الخطبة الإذاعية "15"
بتاريخ 26/ 01/ 1990 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: التقوى .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك
.
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب العالمين
، يا رب إن لم نكن أهلاً لبلوغ رحمتك ، فإن رحمتك يا رب أهل لأن تسعنا ، فإنك قلت
وقولك الحق ، ورحمتي وسعت كل شيء ، ونحن يا رب شيء .
وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، قال في الحديث القدسي : ((ما من مخلوق يعتصم بمخلوق
دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين
يديه ، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل
السماوات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً)) .
وأشهد أن سيدنا محمداً
عبده ورسوله ، جاءه رجل : فقال يا رسول الله أوصني ، فقال عليه الصلاة والسلام :
((عليك بتقوى الله ؛ فإنها جَماع كل خير)) .
اللهم صل ، وسلم ،
وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وعلى من
تبعه بإحسان إلى يوم الدين .
اللهم أخرجنا من ظلمات
الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، وأنقذنا من وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
عباد الله
أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
إخوة الإيمان
في كل مكان ، التقوى موضوع هذه الخطبة ، لها شأن كبير في القرآن الكريم ، فقد وردت
في أكثرَ من ثلاثمائة موضع فيها ، والتقوى لغةً من وقى ، وهل تكون الوقاية إلا من
الخطر ؟ .
فالإنسان في
حياته الدنيا إن لم يتبع هدى ربه ، مُعرَّض لكثير من المخاطر ، فالدنيا خضرةٌ نضرة
، سُمها في دسمها ، فيها منزلقات ومتاهات ، مالها يُغري ، ويردي ، ويشقي ، ونساؤها
حبائل الشيطان ، الأهل والولد مشغلة مجبنة مبخلة ، الشهوات فيها مستعرة في أبهى
حُللها ، والفتن فيها يقظة في أجمل أثوابها .
فكيف يتقي
الإنسان الضياع في تلك المتاهات والضلالات ؟
وكيف يتقي
الإنسان الانجذاب إلى هذه الفتن المُهلكات ؟ ..
وكيف يتقي
الإنسان خطر الانغماس في تلك الشهوات ؟ ..
وكيف يتقي
الإنسان حمأة المزاحمة في جمع الدراهم والثروات ؟
وكيف يتقي
الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ؟ ..
للإجابة عن
هذه الأسئلة نقول :
حينما
يبني الإنسان تصوراته عن الكون والحياة والإنسان وَفق ما جاء في البيان الإلهي ،
وحينما ينطلق في حركته اليومية ، وفق التشريع الرباني ، يكون قد أسس بنيانه على
تقوى من الله ورضوان ، أما إذا ضل عقله وساء عمله ، فقد أسس بنيانه على شفا جرف
هار فانهار به في نار جهنم .
وعبادة الله
الحقة ، والخالصة ، تقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ، قال تعالى :

[سورة البقرة ]
لعلكم تتقون
شقاء الدنيا وعذاب الآخرة .
فهل
غير الله واجب الوجود الذات الكاملة ، الحي القيوم ذوي الأسماء الحسنى والصفات
الفضلى ، الواحد الأحد الفرد الصمد ، الأول والآخر ، والظاهر ، والباطن ، من بيده
ملكوت كل شيء ، ومن إليه يُرجع الأمر كله مالك الملك ، إيجاداً وتصرفاً ومصيراً
؟..
وهل غير
الله تعالى يُتقى سخطه ، ويُرجى رضوانه .. ؟ وهل غير الله تعالى يُتقى عذابه ،
وتُرجى رحمته .. ؟ وهل غير الله تعالى تتقى ناره ، وترجى جنته؟
إن
الله يأمرنا بالتقوى لأنه بكل شيء عليم ، ولأنه سريع الحساب ولأنه إليه الحشر
والمصير ، ولقد صدق الله العظيم إذ يقول :

[سورة النحل]
نحن أيها الأخوة لا نتقي الله لأننا في قبضته ، أو لأن أمرنا كله راجع إليه
فحسب ، بل لأنه ذو الجلال والإكرام ، وذو الطول والإنعام ، رحمن رحيم ، منعم كريم
، إنه كما قال عن نفسه :

[سورة المدثر]
ولكن
الإنسان لن يتقي سخط جهة ، ولن يسعى لمرضاتها ، إلا إذا أيقن بوجودها أولاً وأيقن
بما يناله منها من مغنم كبير إذا هو أطاعها ، وما يصيبه منها من خسارة فادحة إذا
هو عصاها ، هذا شأن الإنسان ، فلن يتقي ربه ، أي لن يجتنب ما نهاه عنه ، ولن يفعل
ما أمره به إلا إذا عرفه ، فأصل الدين معرفته ، قال تعالى :

