الخطبة الإذاعية "18"  بتاريخ 07/ 09/ 1990 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  التواضع  .

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           :  الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، يا رب كفانا فخراً أن تكون لنا رباً ، وكفانا عزاً أن نكون لك عبيداً ، يا رب أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ، علمنا من علمك المخزون ، واحفظنا بسر اسمك المصون ، حققنا بحقائق أهل القرب ، واسلك بنا مسالك أهل الحب ، أخرجنا من ذل معصيتك إلى عز طاعتك .

       وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، غنى كل فقير ، وعز كل ذليل ، وقوة كل ضعيف ، ومفزع كل ملهوف ، فحاش أن نفتقر في غناك  وأن نظلّ في هداك ، وأن نذل في عزّك ، وأن نضام في سلطانك .

         وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، وصف نفسه فقال ، المعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ديني ، والحـب أساسي ، والشوق مركبي ، وذكر الله أنيسي ، والثقة كنزي ، والحزن رفيقي ، والعلم سلاحي ، والصبر ردائي ، والرضا غنيمتي ، والزهد حرفتي ، واليقين قوتي  والصدق شفيعي ، والطاعة حسبي ، والجهاد خلقي ، وجُعلت قرة عيني في الصلاة .

         اللهم صل وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .

عباد الله أوصيكم بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير.

        موضوع هذه الخطبة الدينية هو خلق التواضع ، انطلاقاً من أن هناك تلازماً ضرورياً بين التدين الصحيح والخلق القويم ، حدد النبي صلى الله عليه وسلم ، حدد الغاية الأولى من بعثته ، والمنهج الأمثل لدعوته ، فقال فيما رواه الإمام أحمد رحمه الله :

((إنما بُعثت معلماً ، إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) .

[أخرجه الإمام أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة]

فالهدف الأول لدعوته ، هو إرساء البناء الأخلاقي للفرد ، والمجتمع ، لأنه ثمن سعادة الدنيا والآخرة ، والوسيلة هي التعليم لا التعنيف ، قال صلى الله عليه وسلم : ((علموا ولا تُعنِّفوا ، فإن المعلم خير من المُعنِّف)) .

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ، وابن عدي في الكامل]

والمتتبع لنصوص القرآن الكريم ، وللسنة المُطهرة الصحيحة ، يجد ذلك التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم ، قال تعالى :

[سورة الماعون]

وقال تعالى :

[سورة القصص]

وقال صلى الله عليه وسلم : ((ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ...)) .

[جزء من حديث طويل أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود]

وقال أيضاً : ((الإيمان والحياء قُرِنَا جميعاً ، فإذا رُفع أحدُهما رُفع الآخر)).

[أخرجه الحاكم]

       إذاً فالإيمان أساس الفضائل ولجام الرذائل وقوام الضمائر ، وقد بين الني صلى الله عليه وسلم أن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً ، وأن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً ، وأن من أحبِ عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً ، وأن من أقرب المؤمنين مجلساً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً ، وأن خير ما أُعطي الإنسان خلق حسن ، وأنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وأن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، بل إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ، والخلق الحسن يُذيب الخطايا كما يُذيب الماء الجليد ، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل .

       وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأل أصحابه يوماً : (((أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيُعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيـــت حسناته ، قبل أن يقضي ما عليه ، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ، ثم طُرح في النار)) .

          وانطلاقاً من أن الحق وسط بين طرفين ، وأن الفضيلة مكرمة بين رذيلتين ، وأن الكمال في الوسط وأن النقص في التطرف ، فقد ينحرف التواضع إلى الذل ، وقد يصبح غلافاً للكبر .. وفي الطرفين انحراف بالتواضع عن الموقع الصحيح الذي أراده الله ، وتزييف لهذا الخلق الكريم الذي سنه المصطفى عليه صلوات الله وسلامه .

          فقد ينطوي المرء على نفس تتصف بأشد حالات الكبر ، ولكنه يسلك مع بعض الناس سلوك المتواضع توصلا بهذا السلوك إلى تحقيق مصالحه المادية ، إنه موقف ذكي أساسه المصلحة الراجحة .

