الخطبة الإذاعية "24"
بتاريخ 24/ 04/ 1992 لفضيلة
الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: حكمة الحج .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق : الأستاذ ياسين رزق والسيد أحمد مالك .
التنقيح
النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله
الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزاً وحصناً ، وجعل البيت العتيق مثابة للناس
وأمناً ، وأكرمه بالنسبة إلى ذاته تشريفاً له وتحصيناً وأمناً ، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له ، جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ، والشهر الحرام
، والهدي ، والقلائد ، ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ،
وأن الله بكل شيء عليم، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، خير نبي اجتباه ، وللعالمين أرسله ،
أرسله بالحق بشيراً ونذيراً ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو
كره المشركون ، اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد ، سيد الخلق ، وحبيب الحق
، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض عنا ،
وعنهم يا رب العالمين .
أوصيكم
ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
في الإسلام ،
فضلاً عن العقائد التي تعد أساس الدين ، عبادات تنظم علاقة الإنسان بربه ،
ومعاملات تنظم علاقة الإنسان بأخيه ، وإذا صحت العبادات ارتقت المعاملات ، وكان
ارتقاء المعاملات مؤشراً على صحة العبادات ، والعبادات تهدف أول ما تهدف إلى السمو
بالإنسان نفساً وقولاً وعملاً ، عن طريق إحكام الصلة بالله رب العالمين ،
والاهتداء بهديه ، والتنعم بقربه ، والتقلب في رحمته ، والارتشاف من عذب شرابه ،
وقطف ثمار فضله ، ومن هذا المنطلق شُرعت العبادات الشعائرية ، كالصلاة والصيام
والحج .
الحج هو
أحد أركان الإسلام الخمسة ، وهو عبادة مالية ، بدنية شعائرية ، وهو تلك الرحلة
الفريدة في عالم الأسفار ، ينتقل فيها المسلم ببدنه ، وقلبه إلى البلد الأمين الذي
أقسم الله به ، في القرآن الكريم ليقف في عرفات ، وليطَّوَّف ببيت الله الحرام ،
الذي جعله الإسلام رمزاً لتوحيد الله ، ووحدة المسلمين ، ففرض على المسلم أن
يستقبله كل يوم خمس مرات في صلواته ، قال تعالى :
[سورة البقرة]
ثم فرض عليه
أن يتوجه إليه بشخصه ، ويطوف به بنفسه في العمر مرة واحدة .
إن هذا البيت
العتيق هو أول بيت وُضع للناس ، هو أول بيت أُقيم في الأرض لعبادة الله، ومجدِّدُ
بنائه الخليل إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل ، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل
الله من ذريتهما هذه الأمة المسلمة ، واستجاب دعوتهما الخالصة ، وهما يُشيدان هذا
البناء العتيد ، قال تعالى :
[سورة البقرة127]
قال صلى
الله عليه وسلم : ((أنا دعوة إبراهيم وبُشرى عيسى ابن مريم)).
[ابن سعد عن عبد الله
بن عبد الرحمن بن معمر]
والحج برهان
عملي يقدمه المؤمن لربه ولنفسه ، على أن تلبية دعوة الله بدافع محبته وابتغاء رضوانه
ـ أفضل عنده من ماله ، وأهله ، وولده ، وعمله ، ودياره ، ومما تتميز به هذه
العبادة أنها تحتاج إلى تفرغ تام ، فلا تؤدى إلا في بيت الله الحرام .
إذاً لا
بد من مغادرة الأوطان ، وترك الأهل ، والخلان ، وتحمُّل مشاقِّ السفر ، والتعرض
لأخطاره ، وإنفاق المال في سبيل رضوانه ، وإذا صح أن ثمن هذه العبادة باهظ
التكاليف فإنه يصحُّ أيضاً أن ثمرة هذه العبادة باهرة النتائج ، حيث قال المصطفى
صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم : ((من حجَّ فلم يرْفُثْ ولم
يفْسُقْ رَجَعَ من ذنوبه كيومَ ولدته أمه)) .
[رواه
البخاري 1449 ، ومسلم 1350]
وقال أيضاً : ((الحج
يهدم ما قبله)) ، و((الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) ، و((الحجاج
والعُمَّار وفد الله ، إن دعوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم)) ، لذلك قال
النبي صلى الله عليه وسلم : ((تابعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب))
.