[سورة المائدة ]
فالإيمان
أساس التقوى .. حيث قال تعالى :

[سورة الأعراف]
وأبواب
معرفة الله كثيرة من أهمها نخلق السماوات والأرض ، قال تعالى :

[سورة آل عمران ]

[سورة الطارق]

[سورة عبس]

[سورة الغاشية]
[سورة الملك]
إن النظر
والتأمل والتفكر في الآيات التي بثها الله في السماوات والأرض يصل بصاحبه إلى
اليقين القطعي ، بأن لهذا الكون خالقاً عظيماً ، ورباً رحيماً ، ومسيّراً حكيماً ،
هو أهل لأن يطيعه ليتقي بطاعته عذابه ، قال تعالى :

[سورة يونس]
ومن أبواب معرفة الله : القرآن الكريم .. ذلك المنهج القويم ، والصراط
المستقيم ، وحبل الله المتين ، فإذا تدبر الإنسان آياته ، ونظر فيها رأى تطابق
مضامين هذا الكتاب المعجز ، مع مبادئ العقل وملامح الفطرة ، ومع مصالح الإنسان
الحقيقية ، منفرداً ومجتمعاً، وإن تدبر القرآن يصل بصاحبه إلى اليقين القطعي بأنه
كلام الله تعالى ، المُنزل على نبيه ، وأنه المنهج الوحيد ، والأمثل ، لإسعاد
الإنسان ، في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

[سورة الزمر]
وإن
تعجب فعجب من هؤلاء الذين لا يتقون ، بل إذا قلت لأحدهم ؛ اتق الله أخذته العزة
بالإثم ، لم لا يتقي الإنسان ربه ؟ لم لا يتقي أن يعصيه ؟.. لم لا يهتدي بهديه ، في أعماله كلها ، وأقواله
كلها ، وأحواله كلها ؟ .. مع أن الله يُعلِّم الإنسان من خلال العقل الذي أودعه
فيه ، ومن خلال الفطرة التي فطره عليها . ومن خلال الكتاب الذي أنزله على رسوله ،
ومن خلال السنة التي بينت كتابه ، ومن خلال الحوادث التي تؤكد حكمته وعدالته، ومن
خلال دعوة الدعاة ، وإلهام الملائكة ، لمَ لا يتقي الإنسان ربه ، مع أن الله يُعلِّمه
؟ ، قال تعالى :

[سورة البقرة]
ومن الوسائل
الفعالة التي تُسرِّع الخطى إلى التقوى ، أن تكون صادقاً مع نفسك ، وصادقاً مع ربك
، و صادقاً مع الآخرين ، فلا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه
حتى يستقيم لسانه ، قال تعالى :

[سورة الأحزاب]
ومن الوسائل
الفعَّالة ، التي تسرّع الخطى إلى التقوى ، أن تكون البيئة الاجتماعية التي تحتضن
المرء بيئةً طيبةً صالحة مؤمنة ، قال تعالى :
[سورة التوبة]
ومن هذه الوسائل ، أن تبتغي إلى
الله الوسيلة ، وهي تَعلُّم العلم الموصل إلى الله عز وجل، على أيدي علماء عاملين
مخلصين ، ومن الوسيلة العمل الصالح - الخالص ، ومن الوسيلة العبادات المخلَصَة
الدؤوبة ، قال تعالى :

[سورة المائدة]
وطريق
التقوى ليست مفروشة بالرياحين ، بل هي طريق محفوفة بالمكاره لماذا ؟ لأن سلعة الله
غالية ، ولأن عمل الجنة حَزْنٌ بربوة ، وعمل النار سهلٌ بسهوة ، فلا بد من
الانضباط الذاتي ، ولا بد من البذل والتضحية ، قال تعالى :
[سورة يوسف]
والتقوى
لا تقبل أن يعطيها الإنسان بعضه ، بل لا بد من أن يعطيها كله فلا يُقبل من المتقي بذل بعض الجهد ،
بل لا بد له من بذل كل الجهد ، ولذلك فحجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح ،
وإخلاصه وصوابه ، فلكلٍّ درجات مما عملوا ، والعمل الصالح يرفعه، قال تعالى :

