الخطبة الإذاعية "03"
بتاريخ 20/ 02/ 1987 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: أثر القدوة في إصلاح
النفوس .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك
.
التنقيح
النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب
العالمين ، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، الحمد لله
الذي أنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعل له عوجاً ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما
كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
يا رب هذا ذلنا ظاهر بين يديك ، وهذا
ضعفنا لا يخفى عليك ، فعاملنا بالإحسان إذ الفضل منك وإليك ، نطلب منك الوصول إليك
، ونستدل بك عليك ، اهدنا بنورك إليك ، وأقمنا بصدق العبودية بين يديك.
يا رب علمنا من
علمك المخزون ، واحفظنا بسر اسمك المصون ، وحققنا بحقائق أهل القرب ، واسلك بنا
مسالك أهل الحب ، وأغننا بتدبيرك عن تدبيرنا ، وباختيارك عن اختيارنا، وأخرجنا من
ذل معصيتك ، إلى عز طاعتك ، وطهرنا من الشرك ، اللهم بك نستنصر فانصرنا ، وعليك
نتوكل فلا تكلنا ، وإياك نسأل فلا تخيبنا ، ومن فضلك نرغب فلا تحرمنا ، ولجنابك
ننتسب فلا تبعدنا ، وببابك نقف فلا تطردنا .
يا رب لقد خاب
من رضي من دونك بديلاً ، ولقد خسر من ابتغى عنك متحولاً .
يا رب لا يطيب
الليل إلا بمناجاتك ، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك ، ولا تطيب الدنيا إلا
بذكرك ، ولا تطيب الآخرة إلا ببرك ، يا ذا العزة والجبروت ، ويا مالك الملك
والملكوت ، ويا من أمنت يونس في بطن الحوت ، ونجيت موسى في التابوت ، وحفظت الحبيب
محمداً بنسيج العنكبوت ، سبحانك أنت الحي الذي لا يموت .
وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يقول في الحديث القدسي : ((ليس كل مصلٍ يصلي ، إنما أتقبل
الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم
الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي ،
إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس ، على أن أجعل له الجهالة حلماً ، والظلمة نوراً
، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم عليَّ فأبره ، أكلأه بقربي ، وأستحفظه
ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس ، لا يُمس ثمرها ، ولا يتغير حالها)) .
وأشهد أن
سيدنا محمداً رسول الله ، خير نبيٍ اجتباه ، وللعالمين أرسله ، زكَّى الله عقله
فقال:

[سورة النجم]
وزكى لسانه
فقال :

[سورة النجم]
وزكى شرعه
فقال :

[سورة النجم]
وزكى جليسه
فقال :

[سورة النجم]
وزكى فؤاده
فقال :

[سورة النجم]
وزكى بصره
فقال :

[سورة النجم]
وزكاه كله فقال :

[سورة القلم]
قال عليه
الصلاة والسلام : ((ألا يا ربَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا ، جائعة عارية يوم
القيامة ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا ، طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا
رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ألا وإن عمل
الجنة حَزْن بربوة ، ألا وإن عمل النار سهل بسهوة، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت
حزناً طويلاً)).
اللهم
صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، الهداة
المهديين ، الذين هم كالنجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا ، يقول الإمام علي كرم الله
وجهه : (إنه ليس شيء شر من الشر إلا العقاب ، وإنه ليس شيء خير من الخير إلا
الثواب ، وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم
من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر .
واعلموا
أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة ، خير مما نقص في الآخرة وزاد في الدنيا ، فكم
من منقوص رابح ، وكم من مزيد خاسر .
واعلموا
أن الذي أمرتم به ، أوسع من الذي نُهيتم عنه ، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم ،
فذروا ما قل لما كثر ، وما ضاق لما اتسع ، وقد تُكفِّل لكم بالرزق ، وأمرتم بالعمل
، فلا يكن المضمون لكم طلبه ، أولى بكم من المفروض عليكم ، فبادروا بالعمل وخافوا
بغتة الأجل) .
عباد الله
أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
أيها الإخوة
المؤمنون في كل مكان ، يقول الله عز وجل في سورة الحجر :

