الخطبة الإذاعية "27"  بتاريخ 30/ 04/ 1993  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  حكم الحج  .

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           : الأستاذ ياسين رزق السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك .

       يا رب كفانا فخراً أن تكون لنا رباً ، وكفانا عزاً أن نكون لك عبيداً .

يا رب من لم يعتز بطاعتك لم يزل ذليلاً ، ومن لم يستشفِ بكتابك بات وأصبح عليلاً، ومن لم يستغن بالافتقار إليك كان طول الدهر فقيراً ، ومن لم يتحقق في العبودية لك صار في العبودية لمن دونك أسيراً .

وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، خلقت فسويت  وقدرت وقضيت ، وأمتَّ وأحييت ، وأمرضت وشفيت ، وعافيت وابتليت ، وأغنيت وأقنيت ، وأضحكت وأبكيت، المرجع المآل إليك  نحن بك وإليك .

وأشهد أنك يا سيدنا ، ويا قدوتنا ، ويا قائدنا ، ويا حبيبنا ، يا أبا القاسم أشهد أنك رسول الله ، بلّغتَ الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد ، دعوت ربك في الطائف ، فقلت له : ((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلةَ حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين  أنـت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني  أم إلى عدوٍ ملّكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي)) .

يا سيدي يا رسول الله ، ما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يصطلحوا مع ربهم ، ويخلصوا له دينهم ، ويهتدوا بهديك يا رسول الله ، ويتبعوا سنتك ، ثم يدعوا بدعائك ، فلعل الله يخرجهم من الظلمة ، ويكشف عنهم الغمَّة ، وينصرهم على عدوهم .

رب أدخلني مدخل صدق ، وأخرجني مخرج صدق ، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ، رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي .

رب هب لي حكماً ، وألحقني بالصالحين ، واجعل لي لسان صدق في الآخرين .

عباد الله ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير.

إخوة الإيمان في دنيا العروبة والإسلام ، يقول الله جل جلاله :

[سورة آل عمران]

الحج فرض عين على كل مسلم ومسلمة ، بالغ ، عاقل ، حر مستطيع ، مرةً في العمر كله ، يُكفَّر جاحده ، ويُفسَّق تاركه ، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((من ملك زاداً وراحلة تبلِّغه إلى بيت الله ، ولم يحج فلا عليه أن يموت غير مسلم)) .

[رواه الترمذي وفي إسناده مقال ، راجع " جامع الأصول]

وهو الركن الخامس من أركان الإسلام ، الذي عُلم من الدين بالضرورة ، حيث قال النبـــي صلى الله عليه وسلم : ((بني الإسلام على خمس ؛ شهادةِ أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة  وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً)) .

[رواه البخاري1/47، ومسلم16]

والحج عبادة قولية ، وقلبية ، وبدنية ، ومالية ، وشعائرية ، تؤدى في أمكنة مُخصصة، وفي أزمنة مُخصصة ، وبأعمال مُخصصة ، وإذا كانت الصلاة تتكرر في اليوم الواحد خمس مرات ، وفريضة الجمعة تؤدى كل أسبوع ، وفريضة الصوم تؤدى في العام شهراً ، فإن فريضة الحد تجب في العمر كله مرة واحدة لقوله صلى الله عليه وسلم : ((الحج مرَّة فمن زاد فهو تطوُّع)) .

[أخرجه أبو داود 1721 ، والنسائي 5/111 ، وله طرق وشواهد صححه الحاكم 1/441 ووافقه الذهبي ]

الحج رحلة إلى الله .. فقد شاءت إرادته ، لحكمة مطلقة ، مراعاة للنزعة المادية في كيان الإنسان ، أن يضع للناس في الأرض بيتاً له يُمكِّن المؤمنين به ، من أن يعبروا من خلال إتيانه ، من كل فج عميق أن يُعبِّروا عن حبهم لله ، وشوقهم إليه ، فالمؤمن يؤكد من خلال قصده البيت الحرام ، مُلبياً دعوة ربه ، أن الله أحب إليه من أهله ، وولده ، وماله ، وعمله ، وبلده ، والناس أجمعين  ، فيتحمل نفقات الحج التي ربما كانت باهظة ، ويتحمل ترك الأهل ، والولد الذي ربما كان صعباً ، ويتحمل ترك العمل والكسب الذي ربما كان أثيراً، كل ذلك حُباً لله وطمعاً بالقرب منه .