        فالكبرياء على العباد صفة رب العباد الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى والذي إذا ظهر قهر ، وإذا تجلى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر .

[سورة الجاثية]

        فذلُ العباد لربهم بالحق لا بالباطل ، فهو الخالق العظيم ، والرب الرحيم ، والمسيّر الحكيم ، بديع السماوات والأرض ، ذو الفضل العظيم ، رب العزة ، ذو الجلال والإكرام ، إليه يُرجع الأمر كله .

[سورة يونس]

             فمصائر العباد رهن مشيئته ، وطوع إرادته ، وهم إنما يكونون في أزكى أحوالهم ساعة ، تعنو جباههم لربهم خاضعين له ، مُنيبين إليه عندئذ يعرفون حجمهم ، ووضعهم فيلزمون حدهم ، ولا يتجاوزونه ، قال صلى الله عليه وسلم : ((من كان في قلبه مثقالُ حبة من خردل من كبر كبه الله في النار)) .

[رواه الإمام أحمد بمسنده ، ورواه الدار قطني في الأفراد وابن النجار عن عمرو]

           فالمتكبِّر مبطل متطاول ، يزعم لنفسه ما ليس لها ، والكبر جملة من الخصال الخسيسة ، في طليعتها جحد الحق ، وتجاهل الواقع ، وسوء العشرة ، وتجاوز القدر ، وتحقير الفضل .

          وقد يجهل الإنسان حقائق التوحيد ، أو يعتقد اعتقاداً فاسداً أساسه الشرك فيُذِّل نفسه ويقبل الدنية في دينه ، ودنياه لواحد من أمرين ؛ إما خوف أن يصاب برزقه ، أو أن يصاب بأجله ، مع أن الله قطع سلطان البشر عن الآجال والأرزاق جميعاً ، فليس لأحد إليهما سبيل ، وبين لنا في كتابه العزيز أن البشر ولو اجتمعوا بأسرهم أذلُّ من أن يمنعوا شيئاً أعطاه الله ، وأقل من أن يعطوا شيئاً منعه الله ، قال تعالى :

[سورة فاطر]

[سورة يونس]

هذا الذل ذل الشرك والخوف ، ليس من التواضع في شيء .

      وقد يقصِّر الإنسان في أداء واجبه ، وقد يهمل عمله ، أو صنعته أو يسيء إلى الناس في تعامله معهم ، فيأتيه اللوم والتقريع ، فيتطامن ويستخذي ، وهذا الذل ؛ ذل التقصير ، والإهمال ، والإساءة ليس من التواضع في شيء .

     إذاً ذلة العبد لعبد مثله باطلة لا ريب ، فقد حرَّم الإسلام على المسلم أن يهون أو يُستذل ، أو يُستضعف ، قال تعالى :

[سورة آل عمران]

وفي الحديث الشريف : ((من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مُكره فليس منا)) .

         وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((من أصبح حزيناً على الدنيا أصبح ساخطاً على ربه ، ومن أصبح يشكو مصيبة ، نزلت به فإنما يشكو الله تعالى ، ومن تضعضع لغني لينال مما في يده أسخط الله تعالى)) .

وفي رواية : ((من جلس لغني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه)) .

[أخرجه الخطيب عن ابن مسعود ، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب، وقال رواه الطبراني في الصغير، ورواه أبو الشيخ في الثواب عن أبي الدرداء]

       إذاً فلا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه ، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم : ((ابتغوا الحوائج بعزِّة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير)) .