و ((أن
النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله)) .
يذهب المسلم
إلى بيت الله الحرام ، ويُخلِّف في بلدته هموم المعاش والرزق ، هموم العمل والكسب
، هموم الزوجة والولد ، وهموم الحاضر والمستقبل ، وبعد أن يُحرم من الميقات يبتعد
عن الدنيا كلياً ، ويتجرَّد إلى الله عز وجل ويقول :" لبيك اللهم لبيك ، لبيك
لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " .
هذه التلبية
كأنها استجابة لنداء ودعوة يقعان في قلبه ، أن يا عبدي خلِّ نفسك وتعال ، تعال يا
عبدي ، لأريحك من هموم كالجبال ، تجثم على صدرك ، تعال يا عبدي لأطهرك من شهوات
تُنغِّص حياتك .
تعالَ يا
عبدي ، وذق طعم محبتي .. تعال يا عبدي ، وذق حلاوة مناجاتي .
" لبيك
اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك
" .
تعال يا
عبدي لأريك من آياتي الباهرات ، تعالى لأريك ملكوت الأرض والسماوات ، تعالى لأضيء
جوانحك بنوري الذي أشرقت به الظلمات ، تعال لأعمر قلبك بسكينة عزت على أهل الأرض
والسماوات تعال لأملأ نفسك غنىً ورضىً شقيتْ بفقدهما نفوس كثيرة ، تعال لأخرجك من
وحول الشهوات إلى جنات القربات ، تعال لأنقذك من وحشة البعد إلى أُنس القرب ، تعال
لأخلصك من رُعب الشرك وذل النفاق إلى طمأنينة التوحيد وعز الطاعة .
لبيك اللهم
لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك ، والملك لا شريك لك " .
تعال يا
عبدي لأنقلك من دنياك المحدودة ، وعملك الرتيب ، وهمومك الطاحنة إلى آفاق معرفتي ،
وشرف ذكري ، وجنة قربي ، تعال يا عبدي وحُطَّ همومك ومتاعبك ، ومخاوفك عندي ، فأنا
أضمن لك زوالها ، تعال يا عبدي واذكر حاجاتك ، وأنت تدعوني فأنا أضمن لك قضاءها
" ، إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عُمارها ، فطوبى لعبد تطهَّر
في بيته ثم زارني ، وحقَّ على المزور أن يكرم الزائر " ..
فكيف يكون
إكرامي لك إذا قطعت المسافات ، وتجشمت المشقات ، وتحملت النفقات ، وزرتني في بيتي
الحرام ، ووقفت بعرفة تدعوني ، وتسترضيني .
" لبيك
اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد ، والنعمة لك ، والملك ، لا شريك لك".
تعال يا
عبدي ، وزرني في بيتي ، لتنزاح عنك الهام ، ولتعاين الحقائق ولتستعد للقاء ، فـ ((إن
عبداً أصححتُ له جسمه ، ووسَّعت عليه في المعيشة ، فمضت عليه خمس أعوام ، لم يفد
إليَّ لمحروم)) .
تعال يا
عبدي ، وطُف حول الكعبة طواف المحب حول محبوبه ، واسعَ بين الصفا والمروة سعي
المشتاق لمطلوبه ، تعال يا عبدي ، وقبِّل الحجر الأسود ، يميني في الأرض ، واذرُف
الدمع على ما فات من عمر ضيعته في غير ما خُلقت له ، وعاهدني على ترك المعاصي
والمخالفات على الإقبال على الطاعات والقربات ، " وكن لي كما أُريد لأكن لك
كما تريد " كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ، فإذا سلَّمت لي فيما أريد
كفيتك ما تريد ، وإن لم تُسلِّم لي فيما أُريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا
ما أريد خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي
عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك .
" لبيك
اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك ، والملك لا شريك لك
" .
تعال يا عبدي
إلى عرفات ، يوم عرفة فهو يوم اللقاء الأكبر ، تعالى لتتعرض لنفحة من نفحاتي تطهر
قلبك من كل درن وشهوة ، وتُصفي نفسك من كل شائبة وهم هذه النفحات تملأ قلبك سعادة
وطمأنينة ، وتشيع في نفسك سعادة لو وُزِّعت على أهل بلد لكفتهم ، عندئذ لا تندم
إلا على ساعة أمضيتها في قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال .
