة بالله جل وعلا أن يفيض قلب المصلي بالرحمة، والحنان ، والعطف ، والإحسان على من حوله من الأقارب والأباعد ، فلا تُنزع الرحمة إلا من شقي مقطوع عن الله ، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ، وإن قلب النبي صلى الله عليه وسلم يفيض رأفة ورحمة لا على الأقارب والأباعد ، بل على الإنسانية جمعاء، قال الله تعالى :

[سورة التوبة]

 

      يا أخوة الإيمان ، وهذه صور من رحمته صلى الله عليه وسلم ، تؤكد هذه الصور أن الإيمان بالله والاتصال به يطهر النفس من أدرانها ، ويسمو بها إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني ، لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مصرع سيدنا جعفر بن أبي طالب وصاحبيه ، في معركة مؤتة ، وكان قد أبلى فيها بلاء حسناً ، حزن عليه أشد الحزن ، وأمضَّه ، وانطلق بنفسه وهو قمة المجتمع الإسلامي ، إلى بيت جعفر ليخفف وقع المصاب على أهله وأولاده ، فألفى زوجته تتأهب لاستقبال زوجها الغائب ، فهي قد عجنت عجينها وغسَّلت بنيَّها ، ودهنتهم وألبستهم ، قالت أسماء زوجة جعفر : فلما أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم ، فسَرَتِ المخاوف في نفسي ، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره ، وقال : ائتني بأولاد جعفر ، فدعوتهم له ، فهبوا نحوه فرحين ، مزغردين ، وأخذوا يتزاحمون عليه، كلٌ يريد أن يستأثر به ، فأكب عليهم ، وجعل يقبلهم ، ويتشمَّمهم ، وعيناه تذرفان من الدمع ، فقالت زوجة جعفر : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء ؟ .. قال : نعم ، لقد استشهدوا هذا اليوم ، عندئذ غاصت البسمة من وجوه الصغار لما سمعوا أمهم تجهش بالبكاء ، وجمدوا في أماكنهم ، كأن على رؤوسهم الطير ، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى وهو يكفكف عبراته ، ويقول : ((اللهم اخلف جعفراً في ولده ، اللهم اخلف جعفراً في أهله ، ثم قال : لقد رأيت جعفراً في الجنة ، وله جناحان مضرجان بالدماء ، وهو مصبوغ القوادم)) .

هذه الرحمة التي يفيض بها قلب المصلي ليست رحمة خاصة تقتصر على الأقارب والأصحاب ، ولكنها رحمة عامة تشمل الأباعد، بل والأعداء ، قال الله تعالى :

[سورة فصلت]

         وقد قال عليه الصلاة والسلام :((أمرني ربي بتسع ، خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضى ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً  ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً)).

         أيها الأخوة الأكارم ، هذه صورة أخرى من صور الرحمة التي فاض بها قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي تمثلت بعفوه عن ثمامة بن آثال الحنفي ..فمن ثمامة ؟ .. ثمامة بن آثال سيد من سادات بني حنيفة المعدودين ، تلقى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالزراية والإعراض ، وأخذته العزة بالإثم ، فأصم أذنيه عن سماع دعوة الحق والخير ، وقد ظفر بعدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ، وقتلهم شر قتله ، وكانت سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم تجوس خلال الديار ، وكان ثمامة في طريقه إلى مكة ، فوقع في أسر هذه السرية وهي لا تعرفه ، وأتت به إلى المدينة ، وشدَّته إلى سارية من سواري المسجد ، منتظرة أن يقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بنفسه على شأن هذا الأسير .

         ولما رآه الني صلى الله عليه وسلم قال : أتدرون من أخذتم ؟ هذا ثمامة بن آثال الحنفي ، فأحسنوا إساره ، ثم رجع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهله ، وقال لهم: أجمعوا ما عندكم من طعام ، وابعثوا به إلى ثمامة ، ثم أمر بناقته أن تُحلب ، وأن يقدَّم إليه لبنها .. " -كان هذا قبل أن يلقاه - فلما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي يا محمد خير ، فإن تقتل تقتلْ ذا دم وإن تنعم تنعمْ على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تُعط منه ما شئت .. ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال لهم : أطلقوا سراحه)) .