[سورة الحجر]
فالسماوات
والأرض تعبير قرآني يطابق مفهوم الكون ، والذي يبدو لعلماء الفلك من خلال المراصد
العملاقة أن هذا الكون لا تحدُّه نهاية ، ولا تحيط به دراية ، ففي كل يوم تُكتشف
مجرَّة جديدة ونجوم بعيدة ، فهناك مئات ألوف الملايين من المجرات ، وفي المجرة
الواحدة مئات ألوف الملايين من النجوم والكواكب ، ويكفي أن نذكر أنه تم اكتشاف
مجرة بعدها عن أرضنا يزيد عن ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، علماً بأن الضوء يقطع
ما يقارب ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة .. قال تعالى :

[سورة فاطر]
فلا
يعرف ما تعنيه مواقع النجوم إلا العلماء ، ومن عرف ما تعنيه مواقع النجوم خشع قلبه
، وخشعت جوارحه ، وخر لله ساجداً ، قال الله تعالى :

[سورة فاطر]
يقول
الإمام الشافعي رضي الله عنه : "إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت
الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم " .
نعود إلى
الآية الكريمة :

فالحق
لابَسَ خلق السماوات والأرض ، فماذا تعني كلمة " الحق " ؟ .. يا لروعة القرآن ، إنه يفسر
بعضه بعضاً ، قال الله تعالى :

[سورة ص]
فالحق إذاً
مناقض للباطل ، وقال تعالى :

[سورة الأنبياء]
فالحق
إذاً مناقض للّعب ، والحق إذاً ليس باطلاً ، وليس لعباً .. وإذا كان الباطل هو
الشيء الزائل والزاهق ، فالحق هو الثابت المستقر الأبدي .
وإذا
كان اللعب هو الشيء العابث ، غير الهادف ، فالحق هو الذي ينطوي على هدف كبير ..
وهو الاستقرار الهادف ، أو الحكمة الثابتة .. فما الهدف والحكمة من خلق السماوات
والأرض ؟ ..
قال
بعض العلماء في تفسير الآية الكريمة :" .. خلق الله السماوات والأرض مَظهراً
لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، وخلقنا كي نتعرف إليه ، من خلال خلق السماوات
والأرض فإذا عرفناه عبدناه ، وإذا
عبدناه حق العبادة ، سعدنا بعبادته في الدنيا والآخرة ، فمن تعرَّف إلى الله وعبده
حق العبادة وسعد بقربه فقد حقق الهدف من خلق السماوات والأرض ، وحقق الهدف من خلقه
، وقد ورد في الأثر القدسي : ((ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ،
وإن فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء...)).
يا رب ماذا وجد من فقدك ، وماذا فَقَدَ من وجدك .
فمعرفة
الله أمر مصيري في حياة الإنسان ، فمن لم يـعرف ربه ومن لم يهتد بهداه ، ضل عقله ،
وشقيت نفسه ، وحزن على ما فاته ، وخاف مما هو آت ، وكان هلوعاً جزوعاً منوعاً .
قال تعالى :

[سورة طه]

[سورة البقرة]

