الخطبة الإذاعية "05"
بتاريخ 16/ 8/ 1987 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: الرزق .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك
.
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب العالمين ، يا مجيب
دعاء المضطرين ، يا ولي عبادك المؤمنين ، يا غاية آمال العارفين ، يا منتهى أمل
الراجين ، يا حبيب قلوب الصادقين ، يا خير من سئل ، ويا أرحم من استرحم ، يا من لا
يخفى عليه إغماض الجفون ، ولا لحظ العيون ، ولا ما استقر في المكنون ، كيف نستدل
عليك ، ونحن في وجودنا مفتقرون إليك ، قيل للإمام علي كرم الله وجهه : حدِّثنا عن
ربك ، قال :" سبحان ربي ، لا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ، فوق كل شيء
، وليس تحته شيء ، وهو في كل شيء ، لا كشيء في شيء ليس كمثله شيء ، وهو السميع
البصير ، ليس بجسم ولا صورة ولا محدود ولا متبعضٍّ ولا متجزئ ولا متناهٍ ، ولا
يُسأل عنه بمتى كان ، لأنه خالق الزمان ، ولا يُسأل عنه بأين هو ، لأنه خالق
المكان ، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما
سيكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " .
وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، خلقت فسويت ، وقدّرت وقضيت ، وأمت وأحييت ، وأمرضت وشفيت ،
وعافيت وابتليت ، وأغنيت وأقنيت ، وأضحكت وأبكيت ، والمرجع والمآل إليك، نحن بك
وإليك .
ينادي الحق جل وعلا
على عباده المؤمنين : ((أن يا عبادي إنكم لا تملكون ضرّي فتضروني ، ولا تملكون
نفعي فتنفعوني ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعاً ،
فاستغفروني أغفر لكم ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنَّكم ، وقفوا على صعيد رجل
واحد ، وسألني كل واحد منكم مسألته ، وأعطيت كل سائل مسألته ، ما نقص ذلك في ملكي
شيئاً ، إن هي إلا أعمالكم أحصيها عليكم ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد
غير ذلك ، فلا يلومنَّ إلا نفسه)) .
وأشهد أن
سيدنا محمداً عبده ورسوله ..
سيدي يا رسول الله ، أشهد أن الذين
بهرتهم عظمتك لمعذورون ، وأن الذين افتدوك بأرواحهم لهم الرابحون يا للعجب ، أي
إيمان ، وأي عزم ، وأي مضاء ، أي صدق ، وأي طهر ، وأي نقاء ، أي تواضع ، وأي حب ،
وأي وفاء .
فيوم كنتَ طفلاً ، يا سيدي يا رسول
الله ، عزفتَ عن لهو الأطفال ، وعن ملاعبهم ، وعن أسمارهم ، وكنت تقول لأترابك إذا
دعوك إلى اللهو : أنا لم أخلق لهذا .
ويوم جاءتك رسالة الهدى ، وحُمِّلت
أمانة التبليغ ، قلت لزوجتك وقد دعتك إلى أخذ قسط من الراحة : اِنقضى عهد النوم يا
خديجة .
ويوم فُتِحت مكة ، التي آذتك وأخرجتك
، وكادت لك ، وأتمرت على قتلك ، وقد ملأت راياتك الأفق ظافرةً عزيزة ، قلت لخصومك
بالأمس : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
ويوم دانت لك الجزيرة العربية ،
وجاء نصر الله والفتح ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، صعدت المنبر ، واستقبلت
الناس باكياً وقلت لهم : من كنت جلدت له ظهراً ، فهذا ظهري فليقتد منه ، ومن كنت
أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه .
ونحن نقول مع من قال ، يا سيدنا يا
رسول الله ، ما أعقلك ، وما أرحمك ، وما أوصلك ، وما أحكمك ، جزاك الله عنا خير ما
جزى نبياً عن أمته ، لقد كنت رحمةً مهداة ، ونعمةً مجزاةً .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا
محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، الهداة المهديين الذين اختارهم الله له
تكريماً وتأييداً .
