الخطبة الإذاعية "13"  بتاريخ 28/ 04/ 1989 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  التوبة  .

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           :  الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول ، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ، ليتوب مسيء الليل ، وينادي : هل من تائب فأتوبَ عليه ، وهل من مستغفر فأغفر له .

     وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يقول : عبدي ، لا تعجز منك الدعاء ، وعلي الإجابة ، منك الاستغفار ، وعلي المغفرة ، منك التوبة ، وعلي القبول ، من أحبنا أحببناه ، ومن عصانا أمهلناه ، ومن رجع إلينا قبلناه .

    وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، إمام العابدين ، وسيد التائبين ، ومنقذ البشرية ، ومبعوث العناية الإلهية .

    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، المقتدين به المتبعين لسنته ، أمناء دعوته وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .

 

    روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال : ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي ، فاستغفروني أغفر لكم)) .

     وفي حديث قدسي آخر : ((وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته ، وإن أتاني نهاراً قبلته ، وإن تقرب مني شبراً ، تقربت منه ذراعاً ، وإن تقرب مني ذراعاً ، تقربت منه باعاً وإن مشى إلي ، هرولت إليه ، وإن استغفرني غفرت له ، وإن استقالني أقلته ، وإن تاب إلي تبت عليه ، من أقبل علي تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني ناديته من قريب ، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد ، ومن أراد مرادي أردت ما يريد ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل طاعتي أهل كرامتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ؛ فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، أشكر اليسير من العمل ، وأغفر الكثير من الزلل ، رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي ، وعفوي سبق عقوبتي ، وأنا أرحم بعبدي من الأم بولدها...)) .

       إن كل جهل مهما عظمت نتائجه قد يُغتفر ، إلا أن يجهل الإنسان سر وجوده ، وغاية حياته ، ورسالة نوعه ، وحقيقة مهمته ، وأكبر عارٍ على هذا المخلوق الأول المكرم ، الذي آتاه الله العقل ، ومنحه الإرادة ، أن يعيش جاهلاً وغافلاً ، يأكل ، ويتمتع كما تأكل الأنعام ، لا يدري شيئاً عن حقيقة وجوده ، ولا عن طبيعة عمله في الحياة ، فيضل الطريق وينحرف عنه بسبب جهله ، وغفلته ، أو بسبب إغراء عابث ، أو شهوة جامحة ، فيهبط مستواه الإنساني ، وتسقط قيمته النوعية ، ويصل إلى الدرك الذي يعوقه عن النهوض بتبعات الحق والخير ، عندئذ يبتعد عن التطهُّر والتسامي ، ويندفع إلى تحقيق ذاته ، وإشباع غرائزه ، وإيثار مصالحه الخاصة ، فيبني مجده على أنقاض الآخرين ، وغناه على فقرهم ، وسعادته الموهومة على شقائهم ، ويظل كذلك سادراً في غفلته وممعناً في طغيانه ، حتى يوافيه الموت بغتة فيواجه مصيره المجهول دون تنبه له ، ولا استعداد فيدفع ثمن غفلته ، وجهله ، وانحرافه ، شقاءً أبدياً وحينئذ يندم حين لا ينفع الندم ، ويرجو الخلاص ، ولات حين خلاص .

أما الإنسان العاقل فيبادر ، يسأل نفسه هذا السؤال :

لماذا خُلقت ؟ .. وما مهمتي في هذا الوجود ؟ .. وما رسالتي في هذه الحياة ... والقرآن الكريم يجيبه عن هذه الأسئلة قائلاً :

 

[ سورة الذاريات ]

      والعبادة غاية الخضوع لله عز وجل ، في أمره ونهيه ، لأن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي تعرف ما يَصلُح لصنعتها وما لا يصلح ، قال تعالى :

[ سورة البقرة ]

      والعبادة غاية المحبة لله ، لأن الإنسان مفطور على حب ذاته ، وحب وجوده وسلامة وجوده ، وكمال وجوده ، واستمرار وجوده ، وهذا لا يتحقق إلا بمشيئة الله وفضله ، فما عَبَدَ الله من خضع له ولم يُحبه ، ولا من أحبه ولم يخضع له .