[المعارج]
فهذا
الهدي الرباني كيف نقنع الناس به ؟ وكيف نحملهم على اتباعه ؟ ولماذا دخل الناس في
دين الله أفواجاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ .. وفي عهد صحابته الراشدين ؟
.. ولماذا خرج ناسٌ كثيرون من دين الله أفواجاً في عهود لاحقة ؟ .. ولماذا كان
الواحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كألف ؟ .. ولماذا صار الألف من بعض
المسلمين كأفٍّ ؟ .. ولماذا نجح الأنبياء في تزكية نفوس أتباعهم والسمو بها ، ولم
ينجح غيرهم من دعاة الإصلاح وأدعياء الدين ؟ ..
يقول
أحد المفكرين : إن مثلاً واحداً أنفع للناس من عشرة مجلدات .. لأن الأحياء لا تصدق
إلا المثل الحي ، لهذا كان الني الواحد بمثله الخلقي الحي ، وجهاده أهدى للبشرية
من آلاف الكتَّاب ، الذين ملؤوا بالفضائل والحكم بطون المجلدات ، وإن أكثر الناس
يستطيعون الكلام عن المثل العليا ، ولكنهم لا يعيشونها .. لهذا كانت حياة الأنبياء
إعجازاً وكانت نتائج دعوتهم إعجازاً ، بينما لا تلقى دعوة الداعين غير المخلصين من
أتباعهم إلا الاستخفاف والسخرية ، فالإسلام لا يحييه إلا المثل الأعلى ، والقدوة
الحسنة ، والسلوك المستقيم ، والانضباط الذاتي ، والعفة عن المطامع و المحارم ،
والعمل الصالح ، والتضحية والإيثار ، قال عليه الصلاة والسلام :((ليس الإيمان
بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل)) .
وقال
أيضاً :((ركعتان من ورِع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط)) .
والمخلط
هو الذي خلط عملاً صالحاً ، وآخر سيئاً ، وقال عليه الصلاة والسلام : ((من لم
يكن له ورع يصده عن محارم الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله)) .
روي
أن سيدنا عمر رأى راعياً يرعى شياهاً ، فقال له : بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ،
فقال الراعي : ليست لي ، قال عمر : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، وهو بهذا
يمتحنه ، فقال الراعي : ليست لي ، قال عمر : خذ ثمنها .. عندها قال الراعي ، والله
إنني بأشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني
عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟
لقد وضع
هذا الراعي يده على جوهر الدين ، ولو أن حظه من الثقافة الدينية محدود ، فكفى
بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى به جهلاً أن يعصيه .
فإذا حدثت
أحدَنا نفسُه ، أن يأخذ ما ليس له بحق ، وليس عليه رقيب أو شهيد ، فقال في نفسه
كما قال هذا الراعي : ولكن أين الله ؟.. فهو قد عرف الله وصحت عباداته ، أما إذا
أخذ ما ليس له بحق أن يأخذه ، لن تنفعه ثقافته الدينية مهما اتسعت ، فقد لا يقبل
الله منه عباداته ، وأعماله ، مهما كثرت .
قال سهل
التستري : واللهِ لتركُ درهم من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام، وقيل :
ليس الولي من يفعل خوارق العادات ، ولكنه من تجده عند الأمر والنهي في الملمات ،
وقال سيدنا عمر رضي الله عنه ، لأويس القرني رضي الله عنه : عظني يا أويس، فقال
أويس : "ابتغ رحمة الله عند طاعته ، واحذر نقمته عند معصيته ، ولا تقطع رجاءك
فيما بينهما " .
وفي القرآن
الكريم إشارات دقيقة إلى الصفات الرفيعة التي يجب أن يتحلى بها كل من دعا إلى الله
وتصدى لهذه المهمة المقدسة .
فلا بد من
الترفع عن الدنيا وما فيها ، ولا ينبغي أن يُتخذ الدين مطية للدنيا ، قال الله
تعالى :

[سورة يس]
ولا بد من
العمل الصالح ، فهو دليل صدق الداعية ، وسبب نجاح الدعوة ، قال تعالى :

[سورة فصلت]
ولا بد من
الصبر على الطاعة وعن المعصية ، وعلى من تدعوه فهو علامة الصدق في طلب الجنة ،
والإصرار على الفوز برضوان الله ، قال الله تعالى :

[سورة السجدة 24]
ولا بد من
الانقياد التام لأوامر الله كلها في المنشط والمكره ، وما عُرفت حكمته وما لم
تُعرف ، فالرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، قال الله تعالى :

[سورة البقرة]
ولا بد أن
تكون الخشية لله وحده ، قال الله تعالى :