عباد الله
أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان ،
الناس في كسب المال ثلاثة أطباق ؛ رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين ، ورجل
شغله معاده عن معاشه فهو من الفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين ،
فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:((تكون أمتي في الدنيا على ثلاثة
أطباق : أما الطبق الأول فلا يرغبون في جمع المال، ولا ادخاره ، ولا يسعون في
اقتنائه ، واحتكاره ، إنما رضاهم من الدنيا ، ما سد جوعةً وستر عورة ، ما بلغ بهم
الآخرة ، فأولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
أما الطبق الثاني : فيحبون جمع المال من
أطيب سُبله ، وصرفه في أحسن وجوهه ، يصلون به قرابتهم وأرحامهم ، ويؤثرون به
إخوانهم ، ويواسون فيه فقراءهم ، ولأن يعضَّ أحدهم على الحجارة ، اسهل عليه من أن
يكتسب درهماً من غير حله ، وأن يضعه في غير وجهه ، وأن يمنعه من يستحقه ، وأن يكون
له خازناً إلى حين موته ، فأولئك إن نوقشوا عَذّبوا ، وإن عُفي عنهم سلموا .
وأما الطبق
الثالث : فيحبون جمع المال مما حلَّ وحرم ، ومنعه مَن فُرض له ، وإن أنفقوه أَنفقوه
إسرافاً ، وإن أَمسكوه أَمْسَكوه بخلاً واحتكاراً ، أولئك ملكت الدنيا أزمة قلوبهم
، حتى أوردتهم النار بذنوبهم)) .
وقد روي عن الإمام علي كرّم
الله وجهه أنه قال : " الدنيا حلالها حساب ، وحرامها عذاب ، وشبهتها عقاب
"
لقد حضنا
الله على طلب الرزق ، ويسر لنا سُبله فقال تعالى :

[سورة
النبأ]
وقال :

[سورة الأعراف 10]
وقال :

[سورة الجمعة ]
وفي الحديث
الشريف :((إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)) .
وقال سيدنا
عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول : اللهم
ارزقني ، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة " .
وقال أيضاً
: " استغن عن الناس يكن أصون لدينك ، وأكرم لك عليهم " .
ولكن دفعاً
للقلق من أجل الرزق ، ومنعاً من ارتكاب المعاصي ، واحترازاً من أن يقف الإنسان موقف
مذلة طمأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المؤمن بأن رزقه مقسوم ومضمون ، وموزون
، وأن رزق الله تعالى ، لا يجره حرص حريص ، ولا ترده كراهة كاره ، وأن الله تعالى
جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ، وقال صلى
الله عليه وسلم :(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي
رزقها ، فاتقوا الله عباد الله تعالى ، وأجملوا في الطلب ، واستجملوا مهنكم ، ولا
يحملنكم استبطاء شيء من الرزق على أن تطلبوه بمعصية فإن الله تعالى لا ينال ما
عنده بمعصيته)) .
وقد ورد في
بعض الآثار القدسية :((عبدي خلقت السماوات والأرض ، ولم أعيَ بخلقهن ، أفيعييني
رغيف أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإن خالفتني في فريضتي ، لم
أخالفك في رزقك .. وعزتي وجلالي ، إن لم ترض بما قسمته لك ، فلأسلطن عليك الدنيا ،
تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، ولا أبالي
وكنت عندي مذمومًا)) .
لذلك نهانا
ربنا جل وعلا ، أن نتشاغل بما ضمنه لنا عما افترضه علينا .
ولكن ليس كل رزق حلالاً ، ولا كل
كسب مشروعاً ، فالمؤمن يتحرى الحلال في كسبه ، لأنه يعلم أن المال الحرام ، يذهب
من حيث أتى ، وأنه يَتلف ، ويُتلف صاحبه ، وهو يعلم علم اليقين ، أنه من كان كسبه
حراماً سقط من عين الله ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض ، أهون من أن
يسقط من عين الله ، لذلك أمرنا الله عز وجل بصريح الآية المحكمة أن نأكل الحلال
الطيب ، فقال :

[سورة البقرة]
والحلال ما
كان حلالاً في ذاته وفي طريق كسبه ، فهو يحل لكم ويُبقي على الصلة بينكم وبين ربكم
، والطيب ما طابت به أجسامكم ونفوسكم وحياتكم .