        وقد قيل : احتج إلى الرجل تكن أسيره واستغن عنه تكن نظيره ، وأحسن إليه تكن أميره ، وشرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن النــاس

          إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه ، هو عزة الإيمان ، وعزة الإيمان شيء و كبرياء الطغيان شيء آخر ، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لجهة أو أن يتَّضع في مكان ، أو أن يكون عبداً لإنسان ، إنها ترفُّع عن مغريات الأرض ، ومزاعم الناس ، وأباطيل الحياة ، وفيها انخفاض إلى خدمة المسلمين ، والتبسُّط معهم ، واحترام الحق الذي يجمعه بهم ، إنها إتيان البيوت من أبوابها ، وطلب العظمة من أصدق سبلها ، قال تعالى :

[سورة فاطر]

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت

فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

والعزة حق يقابله واجب ، وليس يسوغ لامرئٍ أن يطالب بماله من حق حتى يؤدي ما عليه من واجب ، فإذا كُلِّفت بعمل فأدّيته على أصح وجوهه ، عندئذ لا سبيل لأحد عليك ، ولا يستطيع من فوقك ولا من دونك أن ينالك بلفظ جارح ، وتستطيع أن تحتفظ بعزة نفسك أمام كل الناس على اختلاف مراتبهم ، حين تسدُّ الثغرات التي ينفذ منها إليك اللوم والتقريع ، إن ألدَّ أعدائك حينئذ يتهيبك ، قال تعالى :

[سورة يونس]

وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((إياك و ما يعتذر منه)) .

[ذكره الهندي في كنز العمال 4/10206]

          وبعد الحديث عن الكبر وبطلانه ، والذلة وأسبابها ، والعزة ومقوماتها يطيب الحديث عن التواضع : إنه تواضع العزيز ، لا تواضع الذليل وإنه تواضع القوي ، لا تواضع الضعيف ، وإنه تواضع المنتصر لا تواضع المنهزم ، وإنه تواضع الشريف ، لا تواضع الخسيس ، وإنه تواضع المؤمن الذي يؤمن أن الأمر كله بيد الله ، لا تواضع المشرك الذي استحوذ الخوف على قلبه ، وإنه تواضع المؤدي لواجبه لا تواضع المقصّر فيه ، وإنه تواضع المتقن لعمله ، لا تواضع المهمل له ، وإنه تواضع المحسن ، لا تواضع المسيء ، ويدعم هذا التوجه ، وذاك التعريف أن التواضع لُغةً مصدر قياسي لفعل تواضع ، الذي على وزن تفاعل، حيث يفيد هذا الوزن إظهار ما ليس في الواقع ، فالمتواضع ليس وضيعاً ، كما أن المتمارض ليس مريضاً ، والمتكبر ليس كبيراً ، والمتعاظم ليس عظيماً .

         فالتواضع في حقيقته ، رؤية صحيحة لعظمة خالق الأكوان ، وشعور واقعي بضعف الإنسان ، وسلوك أصيل أساسه الانضباط والإحسان ، فهو مظهر لعبودية الإنسان تجاه خالقه، ونتيجة لرؤية افتقاره لفضله ، وليس سلوكاً ذكياً ، أساسه مصلحة راجحة ، ولا ضعفاً نفسياً أساسه توهُّم باطل ، أو رؤية ضبابية ، وليس تقصيراً ، أو إهمالاً ، أو إساءة .

إنه فضيلة الفضائل ، وهو بين دناءة الذلِّ وغطرسة الكبر ، ((ليس كل مُصَلٍّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ...)) .

[من حديث قدسي طويل رواه الديلمي عن حارثة بن وهب]

           والتواضع في أدق تعاريفه ، خضوع العبد لسلطان الحق ، والانقياد له ، والدخول تحت مظلته ، ومن تكبر عن الانقياد للحق ، أذله الله ، وصغّره وحقّره ، ومن تكبَّر عن الانقياد للحق ، ولو جاءه من صغير أو بعيد أو عدو فإنما تكبّره على الله ، فإن الله هو الحق ، وكلامه حق ، ودينه حق ، والحق صفته ، والحق منه ، والحق إليه ، وحينما عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الكبر فقال إنه : ((بطرُ الحق - أي رده وجحده - وغمص الناس)) .

[رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة]

           أي احتقارهم وازدراؤهم ، وعرَّف التواضع بقاعدة " مفهوم المخالقة " ، أي إنه الخضوع للحق ، وإنصاف الناس لهذا قيل : من عرف نفسه عرف ربه ، ومن لم يعرف نفسه فهو مغرور ، ومن نظر بعين المعرفة إلى سلطان الله ، فني عنه سلطان نفسه ، ومن نظر إلى عظمة ربه صغرت عنده نفسه ، وقهرت تحت جلال هيبته .