[سورة لأحزاب]
أيها الإخوة الكرام ، كان النبي صلى الله
عليه وسلم مثلاً أعلى لأصحابه الأطهار ، وأسوةً حسنةً للمؤمنين الأخيار ، وقدوة
صالحة لأتباعه الأبرار ، فقد اتسمت دعوته باتساع رقعتها ، وامتداد أمدها ، وعمق
تأثيرها ، لأنه طبق بسلوكه ما قاله بلسانه ، فقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق
عظيم ، وكان خلقه القرآن ، وأحبه أصحابه إلى درجة فاقت حد التصور ، وأطاعوه طاعةً جاوزت
حدود الخيال ، قال أبو سفيان يوم كان مشركاً : "ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب
أصحاب محمد محمداً " .
فالسر في
قوة تأثير النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه .. أنه كان لهم أسوة حسنة، وقدوة
صالحة ، ومثلاً يُحتذى .
قال ملك عمان ،
وقد التقى النبيَّ العدنان : والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه كان لا يأمر
بخير إلا كان أول آخذ به ، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا
يبطر ، ويُغلب فلا يضجر ، ويفي بالعهد ، وينجز الوعد.
لقد كان صلى
الله عليه وسلم ، جم التواضع ، وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام ، و ينصرف بكله
إلى محدثه صغيراً كان أو كبيراً ، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح ، وإذا تصدق وضع
الصدقة بيده في يد المسكين ، وإذا جلسَ جلس حيث ينتهي به المجلس ، لم يُر مادَّاً
رجليه قط ، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته أو حاجة صاحب أو جار ، وكان يذهب إلى
السوق ، ويحمل بضاعته ، ويقول : أنا أولى بحملها ، وكان يجيب دعوة الحر والعبد ،
والمسكين ، ويقبل عذر المعتذر .
وكان يرفو ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم
نفسه ، ويعقل بعيره ، ويكنس داره ، وكان في مهنة أهله ، وكان يأكل مع الخادم ،
ويقضي حاجة الضعيف والبائس ، و يمشي هوناً خافض الطرف ، متواصل الأحزان دائم
الفكرة ، لا ينطق من غير حاجة ، طويل السكوت ، إذا تكلمَ تكلم بجوامع الكلم .
وكان دمثاً ، ليس بالجاحف ولا المهين
، يعظم النعم وإن دقت ، ولا يذم منها شيئاً ، ولا يذم مذاقاً ، ولا يمدحه ، ولا تغضبه
الدنيا ، ولا ما كان لها ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها .
إذا غضب أعرض ، وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه
، وكان يؤلف ، ولا يفرق ، ويقرب ، ولا ينفر ، ويكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليهم ،
ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويُحَسِّن الحسن ويصوبه ، ويقبح
القبيح ويوهنه ، و لا يقصر عن حق ، ولا يجاوزه ، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم
عليه منه ، من سأله حاجة لم يرده
إلا بها ، أو ما يسره من القول .
كان دائم البشر
، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخَّاب ، ولا فحَّاش ، ولا
عيَّاب ، ولا مزَّاح ، يتغافل عما لا يشتهي .
ولا
يخيب فيه مؤمله ، وكان لا يذم أحداً ولا يعيِّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا
فيما يُرجى ثوابه ، يضحك مما يضحك منه أصحابه ، ويتعجب مما يتعجبون ، ويصبر على
الغريب وعلى جفوته في مسألته ومنطقه ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه .
الحديث عن
شمائله صلى الله عليه وسلم لا تتسع له المجلدات ، ولا خطب في سنوات، ولكن الله جل
في علاه ، لخصها بكلمات فقال :

[سورة القلم]
والمثل
الأعلى الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بسيرته ، وخلقه حمل أصحابه الكرام على
أن يهتدوا بهديه ، ويتبعوا سنته ، ويقتفوا أثره ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه
، يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجعل من سلوكه ومواقفه مثلاً أعلى
يُحتذى، فكان إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصته ، وقال لهم : إني أمرت الناس
بكذا ، ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وايمُ الله ، لا
أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانته مني .. فصارت
القرابة من عمر رضي الله عنه مصيبة .
وقد جسد
هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه بسلوكه ، قيم الحق والخير ، في أبهى صورها ،
جسدها بمواقفه ، وأحكامه فكان بحق بطل مبدأ ، مضى نحو تحقيقه ، من دون أن ينظر إلى
الثمن .
ففي خلافة سيدنا
عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، جاءه إلى المدينة جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة ، معلناً إسلامه ، وقد رحب
به عمر ، لكن بدوياً من فزارة يدوس على طرف ردائه ، فغضب الملك ، ويلتفت إلى هذا
البدوي ، ويضربه ، ويهشم أنفه ، فيشكوه الفزاري إلى عمر بن الخطاب ، ويستدعي عمر الملك الغساني إلى مجلسه ،
ويدور بينهما حوار صيغ على الشكل التالي :
قال عمر : يا ابن أيهم
، جاءني هذا الصباح مشهد يبعث في النفس المرارة ، بدوي من فزارة بدماءٍ تتظلم ،
بجراج تتكلم ، مقلةٌ غارت ، وأنف قد تهشم ، وسألناه ، فألقى فادح الوزر عليك ،
بيديك .
أصحيح ما
ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة :
لست ممن ينكر ، أو يكتم شيئا ، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي .
قال
عمر : أي حق يا ابن أيهم ، عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم ، عند غيري جبهةٌ
بالإثم بالباطل تلطم ، نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها ، وأقمنا فوقها
صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .
أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه ، ما زال
ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يهشمن الآن أنفك ، وتنال ما فعلته كفك .
فقال جبلة :
كيف ذاك يا أمير المؤمنين ، هو سوقة
، وأنا صاحب تاج ، كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ، كان وهماً ما جرى في خلدي أنني
عندك أقوى وأعزّ أنا مرتدٌ إذا أكرهتني .
فقال عمر :
عالَم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
أيها الإخوة
الكرام ، كلكم يعلم ماذا فعل جبلة بعد موقف عمر هذا رضي الله عنه .
لقد أدرك أعلام
العلماء من السلف الصالح أثر القدوة الحسنة في تهذيب النفوس والسمو بها ، وحملها
على عظائم الأعمال ، فوعظوا أنفسهم قبل أن يعظوا غيرهم ، لذلك كان تأثيرهم في
معاصريهم شديداً ، وهيبتهم عند أولي الأمر عظيمة ، قال الإمام الغزالي :
"الوعظ زكاة الاتعاظ ، ومن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة ، وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم : ((تركت فيكم واعظين ، ناطقاً وصامتاً ، فالناطق هو القرآن ،
والصامت هو الموت، وفيهما كفاية لكل متعظ)) .
فقلت
لنفسي ( هذا قول الإمام الغزالي ) أما أنتِ فمصدقةٌ بأن القرآن هو الواعظ الناطق ،
فإن الله تعالى يقول فيه :