تعال
لعرفات يوم عرفة ، لتعرف أنك المخلوق الأول من بين كل المخلوقات ، ولك وحدك سخرت
الأرض والسماوات ، وأنك حُمِّلت الأمانة التي أشفقت منها الجبال والأرض والسماوات
، وأني جئت بك إلى الدنيا لتعرفني ، وتعمل عملاً صالحاً يؤهلك لجنة الخلد ، تعال
إلى عرفات يوم عرفة ، لتعرف أن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات
، وتواصوا بالحق ، وتواصوا بالصبر ، وأنك إن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فُتُّك فاتك
كلُّ شيء.
وبعد أن
يذوق المؤمن في عرفات ، من خلال دعائه ، وإقباله ، واتصاله ، روعة اللقاء ، وحلاوة
المناجاة ، ينغمس في لذة القرب ، عندئذ تصغر الدنيا في عينيه ، وتنتقل من قلبه إلى
يديه ، ويصبح أكبر همه الآخرة فيسعى إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وقد يُكشف
للحاج في عرفات أن كل شيء ساقه الله له مما يكرهه ، هو محض عدل ، ومحض فضل ، ومحض
رحمة ، ويتحقق من قوله تعالى :
[سورة البقرة : 216]
وبعد أن
يفيض الحاجُّ من عرفات ، وقد حصلت له المعرفة واستنار قلبه ، وصحت رؤيته يرى أن
السعادة كلها في طاعة الله ، وأن الشقاء كله في معصيته عندئذ يرى عداوة الشيطان،
وكيف أنه يَعِدُ أولياءه بالفقر إذا أنفقوا ، ويخوفهم مما سوى الله ، إذا أنابوا
وتابوا ، ويعدهم ، ويمنيهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ، قال تعالى :
[سورة إبراهيم]
عندئذ
يُعبِّر الحاج عن عداوته للشيطان تعبيراً رمزياً برمي الجمار ، ليكون الرمي
تعبيراً مادياً ، وعهداً موثقاً في عداوة الشيطان ، ورفضاً لوساوسه وخطراته .
يقول الإمام
الغزالي : " اعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى في العقبة ، وفي الحقيقة ترمي بها
وجه الشيطان ، وتقصم ظهره ، ولا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعالى
" .
وحينما يتجه
الحاج لسوق الهدي ، ونحر الأضاحي ، وكأن الهدي هدية إلى الله تعبيراً عن شكره لله
على نعمة الهدى ، التي هي أثمن نعمة على الإطلاق ، وكأن ذبح الأضحية ذبح لكل شهوة
، ورغبة لا تُرضي الله ، وتضحية بكل غالٍ ورخيص ، ونفس ونفيس في سبيل مرضاة رب
العالمين ، قال تعالى :
[سورة الحج]
ثم يكون
طواف الإفاضة تثبيتاً لهذه الحقائق ، وتلك المشاعر ، ثم يطوف طواف الوداع لينطلق
منه إلى بلده إنساناً آخر استنار قلبه بحقائق الإيمان ، وأشرقت نفسه بأنوار القرب ، وعقد العزم على تحقيق ما عاهد
الله عليه ، وإذا صحَّ أن الحج رحلة إلى الله ، فإنه يصحُّ أيضاً أنه الرحلة قبل
الأخيرة ، لتجعل الرحلة الأخيرة مُفضية إلى جنة عرضها السماوات والأرض .
وبعد أن
ينتهي الحجاج من مناسك الحج يتجهون إلى المدينة المنورة ، التي هي من أحب بلاد
الله إلى الله ، يتجهون إليها لزيارة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم ، فقد رُوي عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي
" .