وشاءت حكمة الله ، أن يكون بيته الحرام ، في المنطقة الحارة من الأرض ، وفي وادٍ غير ذي زرع ، ليكون واضحاً لدى الحجاج أن الاتصال الحقيقي بالله ، يحقق للمرء سعادة ، يستغني بها عن كل الشروط المادية ، التي يتوهم أنها سبب سعادته ، وأن سعادة الإنسان تنبع من داخله ، لا مما يحيط به نفسه من ألوان النعيم .

ولو كان بيت الله الحرام ، في المنطقة المعتدلة من الأرض حيث الجبال الخضراء ، والمياه العذبة ، والبحيرات الصافية ، والبساتين الغناء ، والجو اللطيف ، والنسيم العليل ، وكان الحج على مدار العام دفعاً للازدحام ، لأقبل كل الخلق على أداء الفريضة الممتعة طلباً للاستجمام ، لا حُبًّا بخالق الأكوان ، قال تعالى : 

[سورة إبراهيم]

وفضلاً عن موقع البيت الحرام ، وعن طبيعة الجو فيه ، فإن الحاج المحرم يُحظر عليه لُبس المخيط من الثياب ، ويُحظر عليه التطيب بكل أنواع الطيب ، ويُحظر عليه الحلق والتقصير ، ويُحظر عليه مقاربة المتع المباحة خارج الحج ، كل ذلك ليُحكم اتصاله بالله ، وليسعد بقربه وحده بعيداً عن كل مداخلة من مُتع الأرض ، ليتحقق الحاج أنه إذا وصل إلى الله وصل إلى كل شيء ، وأن الدنيا كلها لا يمكن أن تُسعد الإنسان ، ولينطلق لسانه بشكل عفوي قائلاً : يا رب ، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ..

ومجمل القول : إن الحج عبادة ، قوامها اتصال متميز بالله عز وجل ، وثمنه التفرُّغ التام ، إذا لا يُؤدى إلا في بيت الله الحرام ، إذاً لا بد من مغادرة الأوطان ، وترك الأهل والخلاّن ، وتحمُّل مشاقِّ السفر ، والتعرض لأخطاره ، وإنفاق المال ابتغاء مرضاة الله ، وإذا صحَّ أن ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف ، فإنه يصحُّ أيضاً أن ثمارها باهرة النتائج .

قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم : ((من حجَّ فلم يَرفث ولم يَفسق رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه)) .

وإن الحج يهدم ما كان قبله ، وإن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، والحجاج والعُمَّار وفد الله إن دَعَوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم ، (( تابِعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب)) ، وإن النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله .

ولكي تؤدى هذه العبادة العظيمة ، على نحو يقبلها الله ، ويرضى عنها ، ولئلا يُنفق الإنسان المال الكثير ، والوقت الثمين ، ويتجشم المشاقَّ ، ثم لا تُقبل حجته ، ويُقال له : لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك ، لئلا تضيع حجته سدى ، عليه أن يتوب قبل الذهاب إلى الحج ، من كل الذنوب والآثام ، كبيرها وصغيرها ، جليلها وحقيرها .

فيجتنــب كل كسب حرام ، وكل علاقة متلبسة بالآثام ، عليه أن يؤدي الحقوق التي عليه بالتمام والكمال ، وبخاصة تلك الحقوق المتعلقة بالخلق لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة ، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة ، عليه أن يؤدي الحقوق ، ويُقلع عن الذنوب، والأهم من هذا أن يعقد العزم على ألا يعود إليها بعد الحج ، وإلا أصبح الحج من الطقوس لا من العبادات ، فمن الخطأ الكبير ، والوهم الخطير ، أن يظن الحاج أن الحج يهدم كل ما قبله من الذنوب، وفيه تُغفر كل خطيئة وقد اتُفق على أن الأحاديث الشريفة ، التي تبين أن الحاج يعود من الحج كيوم ولدته أمه ، وقد غُفرت ذنوبه كلها ، هذه الذنوب التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم هي الذنوب التي بين العبد وربه حصراً ، أما الذنوب التي بينه وبين الخلق ، وأما الحقوق التي في ذمته ، وأما الواجبات التي قصَّر في أدائها ؛ فهذه لا تسقط، ولا تُغفر إلا بالأداء أو المسامحة ، فالذنوب ثلاثة ؛ ذنب لا يُغفر وهو الشرك ، وذنب لا يُترك ، وهو ما كان بين العبد والخلق ، وذنب يُغفر وهو ما كان بين العبد وربه.

قال تعالى :

[سورة البقرة]

وقد ورد في معاجم اللغة أن الشعائر هي المعالم والمناسك ، أي : الأعمال التي يُؤمر بها الحاج في تلك الأماكن ، ومفردها ؛ شعيرة وفي قوله تعالى :

[سورة البقرة]

والمَشعر : المَعْلَم الظاهر ، وجمعها " مشاعر " ، والمشاعر المقدسة هي الأماكن المقدسة .