وقد يكون الحلال الطيب أقل من
الحرام الخبيث ، من حيث الكم ، وفي هذا ابتلاء من الله لعباده المؤمنين ، فمن نجح
في هذا الامتحان وآثر القليل من الحلال الطيب على الكثير من الحرام الخبيث ، بارك
الله له في ماله ، فانتفع منه وفي أهله وأولاده فسعد بهم ، وحفظ الله له صحته
ومكانته ، وضمن له سعادته في الدنيا والآخرة قال الله تعالى:

[سورة الكهف]
ولحكمة بالغة جعل كسب الحلال الطيب
أصعب وأشق من كسب الحرام الخبيث ، ليبتلى المؤمن ثانية في مدى حرصه على الحلال
الطيب ، بل في مدى حرصه على رضوان الله قال النبي صلى الله عليه وسلم :((من بات
كالاً ( متعبا ) في طلب الحلال ، بات مغفوراً له)).
والشرع الحنيف ، حينما يأمر المؤمن
يتحرى الحلال في كسبه ينهاه أشد النهي عن أن يتحرى الحلال والحرام في كسب الآخرين
، فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ،
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه من طلب الرزق من طرقه المشروعة ، وتقصى
الحلال من الكسب وابتغى كف نفسه عن المسألة ، وإغناء أبويه وأهله وأولاده ، لقي
الله تعالى وهو عنه راض فقال صلى الله عليه وسلم : ((من طلب الدنيا حلالاً
وتعففاً عن المسألة ، وسعياً على عياله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجهه كالقمر
ليلة البدر)) .
وقد كان صلى
الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه ذات يوم فنظروا إلى شاب ، ذي جلد وقوة ، وقد بكر
يسعى فقالوا : ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله ، فقال صلى الله عليه وسلم
: ((لا تقولوا هذا ، فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكّفها عن المسألة ، ويغنيها
عن الناس ، فهو في سبيل الله ، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف
ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله ، وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل
الشيطان)) .
لقد أكد
النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذين الحديثين الشريفين : ((إنما الأعمال
بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) .
[البخاري عن عمر]
أن النية
وحدها تحدد قيمة العمل .. فقد يلتقط الرجل لقطة فإن نوى أخذها فهو معتد وإن نوى
البحث عن صاحبها فهو محسن ، وشتان بين العدوان والإحسان .
فالعمل على إطلاقه أساس الرقي عند
الله ، فمن العمل الصالح العمل الذي تكسب به رزقك أيها المؤمن ، إذا بني هذا العمل
على الإتقان والنصح وعدم الغش ، واهتم صاحبه في تطويره وتحسينه ، توصلاً لخدمة
الخلق ، الذين هو عيال الله ، وترفق بالناس بالأجر أو السعر وعاملهم باللين
والحكمة ، كان هذا العمل نفسه وسيلة لكسب رضوان الله ، والفوز بنعيم الجنة الأبدي
، قال صلى الله عليه وسلم : ((إن الله تعالى يحب المؤمن المحترف)) .
[رواه الحاكم
والطبراني في الكبير والبيهقي عن ابن عمر ]
بل ربما كان
الذي يكسب رزقه حلالاً باذلاً من أجله جهداً ، ووقتاً ، وعرقاً ، أفضل عند الله
تعالى ممن انقطع للعبادة ، وهو عالة على غيره يروى أن رجلاً كان يعبد الله فقيل له
: ما تصنع ؟ قال : أتعبد الله فسئل : فمن يطعمك ؟ فقال : أخي ، فقيل له : أخوك
أعبد منك ..
والنبي صلى الله عليه وسلم
ينهى عن المسألة مبيناً أنها تفتح على العبد أبواب الفقر فقال: ((لأن يأخذ
أحدكم حبله ، فيحتطب على ظهره ، خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله ، أعطاه أو منعه))
.
