الخطبة الإذاعية "15"  بتاريخ 26/ 01/ 1990 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  التقوى  .

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           :  الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، يا رب إن لم نكن أهلاً لبلوغ رحمتك ، فإن رحمتك يا رب أهل لأن تسعنا ، فإنك قلت وقولك الحق ، ورحمتي وسعت كل شيء ، ونحن يا رب شيء .

     وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، قال في الحديث القدسي : ((ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً)) .

     وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، جاءه رجل : فقال يا رسول الله أوصني ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((عليك بتقوى الله ؛ فإنها جَماع كل خير)) .

     اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين .

     اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، وأنقذنا من وحول الشهوات إلى جنات القربات .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .

 

          إخوة الإيمان في كل مكان ، التقوى موضوع هذه الخطبة ، لها شأن كبير في القرآن الكريم ، فقد وردت في أكثرَ من ثلاثمائة موضع فيها ، والتقوى لغةً من وقى ، وهل تكون الوقاية إلا من الخطر ؟ .

          فالإنسان في حياته الدنيا إن لم يتبع هدى ربه ، مُعرَّض لكثير من المخاطر ، فالدنيا خضرةٌ نضرة ، سُمها في دسمها ، فيها منزلقات ومتاهات ، مالها يُغري ، ويردي ، ويشقي ، ونساؤها حبائل الشيطان ، الأهل والولد مشغلة مجبنة مبخلة ، الشهوات فيها مستعرة في أبهى حُللها ، والفتن فيها يقظة في أجمل أثوابها .

فكيف يتقي الإنسان الضياع في تلك المتاهات والضلالات ؟

وكيف يتقي الإنسان الانجذاب إلى هذه الفتن المُهلكات ؟ ..

وكيف يتقي الإنسان خطر الانغماس في تلك الشهوات ؟ ..

وكيف يتقي الإنسان حمأة المزاحمة في جمع الدراهم والثروات ؟

وكيف يتقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ؟ ..

للإجابة عن هذه الأسئلة نقول :

        حينما يبني الإنسان تصوراته عن الكون والحياة والإنسان وَفق ما جاء في البيان الإلهي ، وحينما ينطلق في حركته اليومية ، وفق التشريع الرباني ، يكون قد أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ، أما إذا ضل عقله وساء عمله ، فقد أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم .

وعبادة الله الحقة ، والخالصة ، تقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ، قال تعالى :

[سورة البقرة ]

لعلكم تتقون شقاء الدنيا وعذاب الآخرة .

        فهل غير الله واجب الوجود الذات الكاملة ، الحي القيوم ذوي الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، الواحد الأحد الفرد الصمد ، الأول والآخر ، والظاهر ، والباطن ، من بيده ملكوت كل شيء ، ومن إليه يُرجع الأمر كله مالك الملك ، إيجاداً وتصرفاً ومصيراً ؟..

وهل غير الله تعالى يُتقى سخطه ، ويُرجى رضوانه .. ؟ وهل غير الله تعالى يُتقى عذابه ، وتُرجى رحمته .. ؟ وهل غير الله تعالى تتقى ناره ، وترجى جنته؟

        إن الله يأمرنا بالتقوى لأنه بكل شيء عليم ، ولأنه سريع الحساب ولأنه إليه الحشر والمصير ، ولقد صدق الله العظيم إذ يقول :

[سورة النحل]

         نحن أيها الأخوة لا نتقي الله لأننا في قبضته ، أو لأن أمرنا كله راجع إليه فحسب ، بل لأنه ذو الجلال والإكرام ، وذو الطول والإنعام ، رحمن رحيم ، منعم كريم ، إنه كما قال عن نفسه :

[سورة المدثر]

        ولكن الإنسان لن يتقي سخط جهة ، ولن يسعى لمرضاتها ، إلا إذا أيقن بوجودها أولاً وأيقن بما يناله منها من مغنم كبير إذا هو أطاعها ، وما يصيبه منها من خسارة فادحة إذا هو عصاها ، هذا شأن الإنسان ، فلن يتقي ربه ، أي لن يجتنب ما نهاه عنه ، ولن يفعل ما أمره به إلا إذا عرفه ، فأصل الدين معرفته ، قال تعالى :

[سورة المائدة ]

فالإيمان أساس التقوى .. حيث قال تعالى :

