الخطبة الإذاعية "08"
بتاريخ 20/ 05/ 1988 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: التوبة .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك
.
التنقيح
النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب العالمين
، الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق
، وعَواقبُ الأمر ، نحمده على عظيم امتنانه ، ونيّل برهانه ، ونوال فضله وإحسانه ،
حمداً يكون لحقّه قضاءً ، ولشكره أداءً ، وإلى ثوابه مقرباً ، ولحسن مزيده موجباً
.
ونستعين بــه استعانة ، راجٍ
لفضله مؤمّل لنفعه ، معترف له بالطَوْل ، مذعنٍ له بالعمل والقول .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، كل شيء
قائم به وخاشعٌ له ، غِنى كلِ فقير ، وعِزُ كلِ ذليل ، وقوة كل ضعيف ، ومفزَع كل
ملهوف ، من تكلم سمع نطقه ، ومن سكت علم سره ، ومن عاش تكفَّل رزقه ، ومن مات
فإليه منقلبه .
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله
، نبيٌ كانت الرحمة مهجته والعدل
شريعته ، والحب فطرته ، والسمو حرفته ، ومشكلات الناس عبادته .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا
محمد ، طبِ القلوب ودوائها ، وعافية الأجسام وشفائها، ونور الأبصار وضيائها ، وعلى
آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الهداة المهديين ، الغر الميامين ، أمناء دعوته
وقادةِ ألويته ، وارض عنا ، وعنهم يا رب العالمين .
عباد الله
أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
أيها الإخوة المؤمنون
في كل مكان ، قبل أيام ودعنا شهر رمضان ، شهر التوبة والغفران ، والإحسان والقرآن
، والقرب والرحمة ، والزلفى والتقوى ، لقد شرع الصيام لتقوية إرادة الإنسان على طاعة ربه ، ولتنمية الإخلاص في قلبه ولتمتين الصلة بخالقه ، ولترسيخ معاني
العبودية له .
فلو أديت العبادات ـ ومنها
الصيام ـ على النحو الذي أراده الله عز وجل ، لجعلت من المؤمن شخصية فذة ، إليها
تنجذب النفوس ، وبها تتعلق الأبصار ، ومن نورها تهتدي القلوب.
ولو
أديت العبادات على النحو الذي أراده الله عز وجل ، لجعلت من المؤمن رجلاً نيّر
الذهن والقلب معاً ، حاد البصر والبصيرة جميعاً ، تتعانق فكرته وعاطفته ، فلا تدري
أيهما أسبق ، صدق أدبه أم حسن معرفته ، ولا تدري أيهما أروع ؟ خصوبة نفسه الجياشة
، أم فطانة عقله اللماح ..
ولو
أديت العبادات على النحو الذي أراده الله ، لجعلت المؤمن ذا أفق واسع ، ونظر حديد
، ومحاكمة سليمة ، ولجعلته منغمساً ، في سعادة لا تقوى متع الأرض الحسية أن تصرفه
عنها ، ولجعلته ذا أخلاق أصيلة، لا تستطيع سبائك الذهب اللامعة ، ولا الضغوط
المانعة أن تقوضها .
فالمؤمن الحق ،
كما أراده الله أن يكون ـ كالجبل رسوخاً ، وكالصخر صلابةً ، وكالشمس ضياءً ،
وكالبركان تدفقاً ، وكالبحر عمقاً ، وكالسماء صفاءً ، وكالربيع نضارة ، وكالماء
عذوبة ، وكالعذراء حياءً ، وكالطفل وداعةً .
لقد كان الصيام من أجل انتصار
الإنسان على نفسه ، كي يقودها نحو سعادتها الأبدية .. فقد رُكِّب المَلَكُ من عقل
بلا شهوة ، ورُكّب الحيوانُ من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما ، فإن سما
عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن طغت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
فليست البطولـة أن
ننتصر على النفس في رمضان ، ثم ننخذل أمامها بقية العام ، ولكن البطولة أن نحافظ
على هذا النصر على طول الدوران ، وتقلبات الزمان والمكان ..
وليست
البطولة أن نضبط ألسنتنا في رمضان فننزهها عن الغيبة والنميمة ، وقول الزور ، ثم
نطلقها بعد رمضان إلى حيث الكذب والبهتان ، ولكن البطولة أن تستقيم منا الألسنة ،
وأن تصلح فينا القلوب ما دامت الأرواح في الأبدان ..
وليست
البطولة أن نغض أبصارنا عن محـارم الله ، وأن نضبط شهواتنا غير المشروعة في رمضان
، ثم نعود إلى ما كنا عليه بعد رمضان .. إنا إذاً كالتي نقضت غزلها من بعد قوة
أنكاثاً ، ولكن البطولة أن تصوم جوارحنا عن كل معصية ، في رمضان وبعد رمضان ، فلا
تفطر حتى تلقى الواحد الديان .
فليست
البطولة أن نتحرى الحلال في رمضان خوفاً أن يردّ علينا صيامنا ، ثم نتهاون في
تحريه بعد رمضان ، على أنه عادة من عوائدنا ، ونمط شائع في سلوكنا ، ولكن البطولة
أن يكون الورع مبدأً ثابتاً وسلوكاً مستمراً .
وليست
البطولــة أن نبتعد عن المجالس التي لا ترضي الله إكراماً لشهر رمضان ، ثم نعود
إليها ، وكأن الله ليس لنا بالمرصاد في بقية الشهور والأعوام.
وليست
البطولة أن نراقب الله في أداء واجباتنا وأعمالنــــا ما دمنا صائمين ، فإذا ودعنا
شهر الصيام آثرنا حظوظ أنفسنا على أمانة أعمالنا وواجباتنا ، مثل هذا الإنسان لم
يفقه حقيقة الصيام ، ولا جوهر الإسلام
إنه كالناقة عقلها أهلها ، ثم أطلقوها ، فلا تدري لِمَ عقلت ، ولا لمَ
أطلقت ، وهو لا يدري لِمَ صام ، ولا لِمَ أفطر .
ومع أن شهر
رمضان شهر التوبة والغفران ، لكن هذا لا يعني أن التوبة مقصورة عليه محصورة فيه ،
بل إن أبواب التوبة مفتحة على مصاريعها في كل أشهر العام .
كيف لا
والله سبحانه يقول :