والآن ألا ينبغي للحاج ، وهو في المشاعر المقدسة ، أن يشعر بمشاعر مقدسة ؟

ألا ينبغي للحاج وهو في بيت الله الحرام يطوف حول الكعبة ، أن يشعر بمشاعر المحب ، يطوف حول محبوبه ، وأن يشعر وهو يسعى بين الصفا والمروة بمشاعر الساعي المشتاق لمطلوبه ؟ .. ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو يفاوض الحجر الأسود بمشاعر التوبة والإنابة ؟ ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو في عرفات أن يشعر بروعة اللقاء ونشوة الاتصال.. ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو ينحر الأضاحي أنه ينحر شهوته التي تحجبه عن ربه ؟ .. ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو يرجم الشيطان ، أن الرجم تعبير يرمز إلى معاداة الشيطان الأبدية؟ .. ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو في الروضة الشريفة ، أنه في روضة من رياض الجنة؟..

مجمل القول ؛ ينبغي للحاج وهو يؤدي نسك الحج في المشاعر المقدسة أن يشعر بمشاعر مقدسة ، تتنوع بتنوع الأمكنة ، وتنوع النسك فكل منسك له شعوره الخاص ، وهذا الشعور هو محصلة إيمانه .

في حياة الإنسان الشارد قيم مادية طاغية هي بشكل أو بآخر موازين غير صحيحه ، يوزن بها الإنسان في المجتمع المادي ، كالمال ، والقوة والوسامة ، والذكاء .. وهي قيم مضلّلة ، تحجب الإنسان عن حقيقته الإنسانية ، وعن رسالته الربانية ، تحجبه عن سر وجوده، وغاية وجوده ، وعن مصيره الأبدي ، وحينما يرحلُ الإنسان من حياته الدنيا الفانية إلى حياته الأخرى الباقية ، يُصعَق حينما تنهار أمامه القيم المادية ، وتتعطل الموازين غير الصحيحة ، وتسقط الأقنعة المزيفة ، وتنزاح الحجب المضللة ، كل هذا بعد فوات الأوان ، يُصعق حينما لا يُقيم عمله وفق مدى معرفته بربه ، ومعرفته بمنهج ربه ، واستقامته على منهج ربه ، وبحجم أعماله الصالحة ،التي نفع بها الخلق ، ولئلا يُصعق الإنسان في رحلته الأخيرة ، فرض الله الحج على المستطيع ، وهو الموسر ليكون رحلة إلى الله قبل الأخيرة ، فلعله يستعد من خلال دروسها البليغة للرحلة الأخيرة .

يأتي الحاج المستطيع إلى بيت الله الحرام ، حاسرَ الرأس بادي القدمين مشتمل الإزار، مجرداً من الثياب التي يُعبِّر بها الإنسان في أكثر الأحيان عن غناه المادي ، أو عن مرتبته الاجتماعية ، أو عن منصبه الرفيع ، لقد نزع الحاج ثيابه ، ونزع معها أقنعة المال ، والجاه والسلطان يأتي البيت الحرام ليطوف ويسعى فلا يجد أمكنة لعلية القوم، وأخرى لسوقتهم ، إنه مكان واحد يطوف فيه الغني والفقير ، والأمير ، والخفير ، والقوي ، والضعيف ، في بيت الله الحرام تزول الفوارق بين البشر وتتحقق المساواة بين الخلق ولا يبقى من المرجحات إلا مرجحٌ واحد ، وهو التقوى لقوله تعالى :

[سورة الحجرات]

التجرد والمساواة سِمَتان بارزتان في الحج ، فيهز الحاجَ جلالةُ الموقف ، ويغمر قلبَه الخشوعُ ، وتفيض بالدمع عيناه ، ويتوجه إلى الله داعياً متضرعاً ، تائباً مستغفراً ، وهو يرى الجموع الحاشدة ، وقد لُفَّت أبدانُها بأقمشة بيضاء بشبه الأكفان ، يذكِّره هذا الموقف بيوم القيامة حيث يقوم الناس لرب العالمين ، حقاً إن الحج رحلة قبل الرحلة الأخيرة تُذكِّر الحاج بالرحلة الأخيرة .