[سورة هود]
فقد وعدك (
يخاطب نفسه ) الله تعالى بالنار على إرادة الدنيا وحبها ، وكل ما لا يصحبك بعد الموت
فهو من الدنيا ، ولو أن طبيباً وعدك بالمرض على تناول ألذِّ الأكلات لتحاشيتها ،
واتقيتها ، أيكون الطبيب عندك أصدق من الله تعالى ؟ .. فإن كان كذلك فما أكفرك ،
وإن كان المرض أشد عندك من النار فما أجهلك .. ثم وعظنا بالواعظ الصامت وهو الموت
، فقلت قد أخبر الواعظ الناطق عن الواعظ الصامت ، حيت قال الله تعالى :

[سورة الشعراء]
وهكذا نجد
كيف أن القدوة تفعل فعل السحر في النفوس ، لأن الناس لا يتعلمون بآذانهم ، بل
يتعلمون بعيونهم ، ولغة العمل أبلغ من لغة القول ، لذلك لا تستطيع أن تقنع الناس
بشيء إلا إذا كنت قانعاً به ، ولا تستطيع أن تحملهم على اتباعه إلا إذا سبقتهم
إليه ، عندئذ تكون أنت أيها الداعية قدوة حسنة .
والقدوة
الحسنة هي حقيقة مع البرهان عليها ، فمتى يستقيم الظل والعود أعوج ، فأنت أيها
المسلم على ثغرة من ثغر الإسلام ، فلا يؤتين من قبلك ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا
بما صلح به أولها .
ورد في
الأثر القدسي :((إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن
الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه)) .
أيها الإنسان ، صانك الله فلا تبتذل ، وأعزك فلا تَذل ، وأعلاك فلا تسفل ،
ونقَّاك فلا تتلطخ ، هو يسر لك فلا تتعسر ، و قربك فلا تتباعد ، وأحبك فلا تتبغض ،
جد بك فلا تكسل ، و استخلفك فلا تتكل ، وأعتقك فلا تتعبد لغيره ، وأقالك فلا تتعثر
، ونسبك فلا تجحد، وجبرك فلا تنكسر ، وأنبتك فلا تذوِ ، وحسَّنك فلا تقبح ، وحلاك
فلا تسمج ، وعلمك فلا تجهل ، ونوه بك فلا تخمل ، وقواك فلا تضعف ، و لطفك فلا تكثف
، و أسرك فلا تنكشف ، وانتظرك فلا تتوقف ، وأمنك فلا تتخوف ، وقومك فلا تتقصف ،
وندَّاك فلا تنشف.
أيها الإخوة
المؤمنون ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم،
واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ،
الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على
الله الأماني .
كل مخلوق
يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر ،
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر ، إذا رجع العبد العاصي إلى الله سطع نور
بين السماء والأرض ، ونادى منادٍ مِن قِبَلِ الله جل وعلا : أيتها الخلائق هنئوا
فلاناً فقد اصطلح مع الله ، والحمد لله رب العالمين .
الخطبة
الثانية :
أيها الإخوة الكرام ، قلت في
الخطبة الأولى : إن جوهر الدين أن يعرف الإنسان ربه، وإن الكون كله مظهر لأسماء
الله الحسنى ، وإن التفكر في مخلوقات الله باب واسع من أبواب معرفة الله ، وإن
الإنسـان إذا تفكر في خلق الله عرفه ، وإذا عرفه عبده ، وإذا عبده سعد في الدنيا
والآخرة ، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض ،
وقد حضنا الله على التفكّر في بعض آياته ، ومنها الإبل فقال :