[رواه البخاري عن أبي
هريرة /1401]
وقال : ((من
فتح على نفسه باباً من السؤال فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر " ...)) ، وفي
الأثر أنه : ((من جلس إلى غني فتضعضع له - أي تمسكن - له ذهب
ثلثا دينه)) .
(رواه ابن جرير ) .
فلا ينبغي
للمؤمن أن يذلَّ نفسه ، بل ينبغي أن يطلب الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري
بالمقادير ، فاليد المعطاءة العليا خير من اليد الممدودة السفلى .
ولقد نهانا الشرع الحنيف ، عن أكل
أموال الناس بالباطل ، وجعله من كبائر المحرمات ، حيث قال :

[سورة النساء 29]
لم يقل الله
عز وجل : لا تأكلوا أموال الناس ، لقد أشارت كلمة لا تأكلوا أموالكم ، إلى ما هو
عليه المؤمنون ، أو إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون ، من أخوة صادقة ، ومشاركة
وجدانية حانية ، يجسدها الشعور ، بأن مال أخيك هو مالك ، من زاوية أنه يجب عليك أن
تحافظ عليه ، وأن تصونه من التلف والضياع ، فلأن تمتنع عن أكله بالباطل من باب
أولى ، فإذا أكلت مال أخيك أضعفته ، وفي ضعفه ضعف لك ، فأنت بهذا قد أكلت مالك ،
وأشارت كلمة ( بينكم ) إلى أن المال يجب أن يكون متداولاً بين جميع أفراد الأمة ،
وأكله بالباطل يجعله متداولاً بين الأغنياء فقط ، وفي هذا تضييق على الفقراء ، بل
عُدْم لهم .
والمال قوام الحياة ، وأكل
أموال الناس بالباطل ، عدوان على قوام حياتهم ، وهذا يستوجب غضب الله ، وعقابه
الأليم ، فالإضرار بالناس يقترب من الشرك بالله ، أما أكل المال بالحق : فهو أن
يكون نظير عوض حقيقي ، أو خدمة صحيحة ، وأن يكون المأكول ماله راضياً أشد الرضا ،
حتى لو كشف الغطاء ، وهذا مستنبط من قوله تعالى :

[سورة النساء 29]
وقد شدد النبي صلى الله عليه
وسلم على حرمة المال الحرام ، وجعلها كحرمة الدم والعرض فقال : ((كل المسلم على
المسلم حرام ؛ دمه وماله وعرضه)) .
[ متفق عليه من خطبة
الوداع ]
وفيما رواه
البيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :((ألا لا تظلموا ، ألا لا
يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفس منه)) .
وقال :
((من انتهب نهبة فليس منا)) .
[رواه الترمذي ]
ومِن أكلِ
أموال الناس بالباطل : الغصب ، والنهب ، والسلب ، والرشوة ، والغلول ، والسرقة ،
والميسر ، والربا ، وهذه الأنواع من أكل أموال الناس بالباطل ، بينةٌ حرمتها ،
واضحةٌ حدودها ، وظاهرة نتائجها ، لذلك تجد الكثرة الكاثرة من المسلمين يبتعدون
عنها خشية أن يحلَّ عليهم غضب الله ، ومن يحلل عليه غضب الله فقد هوى .
ولكن هناك أنواعاً من أكل
أموال الناس بالباطل ، يخفى على كثير من المسلمين ، بسبب توانيهم عن حضور مجالس
العلم ، أو عزوفهم عن سؤال أهل الذكر ، وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان
يطوف بالسوق ، ويعنف بعض التجار ويقول :" لا يبع في سوقنا إلا من تفقه ،
وإلا أكل الربا شاء أم أبى " .
ومن أكل أموال الناس بالباطل
" الاحتكار " ، وهو بالتعريف الدقيق ؛ حبس مالٍ ، أو منفعة ، أو عمل ،
والامتناع عن بيعه وبذله حتى يرتفع سعره ارتفاعاً فاحشاً غير معتاد ، بسبب قلته أو
انعدام وجوده في مظانِّه ، مع شدة الحاجة إليه ، والمحتكر من خلال أحاديث سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ملعون وخاطئ ، وقد برئت منه ذمة الله ، وقد توعده
الله بالنار ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :((لا يحتكر إلا خاطئ)) .