والاستطاعة التي وردت في الآية ، التي تعد أصلاً في فرضية الحج ، وهي قوله تعالى :

[سورة آل عمران : الآية 97 ]

هي استطاعة بدنية ومالية وأمنية ، فالمسلم الذي لا يقوى جسمه على تحمُّل أداء مناسك الحج بَغَلبة يقينية ، أو بإخبار طبيب متخصص مسلم حاذق ورع ، يُجزئه أن يُكلِّف من يحج عنه في حياته ، أو يوصي بحجة بدل بعد مماته ، وفق أحكام هذا النوع من الحج ، والمسلم الذي لا يملك المال الكافي الذي يغطي نفقات الركوب بأنواعها ، ونفقات السكن في مكة والمدينة ، وثمن الطعام والشراب ، فضلاً عن نفقات أهله وولده في غيبته ليس مستطيعاً، فلا ينبغي للمسلم غير المستطيع أن يبذل ماء وجهه من أجل جمع نفقة الحج ، ولا أن يسلك المسالك الملتوية ، من أجل أن يحصل على نفقة الحج ، فإنه في الأصل ليس مستطيعاً ، ولا حج عليه وحينما يقرر أولوا الأمر في ديار المسلمين أن يعتمدوا نظاماً يُتيح لمن لم يحج أن يحج ، ويَمنع من حج حجة الفريضة قبل أقل من خمس سنوات أن يحج ، حينما يكون الباعث على هذا التنظيم إفساح المجال للمسلمين الذين لم يحجوا حجة الفريضة أن يؤدُّوها بيسر وطمأنينة ، فلا ينبغي للمرء أن يرتكب معصية ليحج حجة نافلة ، فالمسلم الذي لم يُسمح له أن يحج لا يُعَدُّ مستطيعاً .

وما دام الحج من العبادات المالية التي تستوجب إنفاق المال فلا بد في المال الذي سينفقه الحاج في هذه الفريضة من أن يكون مالاً طيباً وحلالاً ، قال صلى الله عليه وسلم : ((إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً)) .

[أخرجه مسلم1015 ]

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الَغْرز - ركاب الدابة - فنادى : لبيك اللهم لبيك ، ناداه منادٍ في السماء: لبيك وسعديك زادُك حلال ، وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج بالنفقة الخبيثة ، فوضع رجله في الغرز فنادى : لبيك اللهم لبيك ، ناداه منادٍ مـــن السماء : لا لبيك ولا سعديك ، زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مأجور)) .

[قال المنذري : رواه الطبراني في الأوسط ، وانظر صحيح فقه السنة للسيد سابق 1/563]

وبما أن الحج فريضة فرضها الله على المستطيع ، والفقيرُ ليس مستطيعاً ، فلا ينبغي للفقير أن يقترض ليحج ، فعن عبد الله بن أبي أوفى قال : ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل لم يحج  أوَ يستقرض ؟ قال : لا)).

[رواه البيهقي]

والمدين لا تُقبل حجته إلا بموافقة دائنه .

وبما أن عبادة الحج فرضها الله على المستطيع في العمر كله مرة واحدة ، فإنْ أخلَّ الحاج في مناسكها ، فلم يؤدِ ركناً ، أو نسي واجباً ، أو ترك سنَّة ، أو حرص على سنة أدَّت إلى انتهاك حرمة ، أو اقتراف معصية ، أو فعل محظوراً  فقد أبطل حجه ، أو لَزِمه الدمُ ، أو أساء ، أو قصر ، أو ترك الأولى ، إنْ فعل هذا فقد ضيّع فرصة فريدة لا تتكرر ، فرصة لمغفرة ذنبه ، واستحقاقه جنة ربه ، كل هذا بسبب الجهل الذي هو أعدى أعداء الإنسان ، فالجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوه به ، لذلك نقول: أيها الحجاج ؛ تفقهوا قبل أن تحجوا ، فعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ، وقليل من الفقه خير من كثير من العبادة ، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، وكما أن انتظار الصلاة يُعَدّ من الصلاة ، كذلك الإعداد الفقهي للحج من الحج ، فكم من حاجٍّ أهمل التفقُّه قبل الحج ، وعاد من الحج ، ولم يطف طواف الركن ، فبطل حجُّه ، وكم من حاج اجتاز الميقات المكاني ، غير محرِم فلزمه الدم ، وكم من حاج فعل محظورات الإحرام وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً .

الخطبة الثانية :

من فقه الرجل أن يتحرك في حياته وفق سُلَّم للأوليات ، فإذا أدى حجة الإسلام وهي حجة الفريضة ، وتاقت نفسه إلى أن يحج مرة ثانية وثالثة ، وكان مستطيعاً بماله وبدنه ، وموافقة أولي الأمر له ، ولم يسهم من خلال تصريح غير مطابق للواقع في حرمان مسلم من حجة الفريضة ، وكان قد أدى كل ما عليه من واجبات تجاه والديه ، وأولاده ، وإخوته ، وأخواته ، وأصدقائه ، وجيرانه ، فلا عليه أن يحج ثانية وثالثة ورابعة ، فالحج جهاد لا شوكة فيه ، وهو جهاد الكبير والمرأة والضعيف ، وقد ورد في الحديث القدسي : ((إذا أصححت لعبدي جسمه ، ووسعت عليه في المعيشة ، فأتت عليه خمسة أعوام لم يفد إليَّ لمحروم)) .