[سورة الغاشية]
فلو أمعن
المرء النظر إلى الجمل ، لرآه من أبدع المخلوقات ، إنه أعجوبة في الهندسة
التشريحية ، فالجمل يُعدُّ وسيلة لا تُقدر بثمن في المناطق الصحراوية ، والتي تغطي
سدس مساحة اليابسة ، والتي تستعصي حتى على أقوى المركبات .. وفي العالم ما يزيد عن
خمسة عشر مليوناً من الجمال تزداد باستمرار ، فكل ما في الجمل متقن التصميم للتكيف
مع بيئته القاسية .
فعينه لها أهداب
كثيفة ، ومزدوجة ، تحجب عنها الرمال المتطايرة ، وتتميز العين بقدرتها على التكبير
والتقريب ، فهي تريه البعيد قريباً والصغير كبيراً ، وهذا سر انقياده لطفل صغير أو
لدابة قميئة .. قال تعالى :

[سورة يس]
وفي إمكان
الجمل إغلاق أذنيه ومنخريه حفظاً من الغبار ، أما أخفافه الضخمة فهي تُسهِّل له
الحركة على الرمال ، من دون أن يغرز فيها ، وشفتا الجمل ، مطاطيتان قاسيتان ،
تلتهمان الأشواك الحادة ، وهما فعَّالتان في تجميع الطعام والأشواك حيث لا يفقد
الجمل أية رطوبة بمد لسانه إلى الخارج .

ومن أبرز
مزايا الجمل قلة حاجته إلى الماء ، ومع أنه يمكنه أن يشرب ما يملأ حوض استحمام ،
لكنه يستطيع أن يستغني عن الماء كلياً عشرات الأيام ، بل بضعة أشهر ، حيث يستطيع
في الحالات الطارئة أن يأخذ ما يحتاج إليه من ماء من أنسجة جسمه ، فيخسر ربع وزنه
من غير أن يضعف عن الحركة ..
وفي السنام يخزن
الجمل من الشحم ما يعادل خمس وزنه ، ومنه يسحب الجمل ما يحتاج إليه من غذاء ، إن
لم يجد طعامًا .. ومتوسط عمر الجمل يزيد عن أربعين عاماً .
ولا يسلس
قياد الجمل إلا إذا عومل باحترام ومودة وعطف .. وفي هذا عبرة لبني البشر ..

عرفتك يا رب في بحث وفي فطرة فجئتك صباً طاهر القلب خاليا
***
لك في الآفاق آيات
لعل أقلَّــــها نوراً بدا إليه
هـــــداك
وإن رأيت البحر في
الملح قد طغـى فاسأله من ذا الذي
أطـــغاك
***
الدعاء :
ربنا
تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، ولا تؤاخذنا
إن نسينا أو أخطأنا ، إنك أنت العفو الكريم ، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب
لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .
اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها
بالإقتار ، فنسترزق من دونك ونسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت
من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك ، خزائن الأرض والسماء .
اللهم إنا
نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، و نعوذ بك من
عضال الداء ، ومن السلب بعد العطاء ومن شماتة الأعداء .
اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك ، ومن
الأمل إلا فيك ، ومن التسليم إلا لك ، ومن التفويض إلا إليك ، ومن التوكل إلا عليك
، ومن الطلب إلا منك ، ومن الرضى إلا عنك ، ومن الصبر إلا على بلائك .
اللهم إنا نسألك
خفايا لطفك ، وفواتح توفيقك ، ومألوف برّك ، وعوائد إحسانك ، وجميل سترك ، وروح
قربك ، وجفوة عدوك .
اللهم احرسنا عند الغنى من البطر ، وعند
الفقر من الضجر ، وعند الكفاية من الغفلة ، وعند الحاجة من الحسرة ، وعند الطلب من
الخيبة ، وعند المنازلة من الطغيان ، فإنه لا عز إلا في الذل لك ، ولا غنى إلا في
الفقر إليك ، ولا أمن إلا في الخوف منك .
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من
القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين ، يا أرحم الراحمين .
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ،
والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات ، إنك يا مولانا سميع مجيب للدعوات .
اللهم أعز كلمة الحق والدين ، وانصر
الإسلام وأعز المسلمين .
اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً
فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر .
*****