      هناك من يعيش ليأكل ، ومن يأكل ليعيش ، أما المؤمن فيعيش ليعرف ربه ويعبده ويسعد بقربه ، وقد ورد في الأثر القدسي : ((يا عبادي إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة ، ولا لأستكثر بكم من قلة ، ولا لأستعين بكم على أمرٍ عجزت عنه ، إنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً ، وتذكروني كثيراً ، وتسبحوني بكرة وأصيلاً)) .

     وفي حديث قدسي آخر : ((ابن آدم خلقت لك ما في السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك)) .

     لقد رُكِّب الإنسان من عقل وشهوة ـ كما قال الإمام علي كرم الله وجهه ـ وقد جاء الإسلام ، وهو دين الفطرة ليقيم توازناً دقيقاً عن طريق المنهج الرباني الذي رُسم للإنسان ، من خلال آيات القرآن وسنة الني صلى الله عليه وسلم ، وبما أن الإنسان مُنح حرية الاختيار ، في دائرة التكليف ، والابتلاء ، وهي الأمانة التي حملها ... مع حرية الاختيار ، لتُثَمَّن أعماله الكسبية ، فتكون سبباً لدخوله روضات الجنات ، أو التردي في حفر النيران ، وبما أن الإنسان خُلق ضعيفاً ، ليفتقر إلى الله في ضعفه ، فيسعد في افتقاره ، ومن لوازم ضعفه أنه ينسى ويسهو ، ويغفل ويغفو ، ويضعف ويُغلب ، فقد يعصي ربه ، ويخرج عن المنهج الذي رُسم له .

        لهذا شرع الله للإنسان التوبة ، وفي تشريع التوبة وقبولها صيانة لحركة الهداية في الأرض.

       إن التوبة مخرحُ النجاة للإنسان حينما تُحيط به خطيئاته ، وهي صمام الأمان حينما تضغط عليه سيئاته ، وهي تصحيح للمسار حينما تُضلّه أهواؤه ، وإنها حبل الله المتين الذي ينقذ الإنسان حينما تُغرقه زلاته .

((وإذا رجع العبد العاصي إلى الله ، نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله)) .

        وقال بعض العارفين : لأهل الذنوب ثلاثة أنهار يتطهرون بها في الدنيا ، فإن لم تف بطهرهم طُهِّروا في نهر الجحيم يوم القيامة ؛ نهر التوبة النصوح ، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها ، ونهر المصائب العظيمة المُكفِّرة ، فإذا أراد الله بعبد خيراً أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة ، فجاء يوم القيامة طيباً طاهراً ، فلم يحتج إلى التطهير الرابع.

       ولو لم تُشرع التوبة لهلك الناس ، ولعم الفساد في الأرض ، لأن الإنسان إذا طُرد من رحمة الله ، لمجرد معصية واحدة ، فلن يرجع إلى منهج ربه لانعدام أمله في القَبول ، ولِمَ يرجع وقد طُرد من رحمته ؟ عندئذ سيعربد في الأرض انحلالاً وانحرافاً وطغياناً .

       رأى بعض العارفين في بعض سكك المدينة باباً قد فُتح ، وخرج منه صبي يستغيث ، ويبكي ، وأمه خلفه تطرده ، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ، ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً ، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ، ولا من يؤويه غير والدته ، فرجع مكسور القلب حزيناً ، فوجد الباب مُرتجاً ، فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ، ونام ، فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال لم تملك إلا أن رمت بنفسها عليه ، والتزمته تقبله ، وتبكي وتقول : يا ولدي أين تذهب عني ، ومن يؤويك سواي ؟ ألم أقل لك لا تُخالفني ، ولا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك  وإرادة الخير لك .

       ثم أخذته ودخلت ... لنتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((للهُ أرحم بعبده من الأم بولدها)) .

[حديث صحيح رواه البخاري ]

      فحقيقة التوبة الرجوع إلى الله عز وجل ، ولا يصح الرجوع إلا بمعرفة الله بأسمائه وصفاته ، وآثارها في نفسه ، وفي الآفاق ، ومعرفة أنه كان فارًّا من ربه ، أسيراً في قبضة عدوه ، وأنه ما وقع في مخالب عدوه إلا بسبب جهله بربه ، وجرأته عليه ، فلا بد من أن يعرف كيف جهل ، ومتى جهل ؟ .. وكيف وقع أسيراً ، ومتى وقع .. ؟ .