[سورة التغابن]
أي استنفذوا
كل الجهد ، ومن عظيم إكرام الله عز وجل ، أن الإنسان حينما يخطو الخطوة الأولى ،
في طريق التقوى ، يكفّر الله عنه سيئاته ، وينسي حافظيه ، وبقاع الأرض كلها ،
خطاياه وذنوبه ، ويعظم له أجراً ..
[سورة الطلاق]
ومن عظيم
إكرام الله عز وجل ، أن الإنسان ، حينما يخطو الخطوة الأولى في طريق التقوى يجعل
الله له من أمره يسراً ، فتنحل العقد ، وتفرّج الكرب ، ويصبح الحزن سهلاً ، قال
تعالى :

[سورة الطلاق]
ومن عظيم
إكرام الله عز وجل أنه جعل التقوى مخرجاً للإنسان من كل ضيق ، قال تعالى :

[سورة الطلاق]
وإعجاز هذه الآية في
إيجازها ، وبلاغتها في إطلاقها ، قال الني صلى الله عليه وسلم : ((إني لأعلم
آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، ثم تلا هذه الآية)) .
فحينما تضيق الأمور ،
وتستحكم الحلقات ، وتُسد المنافذ ، وتنتصب العقبات ، ويقنط الإنسان تأتي التقوى ،
فيتسعُ بها الضيق ، وتُحل بها العقد ، وتُفتح بها المسالك ، وتذلل بها العقبات .
فمن يتق الله ،
عند نزول المصيبة ، فيوحّده ، ويصبر لحكمه ويرضى بقضائه ، ويثبت على مبدئه
واستقامته ، يجعل الله له مخرجاً منها ، ويبدل ضيقه فرجاً ، وخوفه أمناً ، وعسره
يسراً .
ومن يتق الله
فلا يسمح للأفكار الزائفة ، أن تأخذ طريقها إلى عقله ، ويجعل الله له مخرجاً من
الضياع والحيرة والضلال وخيبة الأمل .
ومن يتق
الله فيبرأ من حوله وقوته وعلمه ، يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به بالمعونة عليه
.
ومن يتق الله
فيقف عند حدود الله فلا يقربها ، ولا يتعداها يجعل الله له مخرجاً من الحرام إلى
الحلال ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة .
ومن يتق الله في
كسب الرزق ، فيتحرى الحلال الذي يُرضي الله عز وجل يجعل الله له مخرجاً من تقتير
الرزق بالكفاية ، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه .
ومن يتق
الله في اتّباع السنة ، يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع ونتائج ابتداعهم .
ومن يتق
الله في اختيار زوجته ، وفي التعامل معها ، يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي
.
ومن يتق
الله في تربية أولاده ، يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم ، ومن شقائه بشقائهم .
ومن يتق
الله في اختيار عمله ، وحسن أدائه ، يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه .
وللتقوى مستويات
عديدة ، قال تعالى :
[سورة آل عمران 102]
فمن التقوى
، أن تستقيم على أمر الله ، الذي وصلك بالنقل الصحيح ، فإذا صحت استقامة العبد ،
انعقدت صلته بالله ومن خلال هذه الصلة يقذف الله في قلب المؤمن التقي النور ، فيرى
به الحق من الباطل والخير من الشر ، والصحيح من الزائف ، فيرى المؤمن بنور ربه
حقائق الأمور ، وبواطنها ومؤدّاها ونتائجها ، قال تعالى :
[سورة الحديد]
قد تضع يدك
وأنت مُغمض العينين على شيء ناعم الملمس ، لين المجس ، انسيابي الخطوط ، ثم تفتح
عينيك فإذا هي حيَّة رقطاء ، في أنيابها السم الناقع ، عندئذ تنتفض مُبتعداً عنها
، وتصرخ مذعوراً منها ، لقد ركنت إلى ملمسها الناعم ، ومجسِّها اللين ، قبل أن
تفتح عينيك ، وابتعدت عنها حينما رأيت حقيقتها ، وكذلك الدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمرُّ
.
فالتقوى كما
يقول الإمام الغزالي رحمه الله : "نور يقذفه الله في القلب" ، وهذا
النور هو أساس الرؤية الصحيحة ، تلك الرؤية الصحيحة ، أساس صحة العمل وصحة العمل
أساس سعادة الدارين .
ألا يتمنى
أحدنا أن يكون أ:كرم الناس على الله ؟ .. إذاً فليتق الله ، قال تعالى:

[سورة الحجرات]
وقد ورد في
الحديث الشريف : ((إذا أردت أن تكون أكرم الناس ، فاتق الله ، وإذا أردت أن
تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي
الله أوثق منك بما في يديك)) .
ألا يتمنى
أحدنا أن يحبه الله خالق السماوات والأرض ؟ وإذا أحبك الحق ألقى محبتك في قلوب
الخلق ، أنزل السكينة على قلبك ، وجعل لك مقعد صدق عنده .
فليتك تحلو والحيـاة ُ مريـرةٌ وليتك ترضى والأنامُ
غضابُ
وليت الذي بيني وبينك
عامر وبيني وبين
العالمين خـرابُ
إذا صح منك الوصلُ
فالكل هين وكلُّ
الذي فوق التراب تُراب
***
إذا
أردت أن تكون كذلك ، فاتق الله ، لأن الله تعالى يقول :
[سورة آل عمران]
ألا يتمنى
أحدنا ، أن يكون الله ربُّ العالمين ذو الجلال والإكرام وليّه ، يُخرجه من الظلمات
إلى النور ، ويُدافع عنه ، ويكون في موضع عنايته وحفظه ؟ إذاً فليتق الله ، يقول
الله تعالى :
[سورة الجاثية]
ألا يتمنى
أحدنا أن يكون الله معه ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
ومعيّة الله ، هذه معيّة خاصة ، تعني الحفظ ، والتأييد ، والرعاية ، والتكريم ،
والتشريف .. إذاً فلنتق الله ، يقول الله تعالى :
[سورة النحل ]
الفلاح كلُّ
الفلاح ، والنجاح كل النجاح ، والفوز كل الفوز ، والرشاد كل الرشاد ، والتفوق كل
التفوق ، والغنى كل الغنى ، والتوفيق كل التوفيق ، والسعادة كل السعادة في تقوى
الله عز وجل ، قال تعالى :
[سورة البقرة]
وقال تعالى
:
[سورة
الأحزاب]
وإذا شعر
الإنسان ، أنه مغمور بفضل الله ، وتاقت نفسه إلى شكره نظر حواليه كيف يشكر الله عز
وجل ؟ وهو قائم به غارق في فضله ؟ .
فما بكم من
نعمة فمن الله ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .. فنحن عاجزون عن إحصاء خيرات
نعمة واحدة ، فلأن نكون عاجزين عن إحصاء كل النعم فمن باب أولى ، وإذا كنا عاجزين
عن إحصائها فنحن عن شكرها أشد عجزاً ، لكن الله عز وجل لعظيم كرمه يُبين لنا أن
الإنسان الذي يتقي ربه ، يضع قدمه في طريق الشكر ، قال تعالى :
[سورة آل عمران]
ومجمل القول
: التقوى أن تتقي الكفر بالإيمان ، والشرك بالتوحيد ، والرياء بالإخلاص ، والكذب
بالصدق ، والغش بالنصيحة ، والمعصية بالطاعة ، والابتداع بالاتباع ، والشبهة
بالورع ، والدنيا بالزهد والغفلة بالذكر والشيطان بالعداوة .
تزود من
التقوى فإنـك لا تــدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى
الفجر
فكم من فتى
أمسى و أصبح ضاحـكاً
وقد نُسجت أكفانه وهو لا
يدري
و كم من
صغارٍ يُرتجى طول عمرهم
وقد أُدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
وكم من عروس زيَّنوها لزوجهــا و قد قبضت أرواحُهم
ليلة القـدر
***
وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ،
كان له مستشار خاص اسمه عمر بن مهاجر قال له : يا عمر بن مهاجر ، إذا رأيتني ضللت
الطريق فخذ بمجامع ثيابي ، وهزني هزاً عنيفاً ، وقل لي : اتق الله يا عمر ، فإنك
ستموت ..
وسيدنا أبو
حنيفة النعمان ، رحمه الله تعالى امتنع عن الجلوس في ظل شجرة لرجل له عليه دين ..
لما ورد في الخبر : أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا .
جاء رجل إلى
الحسن البصري رحمه الله تعالى : فقال يا إمام : السماء لا تمطر ، فقال : استغفر
الله ، و جاءه آخر فقال يا إمام زوجتي لا تنجب ، فقال : استغفر الله ، وجاءه ثالث
، فقال : أشكو الفقر ، فقال : استغفر الله ، فقال أحد الجالسين ، يا إمام ، أو
كلما جاءك رجل يشكو تقول له : استغفر الله ، فقال الإمام الحسن البصري : ألم تقرأ قوله
تعالى :

[سورة نوح]
الخطبة
الثانية :
النبي عليه
الصلاة والسلام ، استعاد بالله من قلب لا يخشع ، وعين لا تدمع ، ونفس لا تشبع ،
ودعوة لا يُستجاب لها ، ولكن ، لمَ ، ومتى لا يُستجاب الدعاء ، مع أن الله تعالى
يقول :