            المؤمنون قوم فرَّغ الله قلوبهم من الكبر ، وجعل رحيق محبته مشروبهم ، وأطال على باب خدمته وقوفهم ، وجعل رضاه وقُربه مطلوبهم ، وغضبه وبعده مخوفهم ، فهم من خشيته مشفقون ، ومن هيبته مطرقون ، إن تواضعوا فلرفعته ، وإن تذللوا فلعزته ، وإن طمعوا ففي فضله ، وإن خضعوا فلعظمته ، إلى الله افتقارهم وبالله افتخارهم ، وإلى الله استنادهم ، هو كنزهم ، وعزهم ، وفخرهم ، وذخرهم ، ومعبودهم ، ومقصودهم .

             وقل للواقفين بغير باب الله : يا طول هوانكم ، وقل للعاملين لغير الله : يا عظيم خسرانكم ، وقل للآملين لغير فضل الله : يا خيبة آمالكم ، وقل للساعين لغير وجه الله : يا ضيعة أعمالكم .

هذه بعض المنطلقات النظرية ، لخلق التواضع ، ولكن أين هي التطبيقات العملية ؟ .

           إن هذا الانفصال بين المُثُل النظرية ، والواقع العملي ، بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو كائن ، يرفضه الإسلام أشد الرفض ، لقد رفع الإسلام الواقع إلى مستوى المثل ، وشد المثل لتكون واقعية ، فصار ما في الإسلام يسمى بالواقعية المثالية ، أو المُثُل الواقعية .

إليكم أنموذجاً واقعياً من خلق التواضع عند النبي صلى الله عليه وسلم :

           لقد كان صلى الله عليه وسلم جمَّ التواضع ، وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام ، وينصرف بكله إلى محدثه ، صغيراً كان أو كبيراً ، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح ، وإذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين ، وإذا جلس جلس حيث ينتهي به المجلس ، لم يُرَ ماداً رجليه قط ، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته ، أو حاجة صاحب أو جار ، فكان يذهب إلى السوق ، ويحمل حاجته بيده ويقول : أنا أولى بحملها وكان يجيب دعوة الحرِّ والعبد والمسكين ، ويقبل عذر المعتذر ، وكان يرفو ثوبه ، ويخصف نعله ، ويكنُس داره ، ويخدم نفسه ، ويعقل بعيره ، وكان في مَهنة أهله ، وكان يأكل مع الخادم ، ويقضي حاجة الضعيف والبائس ، وكان يمشي هوناً خافض الطرف ، متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، لا ينطق من غير حاجة ، طويل السكوت ، إذا تكلم تكلّم بجوامع الكلم ، وكان دمثاً ليس بالجاحد، ولا المهين ، يعظم النِّعم ، وإن دقَّت ، ولا يذمُّ منها شيئاً ، ولا يذمُّ مذاقاً ، ولا يمدحه ، ولا تُغضبه الدنيا ، ولا ما كان منها ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها ، إذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، كان يؤلِّف ولا يُفرق ، ويُقرّب ولا يُنفّر ، يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليهم ، يتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، يُحسِّن الحسن ويصوّبه ، ويُقبِّح القبيح ويوهِّنه ، لا يُقصِّر عن حق ، ولا يجاوزه ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو ما يَسّره من القول ، كان دائم البشر ، سهل الخُلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخَّاب ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا مزّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يُخيِّب فيه مؤمله ، وكان لا يذم أحداً ، ولا يعيِّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يُرجى ثوابه ، يضحك مما يضحك منه أصحابه ، ويتعجب مما يتعجبون ، ويصبر على الغريب وجفوته ، في مسألته ومنطقه ، لا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوزه ... والحديث عن شمائله لا تتسع له المجلدات ، ولا خطب في سنوات ، ولكن الله جل في علاه ، لخَّصها في كلمات فقال :