[رواه
البيهقي بلفظ " كمن زارني في حاتي " وضعفه وقال : إن طرقه كلها لينة لكن
يقوي بعضها بعضاً ، وانظر الفوائد المجموعة للشوكاني ص131]
وقد عُلِّقت
في مكان بارز من الحجرة الشريفة الآية الكريمة :
[سورة النساء]
وقد أشار
القرطبي إلى أن الآية تصدق على زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد
مماته ، وليس هذا لغير النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد
أورد القاسمي في تفسيره أن في هذه الآية تنويهاً بشأن النبي صلوات الله وسلامه
عليه ، فالرجل حينما يظلم نفسه بمعصية ربه ، من خلال خروجه عن سنة النبي صلى الله
عليه وسلم وجب عليه أن يستغفر الله ، وأن يعتذر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فلا تتم التوبة إلى الله ، ولا تُقبل إلا إذا ضمَّ إلى استغفار الله استغفار رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم عين طاعة الله ،
ورفض سنة النبي صلى الله عليه وسلم عين معصية الله وإرضاء رسول الله صلى الله عليه
وسلم هو عين إرضاء الله ، يستنبط هذا من إفراد الضمير في قوله تعالى عند كلمة
يرضوه :
[سورة التوبة]
هكذا بضمير
المفرد .
ولا أدل على
ذلك من قول الله تعالى :

[سورة النساء80]
ومن قوله
تعالى :
[سورة آل عمران]
ولعل سرَّ السعادة
التي تغمر قلب المسلم حينما يزور مقام النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما إن يرى
معالم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه ، وما إن يبصر الروضة الشريفة حتى يجهش
بالبكاء ، وعندئذ تُصبح نفس الزائر صافية من كل كدر ، نقية من كل شائبة ، سليمة من
كل عيب ، منتشية بحبها له صلى الله عليه وسلم وقُربها منه ، وهذه حقيقة الشفاعة
التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : "من جاءني زائراً ، لم
تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة " .
[رواه ابن خزيمة في
صحيحه والبزار والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما ]
وإذا شئت
الدليل القرآني على ما يشعر به المسلم من سكينة وسعادة حينما يتصل برسول الله صلى
الله عليه وسلم بنحو أو بآخر ، فهو قوله تعالى :
[سورة التوبة]
وقال الرازي
في تفسيره : إن روح محمد صلى الله عليه وسلم كانت روحاً قوية صافية مشرقة باهرة
لشدة قربه من الله ، ولأن قلبه الشريف مهبط لتجليات الله جل وعلا ، فإذا ذكر
أصحابه بالخير والود ، أو ذكره المؤمنون بالحب والتقدير فاضت آثار من وقته
الروحانية على أرواحهم ، فأشرقت بهذا السبب نفوسهم ، وصفت سرائرهم ، وهذه المعاني
تفسر قوله تعالى :
[سورة الأحزاب]
رُوي أن
بلالاً رضي الله عنه سافر إلى الشام ، وطال به المقام ، بعد وفاة سيد الأنام صلى
الله عليه وسلم ، ولقد رأى وهو في منامه وهو بالشام رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول له : " ما هذه الجفوة يا بلال ؟ أما آن لك أن تزورني " ؟ فانتبه
حزيناً ، وركب راحلته ، وقصد المدينة ، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل
يبكي عنده كثيراً .
فأقبل الحسن
والحسين رضي الله عنهما وجعل يضمهما ، ويقبلهما فقالا : نشتهي أن نسمع أذانك ، الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وأصرّا عليه ، فصعد وعلا سطح المسجد ، ووقف موقفه الذي كان يقفه .
ولما بدأ
بقوله : الله أكبر .. وتذكر أهل المدينة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجَّت
المدينة ، وخرج المسلمون من بيوتهم فما رأيت يوماً أكثر باكياً وباكيةً في المدينة
بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم .
لقد صدق أبو
سفيان رضي الله عنهم حينما قال : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً
.. وهذه الحقيقة ينبغي أن تنسحب على كل مؤمن إلى يوم القيامة ، يقول صلى الله عليه
وسلم : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين))
.