[ حديث رواه مسلم
وغيره عن ابن عمر ]
وقال :((الجالب
مرزوق ، والمحتكر ملعون)) .
[رواه ابن ماجه
2/153]
وقال : ((من
احتكر الطعام أربعين ليلة يريد به الغلاء ، قد برئ من الله وبرئ الله منه)) .
[رواه مسلم وغيره]
وقد أثنى النبي صلى الله
عليه وسلم على من ترك الاحتكار خوفاً من الله ، وإشفاقاً على المسلمين ، وتيسيراً
عليهم فقال :((من جلب طعاماً فباعه بسعر يومه فكأنما تصدق به)) .
[قال الحافظ العراقي
في تخريجه على الإحياء : أخرجه ابن مردويه من حديث ابن مسعود بسند ضعيف]
فالاحتكار :
أكل لأموال الناس بالباطل ، وابتزازها بافتعال قلة العرض مع كثرة الطلب ، وليس هذا
الربح الزائد الذي يجنيه المحتكر حلالاً ؛ لأنه ليس نظير خدمات حقيقية يقدمها
التاجر ، ولم يُؤخذ بالرضى الحقيقي للمشتري ، إنما هو إلجاء أصحاب الحاجات إلى
شراء حاجاتهم ، بأكثر من أثمانها الحقيقية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :((بئس
العبد المحتكر ، إن أرخص الله الأسعار حزن ، وإن أغلاها فرح)) .
[ذكره الطبراني في
الكبير والبيهقي عن معاذ ]
بل إن علماء الأصول بنوا حكم
الاحتكار لا على النصوص الجزئية التفصيلية الخاصة به فحسب ، بل على أصول عامة ،
ثبتت بالاستقراء الدقيق ، قال الإمام أبو يوسف رحمه الله: " كل ما أضر
بالناس حبسه فهو احتكار" ، وقال بعض الفقهاء المحدثين : "كل
إيهام أو تضليل ، من شأنه أن يزيد في الطلب على السلعة ، مع قلة العرض ، تمهيداً
لرفع السعر فهو احتكار" .
ومن أكل أموال الناس بالباطل :
الغش ، وللغشّ أنواع كثيرة وصور شتى ، يرجع معظمها إلى المخادعة ، بإظهار شيء ،
وإخفاء خلافه ، في باطنه ، ومن ذلك الكذب في التعريف فيعرّف الرديء بأنه جيد ، وذو
السعر الرخيص بأنه ذو السعر الغالي .
ومن الغش دس
الرديء في أثناء الجيد ، وبيعه جميعاً بقيمة الجيد دون بيان الواقع والحقيقة ، ومن
الغش أن يقول البائع اشتريته بكذا كذباً ليخدع المشتري في هامش ربحه ، ومن الغش
إخفاء العيب والتلاعب بالوزن ، والكيل والعدد ، والطول والحجم والمساحة ، ومن الغش
تزوير منشأ البضاعة ومصدرها ، أو الكذب في الإخبار عنها ، ومن الغش عرضها بطريقة
تزيد من مزاياها ، وتخفي من عيوبها ، ومن الغش توجيه المشتري إلى بضاعة رديئة
كاسدة استغلالاً لجهله ، ومن الغش استغلال جهل المشتري ، ورفع السعر أضعافاً
مضاعفة ، وهذا المشتري الجهول بنوعية البضاعة وقيمتها سماه الني صلى الله عليه
وسلم " المسترسل " فقال: ((غَبنُ المسترسل ربا )) .
[رواه البيهقي عن أنس
]
وقال : ((غبن
المسترسل حرام)).
[ رواه الطبراني عن
أبي أمامة ]
وهكذا فكل
مالٍ يكسبه الإنسان عن طريق الغش فهو حرام ، وهو سحت ، وظلم ، وهو من أكل أموال
الناس بالباطل .