[سورة الزمر 53]
إنه جل وعلا
يدعو المسرفين إلى التوبة فكيف بالمقتصدين ؟ كيف لا والحق جل وعلا يقول في كتابه
العزيز :

[سورة التحريم]
والتوبة
النصوح كما قال بعض العلماء "؛الندم بالقلب ، والاستغفار باللسان والإقلاع
عن الذنب " .
كيف لا وفي
الحديث القدسي عن أنس بن مالك عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : قال الله تعالى : ((يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني
غفرت لــــك على ما كان منك ، ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء
ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا
تشرك بي شيئاً ، لأتيتك بقرابها مغفرة)) .
إنه شرط
واحد : ألا تشرك به .
كيف لا
والله أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد ، ومن العقيم الوالد ، ومن الضال
والواجد " فمن تاب إلـــى الله توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه وجوارحه
وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه " .
كيف لا
والحق جل وعلا يقول في الحديث القدسي الذي رواه البيهقي عن أبي الدرداء : ((أهل
ذكري أهــل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن
تابوا فأنا حبيبهــم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب)) .
كيف لا وإذا
رجع العبد العاصي إلى الله ، نادى منادٍ في السماوات والأرض أن أيتها الخلائق
هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .
والتوبة :
علم وحال وفعل .. فهي علم لأنها معرفة ضرر الذنوب ، وكيف أنها حجاب بين العبد وبين
المحبوب ، وهذا العلم يولد حالة نفسية هي الشعور بالندم ، على ما اقترف من الذنوب
، وعلى ما فات من الخيرات ، وهذه الحالة من الندم تولد إرادة وقصداً إلى فعل له
تعلق بالحال وبالماضي ، وبالاستقبال .
فالتائب
يترك الذنب الذي كان متلبساً به في الحال ، والتائب يعزم بقلبه على ألا يعود إليه
في الاستقبال ، والتائب يسعى لإصلاح ما كان في الماضي ، وقد لخص النبي صلى الله
عليه وسلم هذه المراحل الثلاث بالندم ، فقال فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن
أنس بن مالك : ((الندم توبة)) .
حيث لا يخلو
الندم من علم أوجبه ، ومن عمل أثمره .
وقد بين
الإمام الغزالي رحمه الله ، ما تعظم به صغائر الذنوب فأدرج منها الإصرار والمواظبة
، إذ لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ، ومنها استصغار الذنب ،
فالذنب كلما استعظمه العبد في نفسه صغر عند الله ، وكلما استصغره العبد في نفسه
كبر عند الله ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري : ((إن
المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه ، يخاف أن يقع عليه ، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على
أنفه فأطاره)) .
ومنها أن
يظهر العبد الذنب ، ويتهاون بستر الله عليه ، وحلمه عنه ، وإمهاله إياه ، وقد قيل
: "لا تنظر إلى صغر الذنب ، بـــل انظر على من اجترأت .." .
ومع أن
رمضان شهر العمل الصالح والقربات ، لكن هذا لا يعني أن فرص العمل الصالح قاصرة
عليه ، بل إن أبواب الخير مفتحة في كل الشهور ، ومسالك القرب نافذة في كل الأوقات
..
فالعمل
الصالح قوام حياة النفس ، كما أن الطعام والشراب قوام حياة الجسد ، والفقر في
حقيقته ، فقر العمل الصالح ، والغنى في جوهره وفرة العمل الصالح ، والإمام علي كرم
الله وجهه يقول : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " .
وإذا صح أن
المعاصي والمخالفات ، عقبات كؤود على الطريق إلى الله ، وأن التوبة النصوح إزالة
لهذه العقبات ، حيث يصبح الطريق إلى الله سالكاً وآمناً ، فإنه يصح أيضاً أن العمل
الصالح ، تحركٌ ، وتقدمٌ على هذا الطريق .. قال تعالى :