       والتوبة هي التخلص من العدو ، والرجوع إلى الكريم الرحمن الرحيم ، والسير على الصراط المستقيم ، إنها خلعُ ثياب المعصية ، وارتداء ثياب الطاعة ، وترك المحظورات ، وفعل المأمورات ، و التزام فعل ما يحب الله ، وترك ما يكره ، وقد علّق الله سبحانه وتعالى الفلاح كله على فعل المأمور ، وترك المحظور ، بقوله :

 [سورة النور]

فكل تائب مفلح ، وتارك الأمر ظالم لنفسه ، أشد الظلم ، وفاعل المحظور ظالم لنفسه أشد الظلم ، قال تعالى :

[سورة الحجرات ]

والتوبة حقيقة الدين ، والدين كله داخل في التوبة ، لهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله ، قال تعالى :

[سورة البقرة ]

ولذلك يفرح الله الفرح العظيم بتوبة عبده المؤمن ، فقد ورد في الحديث الشريف : ((إنّ الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والظمآن الوارد ، والعقيم الوالد)) .

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((للَّه أشدُّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن ، من رجل في أرض دَوَّيةٍ - لا نبات فيها - مَهَلكَةٍ ، معه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فنام ، فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ، ثم قال : أرجعُ إلى مكاني الذي كنت فيه ، فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته ، عليها زاده وطعامه ، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته وزاده)) .

[ أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم ]

التوبة كما يرى الإمام الغزالي ؛ علم .. وحال .. وعمل ..

إنها علمُ ؛ لأن أول مرحلة في حلِّ أية مشكلة أن تعلم أن هناك مشكلة ، وإن أول مرحلة في التوبة من الذنب أن تعلم أنه ذنب ، وأنه يحجبك عن الرب .

فكيف يتوب المرء من الشرك الخفي ، أو الجلي ، وهو لا يعلم ما الشرك ؟ وما التوحيد ؟ ولا كيف يصل إلى التوحيد ؟ ولا كيف ينزلق في الشرك الذي هو أعظم الذنوب ؟

وكيف يتوب المرء من سوء الظن بالله ، قال تعالى :

 

[سورة الفتح]

وهو لم يبذل جهداً ، ولم يُخصص وقتاً لمعرفة الله حق المعرفة ، ومعرفة أسمائه ؛ أسماء ذاته ، وصفاته ، وأفعاله ، كذلك لا يعرف مصادر المعرفة ، ولا منهج المعرفة ؟

وكيف يتوب المرء من سوء الظن بالأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله من خيرة خلقه ، وطهرهم ، وزكاهم ، وعصمهم ، وجعلهم أسوة حسنة ، وقدوة صالحة ، ومثلاً أعلى لخلقه؟.. كيف يتوب المرء من هذا الذنب ، وهو لم يسأل الراسخين في العلم ، عن حقيقة عصمتهم، وسر مواقفهم ، وتأويل الآيات المتشابه عنهم .

وكيف يتوب المرء من كسب المال الحرام ، وهو لا يعرف حدود الحلال والحرام ، ولا حقيقة الربا ، ولا شروط البيع ، ولا ما يلابسه من حالات تجعله فاسداً أو باطلاً ، كما لا يعرف طرق الكسب المشروعة وغير المشروعة ، وقد قال بعض العلماء : "ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام".

[قول محمد بن سهل التستري ]

وكيف يتوب من الذنوب المتعلقة بإنفاق المال ، وهو لا يعرف الحقوق والواجبات ، ولا الحلال والحرام في الإنفاق ، ولا قيمة المال في الإسلام ، ولا دوره الخطير في صون العرض والتقرب إلى الرب .

وكيف يتوب المرء من ذنب البغي على الشريك ، وهو لا يعلم متى يكون عقد الشركة صحيحاً ، ومتى يكون فاسداً أو باطلاً ، كذلك لا يعلم أن الله ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه .

وكيف يتوب المرء من ذنوب العلاقات الاجتماعية ، ولا سيما الاختلاط ، وهو لا يعرف آداب الإسلام وأخلاق المسلم ، كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم .

وكيف يتوب المرء من ذنب عقوق الوالدين ، والجور في معاملة الأبناء ، وهضم حقوق الزوجة ، وحرمان البنات من الميراث ، وهو لا يعلم أوامر الله ، ونواهيه في كل ما يتعلق بالأسرة .

وكيف يتوب المرء من الكذب ، والتدليس ، والغش ، والاحتكار ، ورفع الأسعار ، وهو لا يعلم ما عند الله من عظيم الإكرام ، إذا هو نفع عباده ، وخفف عنهم أعباء الحياة ، ولا يعلم ما عند الله من شديد العقاب إذا هو أكل أموالهم بالباطل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)) .

هذا على سبيل الاصطفاء لا الاستقصاء ، فما من مشكلة يعاني منها المجتمع البشري إلا بسبب الخروج عن منهج الله ، الذي ارتضاه لعباده وما من خروج عن هذا المنهج إلا بسبب الجهل ، الذي هو أعدى أعداء الإنسان .

والتوبة علم ، وحال ، وعمل ؛ العلم بالله .. وبأمره .. وبضرر الذنب ، وما يفوِّت على المرء من خير كثير ، وما يجلب له من ضُرٍّ كبير ، إن العلم بخطورة الذنب ، وما يترتب عليه من آثار وبيلة تبدأ في الدنيا ، وتمتد إن لم يتب إلى الآخرة ، إن هذا العلم يُولِّد حالة نفسية مؤلمة وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها الندم ، فقال : ((الندم توبة)) .

[رواه الإمام أحمد 1/376 وابن ماجه وغيره وفي سنده خلاف]

وقد قال العلماء في تفسير هذا الحديث : لا يخلو الندم من علم سبَّبه أو عمل أورثه ، وربما وضّحت قصة سيدنا عمر رضي الله عنه مع المرأة المرضع ، حالة الندم هذه ، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : " قدمت المدينة قافلة نزلت في المُصلى ، فقال لي عمر : هل لك أن نحرسهم الليلة ؟ فباتا يحرسانهم ويُصليان ما كتب الله لهما ، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه ، وقال لأمه : اتقي الله ، وأحسني إلى صبيك ، ثم عاد إلى مكانه ، فسمع بكاءه ثانية ، فعاد إلى أمه فقال : اتقي الله ، وأحسني إلى صبيك ، ثم عاد إلى مكانه ، فلما كان آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه فقال : ويحك إني أراك أمَّ سوء ، ما لي أرى ابنك لا يقرُّ هذه الليلة ؟ قالت : يا عبد الله ، قد أضجرتني هذه الليلة ، إني أجبره على الفطام فيأبى ، قال : ولِمَ ؟ قالت : لأن عمر لا يفرض العطاء إلا للفطيم قال : وكم له ؟ قالت : كذا وكذا شهراً ، قال : ويحك لا تعجلي عليه ، ثم صاح مخاطباً نفسه ، والألم يعتصر قلبه : ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أولاد المسلمين ..

فلما صلى الفجر إماماً ، ما استبان الناس قراءته من شدة بكائه ، ثم أمر منادياً فنادى : لا تعجلوا على صبيانكم في الفطام ، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام عطاءه ، وكتب بذلك إلى الآفاق " .

       وقد سُمع عمر رضي الله عنه ، وهو يصلي بالليل في المسجد ، يُناجي ربه ويقول : " ربِّ هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟ " ، التوبة علم ، وحال ، وعمل .. حالة الندم هذه التي ولَّدها العلم ، تولد بدورها إرادة ، وقصداً إلى فعل له تعلُّق بالحال ، وبالماضي ، وبالاستقبال ، فالتائب يترك الذنب الذي كان متلبساً به في الحال ، ويقلع عنه إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب ، وحينما يعرف المرء من هو الآمر إنه خالق السماوات والأرض ، وهو على كل شيء وكيل ، ومن إليه يُرجع الأمر كله ، وإليه المصير ، وحينما يعرف المرء أن سعادته في الدنيا والآخرة ، متوقفة على فعل أوامره ، وترك نواهيه ، وحينما يعرف المرء أن مخالفة أمره تعني شقاء لا حدود له ، حينما يعرف المرء كل هذا يقلع عن الذنب لتوه .