[سورة الأعراف]

وأبواب معرفة الله كثيرة من أهمها نخلق السماوات والأرض ، قال تعالى :

[سورة آل عمران ]

[سورة الطارق]

[سورة عبس]

[سورة الغاشية]

 

[سورة الملك]

      إن النظر والتأمل والتفكر في الآيات التي بثها الله في السماوات والأرض يصل بصاحبه إلى اليقين القطعي ، بأن لهذا الكون خالقاً عظيماً ، ورباً رحيماً ، ومسيّراً حكيماً ، هو أهل لأن يطيعه ليتقي بطاعته عذابه ، قال تعالى :

[سورة يونس]

         ومن أبواب معرفة الله : القرآن الكريم .. ذلك المنهج القويم ، والصراط المستقيم ، وحبل الله المتين ، فإذا تدبر الإنسان آياته ، ونظر فيها رأى تطابق مضامين هذا الكتاب المعجز ، مع مبادئ العقل وملامح الفطرة ، ومع مصالح الإنسان الحقيقية ، منفرداً ومجتمعاً، وإن تدبر القرآن يصل بصاحبه إلى اليقين القطعي بأنه كلام الله تعالى ، المُنزل على نبيه ، وأنه المنهج الوحيد ، والأمثل ، لإسعاد الإنسان ، في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

[سورة الزمر]

           وإن تعجب فعجب من هؤلاء الذين لا يتقون ، بل إذا قلت لأحدهم ؛ اتق الله أخذته العزة بالإثم ، لم لا يتقي الإنسان ربه ؟ لم لا يتقي أن يعصيه ؟.. لم لا  يهتدي بهديه ، في أعماله كلها ، وأقواله كلها ، وأحواله كلها ؟ .. مع أن الله يُعلِّم الإنسان من خلال العقل الذي أودعه فيه ، ومن خلال الفطرة التي فطره عليها . ومن خلال الكتاب الذي أنزله على رسوله ، ومن خلال السنة التي بينت كتابه ، ومن خلال الحوادث التي تؤكد حكمته وعدالته، ومن خلال دعوة الدعاة ، وإلهام الملائكة ، لمَ لا يتقي الإنسان ربه ، مع أن الله يُعلِّمه ؟ ، قال تعالى :

[سورة البقرة]

      ومن الوسائل الفعالة التي تُسرِّع الخطى إلى التقوى ، أن تكون صادقاً مع نفسك ، وصادقاً مع ربك ، و صادقاً مع الآخرين ، فلا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، قال تعالى :

[سورة الأحزاب]

      ومن الوسائل الفعَّالة ، التي تسرّع الخطى إلى التقوى ، أن تكون البيئة الاجتماعية التي تحتضن المرء بيئةً طيبةً صالحة مؤمنة ، قال تعالى :

 

[سورة التوبة]

       ومن هذه الوسائل ، أن تبتغي إلى الله الوسيلة ، وهي تَعلُّم العلم الموصل إلى الله عز وجل، على أيدي علماء عاملين مخلصين ، ومن الوسيلة العمل الصالح - الخالص ، ومن الوسيلة العبادات المخلَصَة الدؤوبة ، قال تعالى :

[سورة المائدة]

       وطريق التقوى ليست مفروشة بالرياحين ، بل هي طريق محفوفة بالمكاره لماذا ؟ لأن سلعة الله غالية ، ولأن عمل الجنة حَزْنٌ بربوة ، وعمل النار سهلٌ بسهوة ، فلا بد من الانضباط الذاتي ، ولا بد من البذل والتضحية ، قال تعالى :

 

[سورة يوسف]

        والتقوى لا تقبل أن يعطيها الإنسان بعضه ، بل لا بد من أن يعطيها  كله فلا يُقبل من المتقي بذل بعض الجهد ، بل لا بد له من بذل كل الجهد ، ولذلك فحجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح ، وإخلاصه وصوابه ، فلكلٍّ درجات مما عملوا ، والعمل الصالح يرفعه، قال تعالى :

[سورة التغابن]

أي استنفذوا كل الجهد ، ومن عظيم إكرام الله عز وجل ، أن الإنسان حينما يخطو الخطوة الأولى ، في طريق التقوى ، يكفّر الله عنه سيئاته ، وينسي حافظيه ، وبقاع الأرض كلها ، خطاياه وذنوبه ، ويعظم له أجراً ..