[سورة الكهف 110]
والعمل
الصالح هو المظهر العملي للإيمان ، بل هو المشعر به المؤكد لوجوده الدال على صحته
، لهذا قرن العمل الصالح بالإيمان ، في أكثر من مائة آية ، في كتاب الله ، قال
تعالى:

[سورة الكهف 107]
بل إن مكانة
المؤمن عند الله ، يحددها حجم عمله الصالح .. قال تعالى :

[سورة الأنعام ]
فإذا أردت
أن تعرف مقامك ، فانظر فيما استعملك ..
بل إن تحريك
مقام الإنسان عند الله ورفع مستواه ، لا يتم إلا بالعمل الصالح .. قال تعالى :
[العَمَلُ
الصَّالِحُ يُرْفَعُه ] .
ولا يكون
العمل الصالح صالحاً إلا إذا كان صالحاً للعرض على الله ، والحق جل وعلا لا يتقبل
من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم ، فقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى : ((أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، ومن عمل
عملاً أشرك فيه معي غيري ، تركته وشركه)) .
فالدرهم
الذي يُنفق في إخلاص ، خير من ألف درهم يُنفق في رياء ، وقد وصف الله تعالى ،
إخلاص المؤمنين فقال :

[سورة الإنسان]
ولا يكون
العمل صالحاً إلا إذا سَلِمَ من التخليط ، وهو أن يخلط المرء عملاً صالحاً وآخر
سيئاً، فقد روى الديلمي ، في مسند الفردوس أن النبي عليه صلوات الله وسلامه قال : ((ركعتان
من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط ..)).
وقيل : من
لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا ، لم يعبأ الله بشيء من عمله .
وربما كان
العمل الصالح مقدماً على العبادة لأنه ثمرتها ، ودليل صحتها ، فقد قال صلى الله
عليه وسلم عن ابن عمر رضي الله عنه : ((لأن أعين أخي المؤمن على حاجته ، أحبُّ
إليَ من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام)).
فالخلق عيال
الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ..
وقد كان ابن
عباس رضي الله عنه معتكفاً في مسجد النبي الشريف ، فخرج من المسجد ليمشي في حاجة
أخ له ، فقيل له : أنسيت أنك معتكف ؟ قال : لا ، ولكني سمعت صاحب هذا القبر ـ
والعهد به قريب ، فدمعت عيناه ـ يقول : " ((من مشى في حاجة أخيه وبلغ
فيها كان خيراً له من اعتكاف عشر
سنين)).
[ رواه الطبراني في
الكبير ، والحاكم والبيهقي والخطيب وضعفه البيهقي ، وقال الخطيب : غريب عن ابن
عباس]
وقد رُويَ
أن زيد الخير ، رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما علامة الله
فيمن يريد ؟ وما علامته فيمن لا يريد ؟ فقال : " كيف أصبحت يا زيد ؟
" قال : أصبحت أحب الخير وأهله ، وإن قدرت عليه بادرت إليه ، وإن فاتني
حزنت عليه ، وحننت إليه ، فقال : " هذه علامة الله فيمن يريد .. " .
فيجب ألا
يمنعنا من اصطناع المعروف للناس جحودهم وإساءتهم ، فقد روى مالك عن ابن عمر عن علي
رضي الله عنه ، أن الني صلى الله عليه وسلم قال : ((اصنع المعروف إلى من هو
أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله ، أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله ، كنت أنت
أهله)) .
[ ذكره السيوطي في
الجامع الصغير ، وعزاه إلى الخطيب في تاريخ]
أيها الإخوة
المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، حينما تسلب أرض شعب ، وتُنهب ثرواته ، وتنتهك
حرماته ، وتداس كرامته ، وتقهر إرادته ، وتفسد عقائده ، وتفّرغ قيمه ، ويُزوِّر
تاريخه ، ويحمل على الفساد والإفساد ، وتمارس عليه ألوان التجهيل ، والتجويع ،
والتعذيب على يد أعدائه ، أعداء الله ، أعداء الحق ، وأعداء الخير ، وأعداء الحياة
، فعندئذ ، لا يكون من عمل صالح ، أعظم عند الله تعالى من مجاهدة هذا العدو الغاصب
والضرب على يده لتكون كلمة الله هي العليا
قال الإمام علي كرم الله وجهه : " إن الجهاد باب من أبواب
الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه ،
وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة
وجُنّته الوثيقة ، فمن تركه رغبةً عنه ، ألبسه الله ثوب الذل ، وشملةَ
البلاءِ ، ودُيِّثَ بالصغار والقماءة".
أيها الإخوة
المؤمنون ، من هنا كانت انتفاضة أهلنا في الأراضي المحتلة ، تأكيداً لمعاني الجهاد
والاستشهاد ، وتجسيداً لقيم التضحية والفداء ، وترسيخاً لفضائل البذل والعطاء ،
قال تعالى :