      غادر ثمامة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومضى حتى إذا بلغ موضعاً من حواشي المدينة فيه ماء ، فأناخ راحلته ، ثم تطهر، ثم عاد أدراجه إلى المسجد فتوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال على مرأى ومسمع من أصحابه الكرام : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله ، يا محمد ، والله ما كان على ظهر الأرض وجهٌ أبغضُ إلي من وجهك ، وقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إلي ، ووالله ما كان دينٌ ، أبغض إلي من دينك ، فأصبح دينك أحبَّ الدين إلي، ووالله ما كان بلد أبغض إليَّ من بلدك ، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إلي ، ثم قال ، لقد كنت أصبت من أصحابك دماً ، فما الذي توجبه عليَّ؟ .. فقال صلى الله عليه وسلم : ((لا تثريب عليك يا ثمامة ، فإن الإسلام يجب ما قبله)).

        وهذه الرحمة التي يفيض بها قلب المصلي ، والتي تمثلت بالحزن والبكاء تارةً ، وبالعفو والصفح تارةً أخرى ، هذه هي الرحمة نفسها تتمثل بهذا الموقف الذي وقفه النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، يوم وجدوا عليه في أنفسهم ، وقد أترع هذا الموقف وفاءً، ورقة ، واعترافا بالجميل ، وحكمة في تصريف الأمور ، وتأليف القلوب ، واستئصال الضغائن ، وإشاعة المودة والمحبة ، ما هذا الموقف ؟

      حين انتهى المسلمون من غزوة حنين ، راح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوزع غنائمها على المسلمين ، واهتم يومئذ اهتماماً خاصاً بالمؤلفة قلوبهم ، وذوي الحاجة من المسلمين ، أما أولو الإسلام المكين، فقد وكلهم إلى إسلامهم ، ولم يعطهم من غنائم هذه الغزوة شيئاً ، وكان عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً يحرص عليه جميع الناس، وقد تساءل الأنصار في مرارة ، لِمَ لم يعطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حظهم من الفيء والغنيمة ، فجاء زعيم الأنصار سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ، لِما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام ، وأين أنت يا سعد من قومك؟ - يعني هل أنت مع قومك - فقال سعد ما أنا إلا من قومي ، هناك قال له الني عليه الصلاة والسلام : إذاً فاجمع لي قومك ، ثم وقف فيهم خطيباً وقال : ((يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم ، وجدةٌ وجدتموها علي في أنفسكم ، أما والله لو شئتم لقلتم فَلَصَدْقْتُم وَلصُدِّقْتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وعائلاً فواسيناك ، وطريداً فآويناك ، يا معشر الأنصار ، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي ، وعالةً فأغناكم الله ، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم، أوجدتم علي يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ، فو الذي نفسي بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ، فبكوا جميعاً حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظاً)) .

        أخوة الإيمان أرأيتم كيف أن الإنسان إذا عرف ربه ، واستقام على أمره ، وأقبل عليه سعد بقربه ، وصغرت الدنيا في عينيه ، وانتقلت من قلبه إلى يديه ، وحينما يتصل الإنسان بالله رب العالمين ، مصدر الحق والخير والجمال ، فإنه يهتدي قلبه ويصلح عمله ، وتسعد نفسه، وأنه حينما تنعقد الصلة بخالقه ، يفيض قلبه رحمة وحناناً وعطفاً وإحساناً وعفواً وتسامحاً ووفاءً ورقةً ، ومودةً ومحبةً ، قال الله تعالى:

[سورة طه]

وقال تعالى :

[سورة البقرة]

         ما أحوجنا إلى اتباع الهدى ، كي لا نحزن على ما كان ، ولا نخشى ما سيكون ، ولا تضل عقولنا في متاهات الوهم ، ولا تشقى أنفسنا في وحول الشهوة وجفوة البعد .