 

[سورة الطلاق]

       ومن عظيم إكرام الله عز وجل ، أن الإنسان ، حينما يخطو الخطوة الأولى في طريق التقوى يجعل الله له من أمره يسراً ، فتنحل العقد ، وتفرّج الكرب ، ويصبح الحزن سهلاً ، قال تعالى :

[سورة الطلاق]

ومن عظيم إكرام الله عز وجل أنه جعل التقوى مخرجاً للإنسان من كل ضيق ، قال تعالى :

[سورة الطلاق]

     وإعجاز هذه الآية في إيجازها ، وبلاغتها في إطلاقها ، قال الني صلى الله عليه وسلم : ((إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، ثم تلا هذه الآية)) .

     فحينما تضيق الأمور ، وتستحكم الحلقات ، وتُسد المنافذ ، وتنتصب العقبات ، ويقنط الإنسان تأتي التقوى ، فيتسعُ بها الضيق ، وتُحل بها العقد ، وتُفتح بها المسالك ، وتذلل بها العقبات .

      فمن يتق الله ، عند نزول المصيبة ، فيوحّده ، ويصبر لحكمه ويرضى بقضائه ، ويثبت على مبدئه واستقامته ، يجعل الله له مخرجاً منها ، ويبدل ضيقه فرجاً ، وخوفه أمناً ، وعسره يسراً .

      ومن يتق الله فلا يسمح للأفكار الزائفة ، أن تأخذ طريقها إلى عقله ، ويجعل الله له مخرجاً من الضياع والحيرة والضلال وخيبة الأمل .

       ومن يتق الله فيبرأ من حوله وقوته وعلمه ، يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به بالمعونة عليه .

      ومن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها ، ولا يتعداها يجعل الله له مخرجاً من الحرام إلى الحلال ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة .

      ومن يتق الله في كسب الرزق ، فيتحرى الحلال الذي يُرضي الله عز وجل يجعل الله له مخرجاً من تقتير الرزق بالكفاية ، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه .

ومن يتق الله في اتّباع السنة ، يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع ونتائج ابتداعهم .

ومن يتق الله في اختيار زوجته ، وفي التعامل معها ، يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي .

ومن يتق الله في تربية أولاده ، يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم ، ومن شقائه بشقائهم .

ومن يتق الله في اختيار عمله ، وحسن أدائه ، يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه .

وللتقوى مستويات عديدة ، قال تعالى :

 

[سورة آل عمران 102]

فمن التقوى ، أن تستقيم على أمر الله ، الذي وصلك بالنقل الصحيح ، فإذا صحت استقامة العبد ، انعقدت صلته بالله ومن خلال هذه الصلة يقذف الله في قلب المؤمن التقي النور ، فيرى به الحق من الباطل والخير من الشر ، والصحيح من الزائف ، فيرى المؤمن بنور ربه حقائق الأمور ، وبواطنها ومؤدّاها ونتائجها ، قال تعالى :

 

[سورة الحديد]

قد تضع يدك وأنت مُغمض العينين على شيء ناعم الملمس ، لين المجس ، انسيابي الخطوط ، ثم تفتح عينيك فإذا هي حيَّة رقطاء ، في أنيابها السم الناقع ، عندئذ تنتفض مُبتعداً عنها ، وتصرخ مذعوراً منها ، لقد ركنت إلى ملمسها الناعم ، ومجسِّها اللين ، قبل أن تفتح عينيك ، وابتعدت عنها حينما رأيت حقيقتها ، وكذلك الدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمرُّ .

فالتقوى كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله : "نور يقذفه الله في القلب" ، وهذا النور هو أساس الرؤية الصحيحة ، تلك الرؤية الصحيحة ، أساس صحة العمل وصحة العمل أساس سعادة الدارين .

ألا يتمنى أحدنا أن يكون أ:كرم الناس على الله ؟ .. إذاً فليتق الله ، قال تعالى:

[سورة الحجرات]

وقد ورد في الحديث الشريف : ((إذا أردت أن تكون أكرم الناس ، فاتق الله ، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك))  .

ألا يتمنى أحدنا أن يحبه الله خالق السماوات والأرض ؟ وإذا أحبك الحق ألقى محبتك في قلوب الخلق ، أنزل السكينة على قلبك ، وجعل لك مقعد صدق عنده .