[رواه البخاري
ومسلم44]
الخطبة
الثانية :
لقد خطب
النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع خطبة جامعة مانعة تضمنت مبادئ إنسانية
سيقت في كلمات سهلة سائغة ، كيف لا وقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم
، فلقد استوعبت هذه الخطبة جملة من الحقائق التي يحتاجها العالم الشارد المعذب
ليرشد ويسعد ، قال تعالى :
[سورة طه]
إن الله جل
وعلا ربى محمداً صلى الله عليه وسلم ليُربي به العرب ، وربى العرب بمحمد صلى الله
عليه وسلم ليُربي بهم الناس أجمعين ، قال تعالى :
[سورة الحج]
فمن المبادئ
التي انطوت عليها خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع :
1ـ
الإنسانية متساوية القيمة في أي إهاب تبرز ، على أية حالة تكون وفوق أي مستوى
تتربع .. " أيها الناس ، إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم ، وآدم
من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى ، ألا
هل بلَّغت ؟ اللهم فاشهد " .
2 ـ النفس
الإنسانية ما لم تكن مؤمنة بربها مؤمنة بوعده ووعيده مؤمنة بأنه يعلم سرَّها
وجهرها ، لأن النفس الإنسانية تدور حول أثرتها ، ولا تُبالي بشيء في سبيل غايتها ،
فربما بنــت مجدها على أنقاض الآخرين ، وبنت غناها على فقرهم ، وبنت غزها على ذلهم
، بل ربما بنت حياتها على موتهم ، لذلك قال الرسول الكريم في حجة الوداع : ((أيها
الناس إن دماءكم وأموالكم ، وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم إنما المؤمنون
إخوة ، لا يحل لامرئ مالُ أخيه إلا عن طيب نفس منه ، وإنكم ستلقون ربكم ، فيسألكم
عن أعمالكم ، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد)) .
3 ـ والمال
قوام الحياة ، وينبغي أن يكون مُتداولاً بين كل الناس ، وأنه إذا ولد المالُ المال
من دون جهد حقيقي يسهم في عمارة الأرض وإغناء الحياة ، تجمَّع في أيدٍ قليلة ،
وحُرمت منه الكثرة الكثيرة ، عندها تضطرب الحياة ، ويظهر الحقد ، ويُلجأ إلى العنف
، ولا يلد العنف إلا العنف ، والربا يسهم بشكل أو بآخر في هذه النتائج المأساوية
التي تعود على المجتمع البشري بالويلات ، لهذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في
خطبة الوداع : ((ألا وإن كل رباً في الجاهلية موضوع ، وإن لكم رؤوس أموالكم لا
تظلمون ولا تُظلمون ، قضى الله أن لا رباً وأول رباً أبدأ فيه - أي أسقطه -
ربا عمي العباس بن عبد المطلب)) .
4 ـ النساء
شقائق الرجال ، ولأن المرأة مساوية للرجل تماماً من حيث إنها مكلفة كالرجل
بالعقائد والعبادات والمعاملات ، والأخلاق ومساوية له من حيث استحقاقُها الثواب
والعقاب ، وأنها مساوية له تماماً في التشريف والتكريم ، لهذا قال صلى الله عليه
وسلم في خطبة حجة الوداع : ((اتقوا الله بالنساء واستوصوا بهن خيراً ، ألا هل
بلغت ؟ اللهم فاشهد ...)) .
ثم يُتابع
خطبته فيقول : ((أيها الناس لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، أيها
الناس إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه ، ولكنه رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك
مما تحقرونـه من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم ، وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به
فلـن تضلوا أبداً ، أمراً بيناً : كتاب الله وسنة نبيه ، وإنكم ستسألون عني فما
أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ونصحت فجعل يُشير بإصبعه
المسبحة إلى السماء ثم إلى الناس وهو يقول : اللهم اشهد ، اللهم اشهد)) .
إني داع ببعض
أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يدعوها وهو يؤدي مناسك الحج .
الدعاء :
اللهم يا
مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك
، والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار .
اللهم إنا
نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى .
اللهم إنا
نسألك من الخير كله ما علمنا منه وما لمن نعلم ، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا
منه وما لم نعلم .
اللهم إنا
نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول
وعمل .
اللهم اغفر
وارحم واعف عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم
اللهم آتنا
في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
اللهم أعل
كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين ، في
مشارق الأرض ومغاربها ، لما تحب وترضى ، اللهم وفق بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم
على الحق والخير والهدى ، وانصرهم على أعدائك وأعدائهم يا كريم .
والحمد لله رب
العالمين .