[سورة القلم]

          فمن عنايته بأصحابه ، وتواضعه لهم ، ما رواه الحاكم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بعض بيوته ، فدخل عليه أصحابه حتى غصَّ المجلس بأهله وامتلأ ، فجاء جرير البجلي ، فلم يجد مكاناً فقعد على الباب ، فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ، وألقاه إليه ، فأخذه جرير ، ووضعه على وجهه ، وجعل يقبِّله ، ويبكي ، وأعاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ما كنت لأجلس على ثوبك ، أكرمك الله كما أكرمتني ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً ، وقال : ((إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)) .

           وعن عدي بن حاتم أنه قال : لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إلي وسادة من أدم محشوٍّ ليفاً ، وقال : اجلس عليها ، فقلت : بل أنت فاجلس عليها ، قال : بل أنت ، فقال عدي : فجلست عليها ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض ، فقلت : أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً .. وأسلم عدي بن حاتم .

        وروى البيهقي في الدلائل ، أنه وفدَ وفدُ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم بنفسه ، فقال أصحابه : نحن نكفيك القيام بضيافتهم وإكرامهم ، فقال صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا لأصحابنا مُكرمين ، وأنا أحب أن أكافئهم .

        وكان صلى الله عليه وسلم يمرُّ على الصبيان فيسلم عليهم ، وكانت الأمة ( الطفلة الصغيرة) تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت ، لقد كان هين المؤنة لين الخُلق ، كريم الطبع جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بساماً متواضعاً من غير ذلة ، جواداً من غير سرف رقيق القلب ، رحيماً بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين ، ولين الجانب لهم .

       وفي مختصر السيرة للطبري أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر فأمر أصحابه بإصلاح شاة ذُبحت ،فقال رجل : عليَّ سلخها ، وقال آخر : عليَّ ذبحها ، وقال صلى الله عليه وسلم " وعليَّ جمع الحطب " فقالوا : يا رسول الله ، نحن نكفيك العمل ، قال : ((قد علمت ذلك ولكنني أكره أن أتميز عليكم ، وإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً على أصحابه))  .

      ما من موقف ينزلق فيه صاحبه إلى الكبر ، والاستعلاء ، والغطرسة ، والعنجهية ، كأن يفتح مدينة مستعصية ناصبته العداء أمداً طويلاً ، لقد دخل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً متواضعاً لله ، ذاكراً لفضله ، حتى أن ذؤابة عمامته كادت تلامس عنق بعيره من شدة تواضعه وشكره ، هذا هو تواضعه صلى الله عليه وسلم .

الخطبة الثانية :

       حين انتهى المسلمون من غزوة حُنين ، راح النبي صلى الله عليه وسلم يوزِّع غنائمها على المسلمين ، واهتم يومئذٍ اهتماماً خاصاً بالمؤلفة قلوبهم ، ورأى الني صلى الله عليه وسلم أن يساعدهم على أنفسهم بهذا العطاء ، كما أعطى ذوي الحاجة من المقاتلين ، أما أولو الإسلام المكين فقد وكلهم إلى إسلامهم ، ولم يعطهم من غنائم هذه الغزوة شيئاً ، وكان مجرد عطاء الرسول صلى الله عليه وسلم شرفاً عظيماً يحرص عليه جميع المؤمنين .

         وهكذا تساءل الأنصار في مرارة : لِمَ لَمْ يُعطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حظهم من الفيء والغنيمة ؟ .. وسمع زعيم الأنصار قومه يتهامسون بهذا الأمر ، فلم يُرضه هذا الموقف ، واستجاب لطبيعته الواضحة الصريحة ، وذهب من فوره إلى رسول الله صلى الله عليــــه وسلم وقال : يا رسول الله ، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك - أي متألمون منك - في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، وسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأين أنت من ذلك يا سعد ؟ . فأجابه سعد : ما أنا إلا من قومي .. أي أنا مثلهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إذاً اجمع لي قومك .