فليتك  تحلو والحيـاة ُ مريـرةٌ     وليتك ترضى والأنامُ غضابُ

وليت  الذي  بيني  وبينك عامر     وبيني وبين العالمين خـرابُ

إذا صح منك الوصلُ فالكل هين     وكلُّ الذي فوق التراب  تُراب

***

إذا أردت أن تكون كذلك ، فاتق الله ، لأن الله تعالى يقول :

 

[سورة آل عمران]

ألا يتمنى أحدنا ، أن يكون الله ربُّ العالمين ذو الجلال والإكرام وليّه ، يُخرجه من الظلمات إلى النور ، ويُدافع عنه ، ويكون في موضع عنايته وحفظه ؟ إذاً فليتق الله ، يقول الله تعالى :

 

[سورة الجاثية]

ألا يتمنى أحدنا أن يكون الله معه ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ومعيّة الله ، هذه معيّة خاصة ، تعني الحفظ ، والتأييد ، والرعاية ، والتكريم ، والتشريف .. إذاً فلنتق الله ، يقول الله تعالى :

 

[سورة النحل ]

الفلاح كلُّ الفلاح ، والنجاح كل النجاح ، والفوز كل الفوز ، والرشاد كل الرشاد ، والتفوق كل التفوق ، والغنى كل الغنى ، والتوفيق كل التوفيق ، والسعادة كل السعادة في تقوى الله عز وجل ، قال تعالى :

 

[سورة البقرة]

وقال تعالى :

 

[سورة الأحزاب]

وإذا شعر الإنسان ، أنه مغمور بفضل الله ، وتاقت نفسه إلى شكره نظر حواليه كيف يشكر الله عز وجل ؟ وهو قائم به غارق في فضله ؟ .

فما بكم من نعمة فمن الله ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .. فنحن عاجزون عن إحصاء خيرات نعمة واحدة ، فلأن نكون عاجزين عن إحصاء كل النعم فمن باب أولى ، وإذا كنا عاجزين عن إحصائها فنحن عن شكرها أشد عجزاً ، لكن الله عز وجل لعظيم كرمه يُبين لنا أن الإنسان الذي يتقي ربه ، يضع قدمه في طريق الشكر ، قال تعالى :

 

[سورة آل عمران]

ومجمل القول : التقوى أن تتقي الكفر بالإيمان ، والشرك بالتوحيد ، والرياء بالإخلاص ، والكذب بالصدق ، والغش بالنصيحة ، والمعصية بالطاعة ، والابتداع بالاتباع ، والشبهة بالورع ، والدنيا بالزهد والغفلة بالذكر والشيطان بالعداوة .

تزود من التقوى فإنـك لا  تــدري    إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر

فكم من فتى أمسى و أصبح ضاحـكاً    وقد نُسجت أكفانه وهو  لا يدري

و كم من صغارٍ يُرتجى طول عمرهم    وقد أُدخلت أجسادهم ظلمة القبـر

وكم  من عروس زيَّنوها لزوجهــا     و قد قبضت أرواحُهم ليلة القـدر

***

 وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، كان له مستشار خاص اسمه عمر بن مهاجر قال له : يا عمر بن مهاجر ، إذا رأيتني ضللت الطريق فخذ بمجامع ثيابي ، وهزني هزاً عنيفاً ، وقل لي : اتق الله يا عمر ، فإنك ستموت ..

وسيدنا أبو حنيفة النعمان ، رحمه الله تعالى امتنع عن الجلوس في ظل شجرة لرجل له عليه دين .. لما ورد في الخبر : أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا .

جاء رجل إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى : فقال يا إمام : السماء لا تمطر ، فقال : استغفر الله ، و جاءه آخر فقال يا إمام زوجتي لا تنجب ، فقال : استغفر الله ، وجاءه ثالث ، فقال : أشكو الفقر ، فقال : استغفر الله ، فقال أحد الجالسين ، يا إمام ، أو كلما جاءك رجل يشكو تقول له : استغفر الله ، فقال الإمام الحسن البصري : ألم تقرأ قوله تعالى :

[سورة نوح]

 

الخطبة الثانية :

النبي عليه الصلاة والسلام ، استعاد بالله من قلب لا يخشع ، وعين لا تدمع ، ونفس لا تشبع ، ودعوة لا يُستجاب لها ، ولكن ، لمَ ، ومتى لا يُستجاب الدعاء ، مع أن الله تعالى يقول :

[سورة غافر]

ونبيه صلى الله عليه وسلم يقول : ((إن الله حييٌ كريم ، يستحي من عبده ، أن يبسط إليه يديه ، ثم يردهما خائبين)) ، وليس شيء أكرم على الله من الدعاء .