       أيها الإخوة ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، فالكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

        يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من أصبح وأكبر همه الدنيا ، جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ومن أصبح وأكبر همه الآخرة ، جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة)) .

         وكل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر. .

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته     يوماً على آلة حدباء محمولُ

فإذا حملت إلى القبور  جنـازة      فاعلم بأنك بعدها محمـولُ

       أيها الإخوة الكرام ، كأني بأحد الحاضرين أو المستمعين ، يسألني هذا السؤال ، قلتَ في مطلع هذه الخطبة ، إن الإنسان لا يسعد في دنياه وأخراه إلا إذا اتصل بربه وأقبل عليه ، وقد بينت لنا صوراً من آثار انعقاد الصلة بالله ، وقلتَ إن هذه الصلة لا تكون إلا إذا استقامت جوارح الإنسان، وصلح عمله ، وهذه الاستقامة الخالصة ، وذاك العمل الصالح ، لا يكونان إلا إذا عرف الإنسان ربه ، وصحت عقيدته ، أما السؤال ، فكيف يعرف المرء ربه وهو لا يراه ؟ .. وفي الجواب عن هذا السؤال أقول :

        أيها الإخوة ، السماوات بمجراتها وكازاراتها ، ونجومها وكواكبها ، وبروجها ومذنباتها ، وشموسها وأقمارها ، والأرض بجبالها وسهولها ، وبحارها وأنهارها ، وأسماكها وأطيارها، ونباتاتها وأزهارها ، وحيواناتها ومخلوقاتها ، وليلها ونهارها ، وشمسها وقمرها ، والإنسان بخلقه ، وطباعه ، وبنيته وأعضائه وزوجته وأولاده ، كلها آيات دالَّةٌ على الله ، مشيرة إليه ، وناطقة لكمالاته مجسدةٌ لأسمائه وصفاته ، فالخلق يدل على الخالق ، والصنعة تدل على الصانع ، والنظام يدل على المنظم ، والتسيير يدل على المسير ، والأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟ ..

سل الواحة الخضراء والماء جاريــا       هذي الصحارى والجبال الرواسيا

سل الروض مزدانا سل الزهر والندى        سل الليل والإصباح والطير شاديا

وسل هذه الأنسام والأرض والسمــا        وسل كل شيء تسمع الحمد ساريا

**

الشمس والبدر من أنوار حكمـتـــه        والبر والبحر فيض من عطايـاه

فالطير سبحه والــزرع قدســــه        و الموج كبره والحوت ناجــاه

و النمل تحت الصخور الصم مجــده        و النحل يهتف حمدا في خلايـاه

رب السماء و رب الأرض قد خضعت        إنــس وجن و أملاك لعليــاه

الناس يعصونه جهـراً فيسترهـــم         والعبد ينسى وربي ليس ينســاه

 

أيها الإخوة ، قال تعالى :

[سورة عبس]

وقال تعالى :

[سورة يونس]

        و ها نحن أولاء يا رب ، ننظر كما أمرتنا ، في آيةٍ من آيات السماوات والأرض ألا وهي الشمس ، فالشمس آية ساطعة دالةٌ على الله كسطوعها ، وهي نجم متوسط الحجم إذا قِيست بالنجوم الأخرى ، ومع أنها تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة حجماً ، وتبعد عنها مائة وخمسين مليون كيلو متر وسطياً ، ويقطع ضوء الشمس هذه المسافة في ثماني دقائق .

وهناك نجوم يزيد حجم أحدها عن حجم الشمس والأرض مع المسافة بينهما .