[سورة آل عمران]
اللهم علمنا
بما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .
الخطبة
الثانية :
إن الحديث
عن التوبة ، وعن العمل الصالح بعد رمضان يقودنا إلى الحقائق التالية :
لقد فُطر
الإنسان فطرةً عالية ، وكيف لا تكون عالية ، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها،
فإذا حاد الإنسان عن مبادئ فطرته ، وخرق حدود إنسانيته بالإثم والعدوان اختل
توازنه النفسي ، وأحس بكآبــة مدمره لصحته النفسية ، وهذا ما يسمى عند علماء النفس
بالتوتر النفسي ، الذي هو سبب رئيسي لكثير من الأمراض التي تصيب العضوية ، كتسرع
ضربات القلب واضطرابها ، وتضيُّق الشرايين الاختلاجي ، وارتفاع ضغط الدم ذي المنشأ
العصبي ، الذي هو في حقيقته ارتفاع لضغط الدم وتقرحات الجهاز الهضمي ، وأمراض الحساسية ، وأمراض الأعصاب ،
والشلل العضوي ذي المنشأ النفسي ، وحينما يصطلح الإنسان مع الله فيتوب من ذنوبه ،
ويستقيم على أمر ربه ، ويعمل الصالحات تقرباً إليه عندئذ يشعر بأنه قد أزيح عن
صدره كابوس ضاغط ، كأنه جبل جاثم ،
وأن ظلمات بعضها فوق بعض ، قد تبددت من أمامه ، وأن مشاعر الكآبة والضيق قد اختفت
إلى غير رجعة ، وعندئذ يشعر أن في قلبه من الطمأنينة والسعادة ما لو وُزعت على أهل
بلد لأسعدتهم جميعاً ، وعندها تتأثر العضوية بهذه الصحة النفسية ، تأثراً إيجابياً
، فتزول أعراض أكثر الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي .
فالتوبة
والعمل الصالح ، أساس الصحة النفسية ، والصحة النفسية أساس صحة الجسد ، فقد روى
الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ((استقيموا ولن
تحصوا)) .
وقد وضح
الإمام المناوي في شرح هذا الحديث أنه إذا استقمتم فلن تحصوا الخيرات التي تجنونها
من الاستقامة .
الدعاء :
* اللهم اهدنا فيمن هديت ،وعافنا فيمن
عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما
قدرت وقضيت .
* اللهم أغننا بالعلم ، وزينا بالحلم ،
وأكرمنا بالتقوى ، وجملنا بالعافية ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ،
وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُنا ، واجعل
الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر .
* اللهم طهر قلوبنا من النفاق ، وأعمالنا
من الرياء ، وألسنتنا من الكذب ، وأعيننا من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين وما
تخفي الصدور ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الفقر
إلا إليك ، ونعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
* اللهم ما رزقتنا مما نحب ، فاجعله عوناً
لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب ، فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
* اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ،
وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين .
* اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر
الإسلام والمسلمين ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين ، في مشارق الأرض ومغاربها ،
لما تحب وترضى ، اللهم وفق بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى
، وانصرهم على أعدائك ، وأعدائهم يا كريم .
لله رب
العالمين .
*****