والغش كما يكون بالبيع يكون في الشراء ، فقد نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عن تلقي الركبان لشراء بضاعتهم قبل أن يعرفوا قيمتها الحقيقية ، ونهى عن
كل جهالة تمكن البائع أو الشاري من الغش ، وتفضي إلى منازعة .
وسواء في الإثم أن تغش المسلمين ،
أو غيرهم ؛ لأن الحق لا يفرّق ، ولا يجزأ ، فالخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى
الله أنفعهم لعياله، قال صلى الله عليه وسلم : ((من غش فليس منا)) ، وكلمة
غش جاءت مطلقة .
[رواه الترمذي عن أبي
هريرة ، ورواه مسلم في حديث : ما هذا يا صاحب الطعام ..]
بل إن غش
غير المسلمين أشد إثماً ، لأنه يؤدي إلى جرح مكانة الدين ، فأنت أيها المسلم على
ثغرة من ثغر الإسلام فلا يُؤتَيَنَّ
مِن قِبلك.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه : ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صُبرة طعام ، فأدخل يده
فيها فنالت أصابعه بللاً فقال : ما هذا يا صاحب الطعام ؟ فقال: أصابته السماء يا
رسول الله ، قال : أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غش فليس منا)) .
[رواه مسلم 102]
وقد أثنى النبي صلى الله
عليه وسلم على التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا
ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا باعوا لم يطروا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا كان عليهم
لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسّروا .
وقال صلى الله عليه وسلم :((مَن
عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت
مروءته ، وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته)) .
فإذا ظلمهم
، أو كذبهم ، أو أخلفهم ، فقد سقطت عدالته ، لكن الفقهاء عدوا بنوداً كثيرة تجرح
العدالة ، منها : أكل لقمة من حرام ، ومنها تطفيف بتمرة ..
المبادئ والقيم والمثل لا تعيش إلا
في المثل الحي ، والمثل الحي يجسد المبادئ ، ويحقق القيم ، ويجعل الطريقة المثلى
واقعاً ، والمثل الحي حقيقة مع البرهان عليها ، والمثل الحي ، نموذج إنساني خالد ،
ونبراس للأجيال من بعده ، فأبو حنيفة النعمان رحمه الله ، أكرم علمه ونفسه وحزم
أمره على أن يأكل من كسب يمينه ، وأن تكون يده هي العليا دائماً ، وقد أيقن أنه ما
أكل أمرؤ لقمة أزكى ولا أعز من لقمة ينالها من كسب يده ، لذلك خصص شطراً من وقته
لكسب رزقه، فاتجر بالخز (القماش) وأثوابه .
فكان له متجر معروف يقصده
الناس ، فيجدون فيه الصدق في المعاملة ، والأمانة في الأخذ والعطاء ، وكانوا يجدون
فيه أيضاً ، الذوق الرفيع : يأخذ المال من حله ويضعه في محله ، و كلما حال عليه
الحول ، أحصى أرباحه من تجارته واستبقى منها ما يكفيه لنفقته ثم يشتري بالباقي
حوائج القرّاء والمحدثين والفقهاء وطلاب العلم وأقواتهم وكسوتهم .