       وأما الفعل التعلق بالاستقبال ، فهو العزم الصادق الأكيد على ألا يعود إلى مقارفة الذنب ، كما يكره الإنسان أن يُلقى في النار ، وقد فسَّر سيدنا عمر رضي الله عنه التوبة النصوح بأن يتوب العبد من الذنب ، ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن في الضرع ، وقال سعيد بن المسيب ، في التوبة النصوح إنها توبة تنصحون بها أنفسكم .

     أما الفعل المتعلق بالماضي .. فهو الاستغفار ، إذا كان الذنب بين العبد وربه ، والإصلاح إذا كان الذنب متعلقاً بحق آدمي ، إذ لابد للتائب أن يخرج من هذا التعلق ؛ إما بأداء الحق إلى صاحبه ، أو إلى ورثته ، أو بالتصدُّق عنه ، وإما باستحلاله منه ، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات)) .

[ رواه البخاري بلفظ يُقاربه 5/73 ورواه غيره ]

فحق الآدمي لا يسقط إلا بأدائه ، أو استحلاله ، إن حقوق العباد مبنية على المشاححة ، بينما حقوق رب العباد مبنية على المسامحة ، قال تعالى :

[سورة النور]

وكلمة أصلحوا في الآية تعني كل ذلك .

الخطبة الثانية :

رُوي أن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة ، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين ، فُيبدي العبد من الأسف والحسرة ما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لتخلى عنها ، على أن يُضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليتدارك تفريطه ، فلا يجد إلى ذلك سبيلاً"

[ إحياء علوم الدين للغزالي ]

قال تعالى :

[سورة المنافقون]

وفي معنى الأجل القريب الذي يطلب العبد أن يقول عند كشف الغطاء : يا ملك الموت أخرني يوماً ، أعتذر فيه إلى ربي ، وأتوب ، وأتزود صالحاً ، فيقول ملك الموت : فنيت الأيام فلا يوم ، فيقول : أخرني ساعة ، فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة ، فيغلق عليه باب التوبة ، فيتغرغر بروحه ، قال تعالى :

 

[سورة النساء 18]

[سورة النساء 17]

وفسر العلماء كلمة قريب في الآية : أي عن قرب عهد بالخطيئة .

إن للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب ، وسعةً في الرزق ، وقوة في البدن ، ومحبةً في قلوب الخلق ، وإن للسيئة سواداً في الوجه ، وظلمة في القلب  والقبر ، ونقصاً في الرزق ، ووهناً في البدن ، وبغضاً في قلوب الخلق ، والمسيء هان على ربه ، وسقط من أعين الناس .

قم  في  الدجى  يا  أيها المتعبــد     حتى متى فوق الأسرة ترقــــد

قم و ادع مولاك الذي خلق الدجـى     و الصبح وامض فقد دعاك المسجد

و استغفر  الله  العظيم بذلِّــــة     و اطلب رضاه فإنه لا يحقــــد

واندم على ما فات واندُب ما مضى      بالأمس ، واذكر ما يجيء  به الغدُ

واضرع و قل يا رب عفوك إننـي      من دون عفوك ليس لي ما يعبــد

يا ربِّ هب لي توبةً أقضي بهــا       دينا عليَّ به جلالك يشهـــــد

***

وأنتم أيها الثائرون في الأراضي المحتلة ، بوركت سواعدكم ، وسلمت أيديكم ، لقد ضربتم المثل في التضحية والفداء ، فأقلقتم مضاجع الصهاينة الأعداء ، يقول لكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " إن تقوى الله أفضل العُدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، والمعاصي أضر على الجند من أعدائهم ،

[سورة محمد]

ونصر الله طاعته ، وتمكين دينه .

وقال تعالى :

[سورة التوبة]

فتوبوا إلى الله :

[سورة النساء]

 

الدعاء :

     اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، إنك أنت الغفور الرحيم ، اللهم اجعلنا من الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا وأخلصوا دينهم لله .

   اللهم ارزقنا توبةً من استقلال الذنب ، وتوبةً من تضييع الوقت ، وتوبةً من تأخير التوبة .

   اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ،

   اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين ، في مشارق الأرض ومغاربها ، لما تحب وترضى، اللهم وفق بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، وانصرهم على أعدائك ، وأعدائهم يا كريم ،  والحمد لله رب العالمين .

 

****