[سورة غافر]
ونبيه صلى
الله عليه وسلم يقول : ((إن الله حييٌ كريم ، يستحي من عبده ، أن يبسط إليه
يديه ، ثم يردهما خائبين)) ، وليس شيء أكرم على الله من الدعاء .
يبدو أن
الله عز وجل لا يستجيب دعاء العبد ، حتى يستجيب العبد لأمر الرب ، قال تعالى :

[سورة البقرة]
أي إذا
آمنوا بي استجابوا لي ، وإذا استجابوا لي يُرشدون إلى الدعاء المُجاب.
لنضرب على
ذلك مثلاً ، كلنا يعلم أن المركبة مبنية على علم متطور ، وفيها أجهزة وتوصيلات
بالغة الدقة والتعقيد ، فإن توقفت هذه المركبة عن السير ، فلا بد أن نعكف على
دراسة مبادئ الحركة ، ونظام التوصيلات ، وأن نراقب سلامة الأجهزة حتى ، نكتشف موطن
الخلل تمهيداً لإصلاحه ، أما إذا وقفنا إلى جانب المركبة ، وملأنا الفضاء صياحاً ،
وضجيجاً ، وبكاءً ، وعويلاً ، ودعاءً ، فما الذي يحصل ، لا يحصل شيء ، وتبقى
المركبة معطلة ، وكذلك حالنا مع الله ، لا بد من أن نعكف على دراسة السنن الثابتة
التي سنها الله لتحديد وتنظيم علاقتنا بربنا ، وبأنفسنا ، وبمن حولنا ، وبما حولنا
، فإذا تعرفنا إلى هذه السنن ، وأيقنا بمصداقيتها ، فكشفنا في ضوء هذه المعرفة
موطن الخلل في حياتنا وعلاقاتنا ، وكشفنا زاوية انحرافنا عن منهج الله ، وأصلحنا
هذا الخلل ، وعدنا إلى ذلك المنهج ، عندئذ ندعوه فيستجيب لها .
أيها الإخوة
، العارف بالله إبراهيم بن الأدهم ، مرَّ بسوق البصرة ، فقيل له : يا أبا إسحاق ،
إن الله تعالى يقول : [اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ، ونحن ندعوه فلا
يستجيب لنا ، فقال لهم : لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ عرفتم الله فلم تؤدوا حقه
، وقرأتم القرآن فلم تعملوا به ، وادعيتم حب رسوله فلم تعملوا بسنته ، وقلتم : إن
الشيطان لكم عدو فاتخذتموه ولياً ، وقلتم : إنكم مشتاقون إلى الجنة فلم تعملوا لها
، وقلتم : إنكم تخافون من النار فلم تتقوها ، وقلتم : إن الموت حق فلم تستعدوا له
، واشتغلتم بعيوب الناس ، وتركتم عيوبكم ، وتقلبتم في نعمة الله فلم تشكروه عليها
، ودفنتم موتاكم فلم تعتبروا ، فكيف يُستجاب لكم .
العدوان
والكسب الحرام يحول بين الدعاء وبين الإجابة ، قال تعالى :

[سورة الأعراف]
أي لن
يستجيب له ، لأنه لا يحبه ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ((يا سعد أطب مطعمك
تُكن مستجاب الدعوة)) .
الدعاء :
اللهم إنك
عفو كريم ، تحب العفو فاعف عنا يا كريم .
اللهم إنا
نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بر ،
والسلامة من كل إثم ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات وألف بين
قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، واهدهم سبل السلام ، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما
بطن .
اللهم أصلح شباب المسلمين ، اللهم أصلح
النساء المسلمات ، اللهم اجعلهن تقيات عفيفات ، طاهرات مطيعات .
اللهم إنك تنزل آخر كل ليلة ، فتقول هل من
سائل فأعطيَه ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب فأتوب عليه ، يا رب من لهؤلاء
العطشى ، من لهؤلاء الأطفال الرضع ، والشيوخ الركع ، والبهائم الرتع من لهؤلاء
جميعاً غير فضلك العميم ورزقك الكريم .
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ،
اللهم اسقنا مزيداً من الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا
تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين .
اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام
والمسلمين ، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم
غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر .
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين ، في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ،
اللهم وفق بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، وانصرهم على
أعدائك وأعدائهم يا كريم ، والحمد لله رب العالمين .
****