ومثل حي آخر ، الخليفة
الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان مثلاً أعلى في العدالة والرحمة والزهد
، وقد أتعب الذين أتوا من بعده ، ففي عهده وفد إلى المدينة المنورة رسول من
أذربيجان ، وقد وصلها في ساعة متأخرة من الليل ، وكره أن يطرق باب أمير المؤمنين
في هذا الوقت فتوجه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع صوتاً فيه الأنين
والحنين إلى الله ، سمع صاحب هذا الصوت يقول : " يا رب أنا واقف ببابك ، مستمسك بحبالك ، هل قبلت توبتي فأهنئ
نفسي ، أم رددتها فأعزيها ، فقال الرسول من أنت يرحمك الله قال أنا عمر بن الخطاب
، فقال يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ، قال عمر : إنني إن نمت الليل كله ، أضعت
نفسي أمام ربي ، وإن نمت النهار أضعت رعيتي ، ويمكثان في المسجد حتى صلاة الفجر ،
وبعد الصلاة يدعو عمر رسول عامله على أذربيجان إلى بيته، ويسأل عمر أم كلثوم زوجته
، ماذا عندك من طعام يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ليس عندنا
والله إلا الخبز وبعض حصاة الملح ، ويتناولان هذا الطعام الخشن ، ويسأل عمر ضيفه
فيم جئتنا ، فيقول ، إن عاملك هناك ، أرسلني بهذه الهدية إليك علبة فيها بعض
الحلوى ، لا تصنع إلا هناك ، فقال عمر : أو يأكل عامة المسلمين هناك هذا الطعام ؟
قال : لا هذا طعام الخاصة ، قال : أَوَ أعطيت كل فقراء المدينة مثلما أعطيتني ،
قال :لا، هذا لك وحدك ، قال عمر : بلغْ الأمير هناك أن يأكل مما يأكل منه عامة
المسلمين ، وألاّ يعود إلى مثلها ، وأمر الرسول أن يذهب بهذه الحلوى إلى فقراء
المسلمين في المسجد ، وأن يقسمها فيما بينهم ، وقال قولته الشهيرة ، حرام على بطن
عمر أن يذوق حلوى لا يطعمها فقراء المسلمين .
كيف لا وهو الذي خاطب بطنه
من قبل بعد أن حرمه اللحم أشهراً عدة في عام المجاعة، خاطبه فقال : "قرقر
أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين"
.
لله در صحابة رسول الله ، ماذا
نقول بحقهم ؟ أنقول : إنهم بشر .. نعم ، ولكن ليسوا ككل البشر .. أنقول : إنهم
ملائكة .. نعم ، ولكن في الطهر والصفاء والنقاء .
أيها الناس ، توبوا إلى ربكم قبل
أن تموتوا ، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا ، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم
تسعدوا ، وأكثروا الصدقة ترزقوا ،
وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر تنصروا ، إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ،
وأحزمكم أشدكم استعداداً لها ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة
إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور .
والحمد لله رب
العالمين .
الخطبة
الثانية :
أيها الإخوة الكرام انطلاقاً من
قوله تعالى :

[سورة فصلت]
انطلاقاً من هذه الآية ، لقد
اكتشف العلماء الغربيون مؤخراً أن بين كل بحرين مالحين حاجزاً ، تم تصويره من سفن
الفضاء ، هذا الحاجز يمنع مياه كل بحر من أن تختلط بمياه البحر الآخر ، فلا يبغي
بحر على بحر ، بل يحافظ كل بحر على كثافة مياهه ، ودرجة ملوحته ، ونوع مكوناته ،
وهذا الحاجز ليس ثابتاً ، بل هو متحرك بفعل الرياح ، وحركة المد والجزر ، وحينما
أطل بعض هؤلاء العلماء ، وهم في نشوة اكتشافهم هذا أن في القرآن الكريم إشارة إلى
هذا الكشف العلمي ، وهو قوله تعالى :

[سورة الرحمن ]
أخذتهم
الدهشة .. وقد اكتشفوا أيضاً أن بين
البحرين ، الملح الأجاج ، والعذب الفرات شيئين: حاجزاً يمنع مياه كل بحر من أن
تطغى على الآخر ، كما هو بين البحرين المالحين ، وحاجزاً يمنع أسماك المياه المالحة
من أن تنتقل إلى المياه العذبة .. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الكشف أيضاً ..
وسمى الحاجز الأول برزخاً والثاني حِجراً .. فقال تعالى :

[سورة الفرقان]
أما طبيعة
هذين الحاجزين فما زالت موضع الدراسة .
اللهم أغننا بالعلم ، وزينا
بالحلم ، وأكرمنا بالتقوى ، وجملنا بالعافية وطهر قلوبنا من النفاق ، وأعمالنا من
الرياء ، وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة ، وأصلح لنا ديننا الذي هو عصمة
أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا،
واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر .
اللهم إنا نعوذ بك من الفقر
إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، ونعوذ بك من عضال الداء ، ومن
شماتة الأعداء ومن السلب بعد العطاء .
اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا
، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
والحمد لله رب
العالمين .