يبدو أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء العبد ، حتى يستجيب العبد لأمر الرب ، قال تعالى :

[سورة البقرة]

أي إذا آمنوا بي استجابوا لي ، وإذا استجابوا لي يُرشدون إلى الدعاء المُجاب.

لنضرب على ذلك مثلاً ، كلنا يعلم أن المركبة مبنية على علم متطور ، وفيها أجهزة وتوصيلات بالغة الدقة والتعقيد ، فإن توقفت هذه المركبة عن السير ، فلا بد أن نعكف على دراسة مبادئ الحركة ، ونظام التوصيلات ، وأن نراقب سلامة الأجهزة حتى ، نكتشف موطن الخلل تمهيداً لإصلاحه ، أما إذا وقفنا إلى جانب المركبة ، وملأنا الفضاء صياحاً ، وضجيجاً ، وبكاءً ، وعويلاً ، ودعاءً ، فما الذي يحصل ، لا يحصل شيء ، وتبقى المركبة معطلة ، وكذلك حالنا مع الله ، لا بد من أن نعكف على دراسة السنن الثابتة التي سنها الله لتحديد وتنظيم علاقتنا بربنا ، وبأنفسنا ، وبمن حولنا ، وبما حولنا ، فإذا تعرفنا إلى هذه السنن ، وأيقنا بمصداقيتها ، فكشفنا في ضوء هذه المعرفة موطن الخلل في حياتنا وعلاقاتنا ، وكشفنا زاوية انحرافنا عن منهج الله ، وأصلحنا هذا الخلل ، وعدنا إلى ذلك المنهج ، عندئذ ندعوه فيستجيب لها .

أيها الإخوة ، العارف بالله إبراهيم بن الأدهم ، مرَّ بسوق البصرة ، فقيل له : يا أبا إسحاق ، إن الله تعالى يقول : [اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ، ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا ، فقال لهم : لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ عرفتم الله فلم تؤدوا حقه ، وقرأتم القرآن فلم تعملوا به ، وادعيتم حب رسوله فلم تعملوا بسنته ، وقلتم : إن الشيطان لكم عدو فاتخذتموه ولياً ، وقلتم : إنكم مشتاقون إلى الجنة فلم تعملوا لها ، وقلتم : إنكم تخافون من النار فلم تتقوها ، وقلتم : إن الموت حق فلم تستعدوا له ، واشتغلتم بعيوب الناس ، وتركتم عيوبكم ، وتقلبتم في نعمة الله فلم تشكروه عليها ، ودفنتم موتاكم فلم تعتبروا ، فكيف يُستجاب لكم .

العدوان والكسب الحرام يحول بين الدعاء وبين الإجابة ، قال تعالى :

[سورة الأعراف]

أي لن يستجيب له ، لأنه لا يحبه ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ((يا سعد أطب مطعمك تُكن مستجاب الدعوة)) .

الدعاء :

اللهم إنك عفو كريم ، تحب العفو فاعف عنا يا كريم .

اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، واهدهم سبل السلام ، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

اللهم أصلح شباب المسلمين ، اللهم أصلح النساء المسلمات ، اللهم اجعلهن تقيات عفيفات ، طاهرات مطيعات .

اللهم إنك تنزل آخر كل ليلة ، فتقول هل من سائل فأعطيَه ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب فأتوب عليه ، يا رب من لهؤلاء العطشى ، من لهؤلاء الأطفال الرضع ، والشيوخ الركع ، والبهائم الرتع من لهؤلاء جميعاً غير فضلك العميم ورزقك الكريم .

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا مزيداً من الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين .

اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر .

  اللهم وفق ولاة أمور المسلمين ، في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ، اللهم وفق بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، وانصرهم على أعدائك وأعدائهم يا كريم ، والحمد لله رب العالمين .

 

****