[انظر الجامع الصغير للسيوطي]

لكن حينمــا يحج المسلم حجة الفريضة ، وله ولد في سن الزواج ، ويخشى عليه الانحراف فالأولى أن يزوِّجه بدل من أن يحج حجة النفل ، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع ، وأن الله لا يقبل نافلة أدَّت إلى ترك واجب .

ومن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثراً ، ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم : ((اللهم حجةً لا سُمعة فيها ولا رياء)) .

ومعنى هذا أن من انحراف الحاج أن يبتغي من حجه السمعة والرياء.

قال ابن كثير :خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج ، فاجتاز ببعض البلاد ، فمات طائرٌ معهم ، فأمر بإلقائه في قمامة البلدة ، وسار أصحابه أمامه ، وتخلف هو وراءهم ، فلما مر بالقمامة إذا بجارية قد خرجت من دار قريبة ، وأخذت ذلك الطائر الميت ، ثم أسرعت به إلى الدار ، فجاء ابن المبارك ، وسألها عن أمرها ، وأخْذها الطائرَ الميت ، واستحيت أولاً ، ثم قالت : أنا وأمي هنا ، وليس لنا شيء إلا هذا الإزار ، وليس لنا قوت إلا ما يُلقى على هذه القمامة ، وكان لنا والد ذو مال عظيم ، أُخذ ماله ، وقتل لسبب أو بآخر ، ولم يبق عندنا شيء نتبلغ به ، أو نقتات منه ، سمع ذلك ابن المبارك فدمعت عيناه، وأمر برد الأحمال والمؤونة وقال لوكيله : كم معك من النفقة ، قال : ألف دينار ، فقال له : أبقِ لنا عشرين ديناراً تكفينا لإيابنا ، وأعط الباقي إلى هذه المرأة المصابة ، فوالله لقد أفجعتني بمصيبتها .

يقول ابن المبارك : وإن هذا أفضل عند الله من حجنا هذا العام ، ثم قفل راجعاً ولم يحج ، واعتقد أن هذه الصدقة فوق الحج المبرور ، والسعي المشكور .

وسأل رجل ذا النون المصري قائلاً له : عندي مائة درهم أأحج بها أم أتصدق ؟..قال ذو النون أحَجَجْتَ الفرض ؟ قال : نعم ، قال : إن قسمتها على عشرٍ من العائلات الفقيرة ، وأعطيـت كلاً عشرة دراهم كان ذلك خيراً عند الله من حجة النفل ، فإن شئت فاسمع مني ما أقول ففعل الرجل وتصدَّق بالمال .

بقيت إشارة لطيفية إلى نوع من الإعجاز العلمي في آية الحج ، وهي قوله تعالى :

[سورة الحج ]

أي من كل فج بعيد ، هذا هو المعنى ، والسؤال ، لمَ قال الله جل جلاله من كل فج عميق ولم يقل من كل فج بعيد .

إن كلمة عميق تشير إلى خاصة في الأرض لم تكن معروفة يوم نزول القرآن .. ما الخاصة ، وما نوع الإعجاز ؟ ..

أيها الإخوة الأكارم تأملوا في كلمة من كل فج عميق ، لمَ لمْ يقل ربنا من كل فج بعيد، فإن لم تهتدوا إلى الإجابة الصحيحة فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .

الدعاء :

ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين .

ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا ، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم .

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .

ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين .

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا للإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ، ربنا إنك رؤوف رحيم .

ربنا آتنا من لدنك رحمة ، وهيئ لنا من أمرنا رشداً .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرةَ أعين ، واجعلنا للمتقين إماماً.

ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير .

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم .

ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين .

ربنا عليك توكلنا ، وإليك أنبنا ، وإليك المصير .

ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الفاتحين .

اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين .

اللهم انصر إخواننا في الأراضي المحتلة على أعدائك وأعدائهم ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، واجعل الدائرة تدور عليهم .

اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا .

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين ، في مشارق الأرض ومغاربها ، لما تحب وترضى ، اللهم وفق بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، وانصرهم على أعدائك وأعدائهم يا كريم .

والحمد لله رب العالمين .

*****