         وأما عن حرارتها فهي تصل إلى عشرين مليون درجة في مركزها ، فلو ألقيت الأرض في جوف الشمس لتبخرت في وقت قصير ، ويزيد طول ألسنة اللهب المنطلقة من سطحها عن نصف مليون كيلو متر وتنتج الشمس من الطاقة في كل ثانية ما يعادل إحراق ألفي مليار طن من الفحم الحجري في كل ثانية ، وتفقد الشمس في كل يوم من كتلتها ما يعادل ثلاثمائة وستين ألف مليون طن ، ويظن علماء الفلك ، أنه مضى على اتقادها ما يزيد عن خمسة آلاف مليون عام ، وهم يطمئنون الناس إلى أن الشمس لن تنطفئ قبـل خمسة آلاف مليون عام أخرى فاطمئنوا .

        ولو انطفأت الشمس فجأةً لغرقت الأرض في ظلام دامس ، ولهبطت درجة الحرارة فيها إلى ثلاثمائة وخمسين درجة تحت الصفر ، ولتحولت الأرض إلى قبر جليدي ، وانعدام الدفء والنور كافيان لقتل كل مظهر من مظاهر الحياة على سطح الأرض .

         سل الشمس من رفعها ناراً ، ونصبها مناراً ، وضربها ديناراً ، ومن علقها في الجو ساعة يدب عقرباها في الجو إلى قيام الساعة ، ومن الذي آتاها معراجها ، وهداها أدراجها ، وأحلها أبراجها ، ونَّقل في سماء الدنيا سراجها ؟

       الزمان هي سبب حصوله ، ومنشعب فروعه وأصوله ، وكتابه بأجزائه وفصوله ، لولاها ما اتسقت أيامه ، ولا انتظمت شهوره وأعوامه ،  ولا اختلف نوره وظلامه ، ذهبُ الأصيل من مناجمها ، والشفق يسيل من محاجمها ، تحطمت القرون على قرنها ، ولم يمح التقادم لمحة حسنها .

قال تعالى :

[سورة فصلت]

وقال تعالى :

[سورة إبراهيم]

وقال تعالى :

[سورة فصلت]

ها نحن أولاء يا رب نسبح بحمدك ، ونقدس لك ، ونسجد لعظمتك .

       اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن جفوة البعد إلى جنة القرب ، لقد صدق الله العظيم حينما قال :

[سورة يوسف]

ولقد صدق الله العظيم حينما قال :

[سورة فاطر]

      ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، إنك أنت العفو الكريم ، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

      اللهم أنت أحق من ذكر ، وأحق من عُبد ، وأنصر من نصر ، وأرأف من ملك ، وأجود من سئل ، وأنفع من أعطى ، أنت الملك لا شريــــك لك ، والفرد لا ند لك ، كل شيء هالك إلا وجهك ، فالقلوب لك مفضية ، والسر عندك علانية ، والحلال ما أحللت ، والحرام ما حرمت ، والدين ما شرعت ، والأمر ما قضيت ، والخلق خلقك والعبيد عبيدك ، وأنت الله الرؤوف الرحيم .

       اللهم اجعل حبك أحبَّ الأشياء إلينا ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا ، واقطع عنا حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك ، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم ، فأقرر أعيننا من رضوانك .

      اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك ، وأسعدنا بتقواك ، ولا تشقنا بمعصيتك ، وخِر لنا في قضائك ، وبارك لنا في قدرك ، حتى لا نحب تعجيل ما أخرت ، ولا تأخير ما عجلت .

     اللهم  يا كاشف الأسرار ويا مسبل الأستار ويا واهب الأعمار ويا منشأ الأخبار ويا مولج الليل في النهار ، ويا معافي الأخيار ويا مداوي الأشرار ، ويا منقذ الأبرار من العار والنار جُد علينا بصفحك عن زلاتنا و كن لنا وإن لم نكن لأنفسنا لأنك أولى بنا ، ومتعنا بالنظر إلى نور وجهك ولا تهجرنا بعد وصلك ولا تبعدنا بعد قربك ، ولا تُكربْنا بعد رَوْحك، لقد عادينا أعداءك فيك فلا تشمتهم بنا لتقصيرنا في حقك ووالينا أصفياءك فلا توحشنا منهم لسهونا عن واجبك  اللهم ما رزقتنا مما نحب  فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب، فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .

والحمد لله رب العالمين