        وقبل أن نتابع أحداث القصة ، لا بد من أن نذكر بأن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه هذا النقد ، أو ذلك التساؤل ، وحينما شعر بهذا الغضب ، أو ذلك الحزن ، الأنصار ، كان يتمتع بأعلى درجات القوة والسيطرة ، لقد فتح الله على يديه مكة ، التي ناصبته العداء عشرين عاماً ، وانتصر في آخر موقف قتالي ، وهي غزوة حُنين ، ودانت له الجزيرة العربية بأكملها ، لقد كان من الممكن أن يلغي وجود هؤلاء المنتقدين ، وكان من الممكن أن يهدر كرامتهم ، ويصفهم بأنهم منافقون وكان من الممكن أن يهملهم ، وفلا يلتفت إلى نقدهم وتساؤلهم ، وكان من الممكن أن يعاتبهم على موقفهم منه ، وهو النبي المُرسل والقائد المنتصر .. أتدرون ما ذا قال لهؤلاء المنتقدين يوم جمعهم ؟ .

        لقد ذكرهم بفضلهم عليه ، وتصديقهم له وذكَّرهم بإيوائهم له ومواساتهم ، قال لهم : ((يا معشر الأنصار ، ما قالة بلغتني عنكم ؟ وجدةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم ، أما والله لو شئتم لقلتـــم فلَصَدَقتُم ولصُدِّقتم به أتيتنا مُكذِّباً فصدَّقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وعائلاً فآسيناك ، وطريــداً فآويناك... ثم بين لهم فضله عليهم فقال : يا معشر الأنصار ، ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم ، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعـةً من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، أما ترضون يا معشر الأنصار أن يذهــب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ، فوالذي نفسي بيــده ، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ... عندئذ بكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم ، لقد ملأت كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم أفئدتهم سلاماً وأرواحهـم ثراءً وأنفسهم عافية ، وصاحوا جميعاً وزعيمهم سعد بن عبادة معهم : رضينا برسول الله قَسماً وحظاً)) .

       لو أردنا أن نؤلف كتاباً عن شمائله صلى الله عليه وسلم فأين نضع هذه القصة ؟ .. أنضعها في باب تواضعه تواضع القوي ، وتواضع المنتصر ، وتواضع الحكيم ، أم نضعها في باب عفوه وهو في أعلى درجات القوة ، أم نضعها في باب وفائه الشديد للذين اتَّبعوه ، ونصروه في ساعة العسرة ، أم نضعها في باب حنكته السياسية ، وكيف أنه امتص هذه النقمة، وأطفأ تلك الفتنة بكلمات صادقات ، أم نضعها في باب قيادته الحكيمة التي تجعل من العدو صديقاً ، ومن البعيد قريباً ، ومن البغيض حبيباً ؟ .

      كان الله في عون كُتَّاب السير ، كم يواجهون من صعوبات في تصنيف أفعال النبي عليه صلوات الله وسلامه ومواقفه .

         يا سيدي يا رسول الله ، يا سيد المتواضعين ، حقاً إنك سيد ولد آدم ، بلغت أعلى درجات الكمال البشري ، واختارك الله على علم لتكون أسوة حسنة وقدوة صالحة ، ومثلاً أعلى للمؤمنين الصادقين إلى يوم الدين ، ورحم الله حسان بن ثابت الأنصاري إذ يقول :

وأجمل منك لم تر قط عيني   وأكملُ منك لم تلدِ النساءُ

خلقت مُبَّرأً من كل  عيـبٍ    كأنك قد خُلقت كما تشاءُ

الدعاء :

اللهم ألزمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً .

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت .

اللهم أغننا بالعلم ، وزينا بالحلم ، وأكرمنا بالتقوى ، وجملنا بالعافية .

اللهم كما حسَّنت خلقنا فحسن خلقنا ، اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق ، ومنكرات الأعمال ، ومنكرات الأهواء .

اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام  وأعز المسلمين .

اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر .

اللهم انصر أخوتنا في الأراضي المحتلة ، على أعدائك وأعدائهم الذين باؤوا بغضب منك ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين .