الخطبة الإذاعية "28"
بتاريخ 25/ 06/ 1993 لفضيلة
الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: الهجرة .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق :
السيد أحمد مالك .
التنقيح
النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله
رب العالمين ، يا رب يا كاشف الأسرار ويا مسبل الأستار ويا واهب الأعمار ويا منشأ
الأخبار ويا مولج الليل في النهار ،
يا معافي الأخيار ، ويا مستدرج الأشرار ، يا منقذ الأبرار من العار ،
والنار جد علينا بصفحك عن زلاتنا ، كن لنا ، وإن لم نكن لأنفسنا ، لأنك أولا بنا
متِّعنا بالنظر إلى نور وجهك ، لا تضلنا بعد هديك ، لا تبعدنا بعد قربك ، لا
تكربنا بعد رحمتك ، قد عادينا أعداءك فيك فلا تشمتهم بنا لتقصيرنا في حقك ،
ووالينا أصفياءك لك فلا توحشْنا منهم لسهونا عن واجبك .
وأشهد أن لا
اله إلا الله وحده لا شريك له .
سل الروض مزدانا سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير
شاديا
***
و النمل تحت الصخور الصم مجــده و النحل يهتف حمدا في
خلايـاه
وأشهد أن
سيدنا محمدا عبده ورسوله ، يا سيدي يا رسول الله :
أدعوك عن قومي الضعاف لأزمة في مثلهـا يلقى
عليك رجاء
اللهم صل
وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة
ألويته ، وارض عنا ، وعنهم يا رب العالمين .
عباد الله
أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
أيها الإخوة
المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، تتميز حياة النبي صلى الله عليه وسلم عن حياة
العظماء من القادة والمصلحين بأن حياته صلى الله عليه وسلم ، كل ما فيها من أقوال
، أو أفعال ، أو إقرار ، أو مواقف تعد قدوةً وتشريعاً فقد عصمه الله جل جلاله عن
الخطأ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي مواقفه ، فهو لا ينطقُ عن الهوى ، إن هو إلا
وحي يوحى ، لذلك أمرنا الله جل جلاله بالأخذ عنه ، قال تعالى :

[سورة الحشر]
وجعل الله
جل جلاله إتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وتطبيق سنته دليلا عمليا على محبة الله
، قال تعالى :

[سورة آل عمران]
لهذا كان
للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين مهمتان كبيرتان
، مهمة التبليغ والتبيين ، قال تعالى :

[سورة المائدة]
والمهمة
الثانية مهمة القدوة والأسوة ، قال تعالى :

[سورة الأحزاب]
أيها الأخوة
المؤمنون في كل مكان ، إن الظروف التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والأحداث
التي واجهها ، هي ظروفٌ وأحداثٌ خُلقت ، وقُدرت بعنايةٍ تامة ، وبحكمةٍ بالغة ،
ليقف النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل الذي ينبغي إن يقفه الإنسان ليؤكد
إنسانيته ، وليحقق غاية وجوده ، إن هذه الظروف وتلك الأحداث من شأنها أنها تكرر
بسبب أن طبيعة النفس واحدة، قال تعالى :

[سورة الأعراف]
وبسبب أن
معركة الحق والباطل ، والخير والشر ، والإيمان والكفر معركة قديمة ومستمرة ، وأن
الإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان ، أنه يكرر نفسه في ارتفاعه وانحطاطه ، في
قوته وفي ضعفه ، في إيمانه وفي كفره ، لذلك أيها الإخوة كان موقف النبي صلى الله
عليه وسلم من الظروف التي أحاطت به ، ومن الأحداث التي واجهته هو الموقف الذي
يريدنا الله أن نقفه إذا أحاطت بنا مثل تلك الظروف ، أو واجهتنا مثل تلك الأحداث .
أيها الإخوة
المؤمنون ، أيتها الأخوة المؤمنات ، والإنسان فطر على حب الأرض التي وجد فيها
والتعلق بالمعالم التي لابست نشأته ، حينما ينتزع الإنسان من بيئته التي ترعرع
فيها، ويخرج من أرضه التي أحبها تتمزق نفسه ، ويعظم همُّه ، وربما آثر الموت على
هذا الخروج الذي هو اقتلاع من جذوره ، لذلك أشارت الآية الكريمة إلى هذه الحقيقة
بقوله تعالى :

[سورة النساء]
هذا من جهة
، ومن جهة ثانية ، الإنسان مكلفٌ أن يعبد الله تعالى من خلال التعرف إليه ،
والتعرف إلى منهجه ، ومكلف أن يعبد الله عز وجل من خلال أدائه فروض العبودية ، من
صيام، وصلاة ، وحج ، ومن خلال التزامه بالأمر ، والنهي ، ومن خلال الأعمال الصالحة
التي هي ثمن سعادته في الآخرة الأبدية ، قال تعالى :

[سورة الذاريات]

[سورة البقرة]
هاتان
حقيقتان أساسيتان ينشأ عنهما معا أن الإنسان إذا وُجد في أرض حالت قوى الشر فيها
بينه وبين أن يستجيب لنداء فطرته في عبادة ربه ، وحالت بينه وبين أن يصغيَ لصوت
العقل في تطبيق منهج خالقه ، وكان هذا الإنسان من الضعف بحيث لا يستطيع أن يقنع
هذه القوى بالكف عنه ، ولا أن يقف في وجهها فيلزمها ماذا يفعل ؟ أيخسر سعادته
الأبدية من أجل النوازع الأرضية ،قال تعالى :

[سورة النساء]
هذا هو
الجواب ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وهذا هو المنطلق الفلسفي لهجرة
النبي عليه الصلاة والسلام ، ونحن في مناسبة الهجرة .
إخوةَ
الإيمان في كل مكان ، تُعَلِمنا الهجرة أولاً إن الإنسان إذا تنازعت فيه النوازع
الأرضية ، والنـداءات السماوية عليه أن يُؤثِر الجانبَ الأسمى والأبقى ، فلا أحدٌ
يستطيع أن ينجيه من عذاب الله ، ولا عذر له فيما يرديه .
إن
الهجرة في حقيقتها موقفٌ نفسي قبل أن تكون رحلة جسدية ، إنها هجران للباطل وانتماء
للحق ، إنها ابتعاد عن المنكرات ، وفعل للخيرات ، إنها ترك للمعاصي ، وانهماك في
الطاعات ، ثم إنها فضلاً عن كل ذلك انتقالٌ من دار الكفر إلى دار الإسلام ، قال
عليه السلام فيما رواه البخاري ومسلم ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنهما : ((المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) .
يا أيها
الإخوة المؤمنون ، يا أيتها الأخوات المؤمنات ، إذا كان باب الهجرة من مكة إلى
المدينة قد أُغلق بعد الفتح ، لقول النبي علية الصلاة والسلام : ((لا هجرة بعد
الفتح)) ، فان باب الهجرة مفتوحٌ بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة زمن
الهجرة ، بل إن أبواب الهجرة من مجتمع الكفر إلى مجتمع الإيمان مفتوحةٌ على
مصاريعها إلى يوم القيامة ، بل إن عبادة الله في زمن كثرت فيه الفتن ، واستعرت فيه
الشهوات ، وعمَّ فيه الفساد ، إن عبادة الله المخلصة الصادقة في هذه الأجواء
الموبوءة تُعد هجرة خالصة إلى الله ورسوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((عبادة
في الهرج - أي في زمن الفتن - كهجرة إلي)) .
[ رواه مسلم والترمذي
]
أيها الإخوة
المؤمنون في كل مكان ، وتعلمنا الهجرة ثانياً من خلال الخطة المحكمة التي رسمها
النبي صلى الله عليه وسلم ، أن استحقاق التأييد الإلهي لا يعني التفريط قيد أنملة
في استجماع أسبابه ، وتوفير وسائله ، لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم لهجرته
خطةً محكمةً ، حيث كتم تحركه تضليلاً للمطاردين ، واستأجر دليلاً ذا كفاءة عالية ، واختار غار ثور الذي يقع
جنوب مكة لإبعاد مظنة الوصول إليه ، وحدد لكل شخص مهمة أناطها به ، فمن واحد لتقصي
الأخبار ، وآخر لمحو الآثار وثالث لإيصال الزاد ، ثم إنه بعد كل ذلك كلف سيدنا
عليا كرم الله وجهه أن يرتدي برده ، ويتسجى على سريره تمويها على المحاصرين الذين
أزمعوا قتله .
إخوتي
المؤمنين ، لقد أعد النبي لكل أمرٍ عدتَه ، ولم يدعْ مكاناً للحظوظ العمياء ، لقد
اتخذ الأسباب ، وكأنها كل شيء في النجاح ، ثم توكل على الله ، لأنه لا قيام لشيء
إلا بالله ، إن هذه التدابير التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم على كثرتها ،
ودقتها ليست صادرةً عن خوف شخصي ، بل كانت طاعة لله عن طريق الأخذ بالقوانين التي
قننها الله ، وبالسنن التي سنها الله ، وتشريعاً لأمته من بعده ، ثم إنه في الوقت
نفسه لم يعتمد عليها ، بدليل أنه كان في غاية الطمأنينة حينما وصل المطاردون إليه
، وما زاد عن أن قال لسيدنا أبي بكر : ((يا أبا بكر ما قولك باثنين الله ثالثهما))
.
يا أيها
الإخوة المؤمنون في كل مكان ، حينما فهم المسلمون الأوائل التوكل على الله هذا
الفهم الصحيح ، وبهذه الطريقة رفرفت راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ، واحتلوا
مركزاً قيادياً بين الأمم والشعوب ، واليوم إذا أراد المسلمون أن ينتصروا على
أعدائهم وما أكثرهم ، وأن يستعيدوا دورهم القيادي بين الأمم لينشروا رسالة الإسلام
الخالدة ، رسالة الحق والخير والسلام ، إذا أراد المسلمون ذلك فعليهم أن يستوعبوا
جيداً هذا الدرس البليغ الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال
هجرته ، ونحن نحتفل في هذه الأيام بذكرى هجرته صلى الله عليه وسلم .
وملخص القول
أن التوكل هو الأخذ بالأسباب من دون الاعتماد عليها ، وافتقارٌ إلي تأييد الله ،
وحفظه ، وتوفيقه من دون تقصير في استجماع الوسائل
إخوة
الإيمان في كل مكان ، وتعلمنا الهجرة ثالثاً من خلال النتائج الباهرة التي حققها
المهاجرون ، أنه من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسعةً تُيَسر أموره ، يحفظه الله عز وجل ، يوفر
الله له حاجاته ، وأنه ما ترك عبد شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ،
وأنه من شغلته طاعةُ الله عن تحقيق مصالحه الدنيوية أعطاه الله خير الدنيا والآخرة
، وقد ورد في الحديث القدسي :((عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد
كفيتك ما تريد وان لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد))
.
و((من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً
، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً)) .
يقول عقبة
بن عامر الجهني ، أحد أصحاب رسول الله رضي الله عنه : " قدم رسول الله صلى
الله عليه وسلم المدينة وأنا في الفلوات أرعى غنيمات لي ، فما إن تناهى إلي خبر
قدومه حتى تركتها ، ومضيت إليه لا ألوي على شيء ، فلما لقيته قلت له يا رسول الله
أتبايعني ، فقال عليه الصلاة والسلام فمن أنت ، قلت أنا عقبة بن عامر الجهني ، قال
يا عقبة، أيهما أحب إليك أن تبايعني بيعةً أعرابية أم بيعة هجرةٍ قلت : بل بيعة
هجرة ، وكنَّا اثني عشر رجلاً ممن أسلموا نقيم بعيداً عن المدينة لنرعى أغنامنا في
بواديها ، فقال بعضنا لبعض، لا خير فينا ، والله إذا نحن لم نقدم على رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يوم ليفقهنا في ديننا ، ويُسمعنا مما ينزل عليه من
وحي السماء ، فليمض كل يوم واحد منا إلى يثرب ، وليترك غنمه لنا فنرعاها له ، فقلت
: اذهبوا أنتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً بعد آخر ، وليترك لي
الذاهب غنمه ، لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي من أن أتركها لأحد ، ثم طفق
أصحابي يغدو الواحد منهم بعد الآخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويترك لي
غنمه أرعاها له ، فإذا جاء أخذت منه ما سمع ، وتلقيت عنه ما فقه ، لكنَّني ما لبثت
أن رجَعت إلى نفسي ، وقلت لها : ويحك يا نفس أمن أجل غنيمات لا تُسمن ، ولا تغني
تفوِّتي عليك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأخذ عنه مشافهةً من غير
واسطة ، ثم تخليت عن غنيماتي ، ومضيت لأصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أيها الإخوة
المؤمنون حضوراً ومستمعين ، لم يكن عقبة بن عامر الجهني ، يخطر له على بال حين
اتخذ هذا القرار ، قرار صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك غنيماته، لم يكن
يخطر له على بال حينما اتخذ هذا القرار الحاسم والحازم أنه سيغدو بعد عِقد من
الزمان عالماً من أكابر علماء الصحابة ، وقارئاً من شيوخ قرَّائها ، وقائداً من
قوَّاد الفتح المرموقين ووالياً من ولاة الإسلام المعدودين ، ولم يكن يخطر له على
بالٍ أيضاً ، وهو يتخلى عن غنيماته ، ويمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أنه سيكون طليعةَ الجيش الذي يفتح أمَّ الدنيا وقتها دمشق ، ويتخذ لنفسه داراً بين
رياضها النضرة عند باب توما ، ولم يكن يخطر له على بال أنه سيكون أحد القادة الذين
سيفتحون زمردة البلاد مصر ، وأنه سيغدو والياً عليها ، ويتخذ لنفسه فيها داراً في
سفح جبلها المقطن ، وبعدها اشترك هذا الصحابي الجليل في قيادة حملة بحرية لفتح
جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط .
ماذا نقول ؟
...لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حينما قال : ((ما ترك عبد شيئاً لله
إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) .
وقد
ورد في الحديث القدسي : ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين))
.
يا أيها الإخوة
الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، هذا عن الهجرة في سبيل الرحمن ، فماذا عن
الهجرة في سبيل الشيطان ، موضوع آخر .
حينما يرفض
المرء الحق وأهله ، وينضم إلى الباطل وأهله ، حينما يؤثر المرء الدنيا الفانية على
الآخرة الباقية ، حينما يفضل الرجل مصالحه على مبادئه وحاجاته على قيمه ، حينما
تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها الرجل ، أو ابتغاء مال وفير يحصله على حساب مصيره
الأبدي .
حينما تكون
الهجرة بذلاً للخبرات والطاقات لغير بلاد المسلمين ، حينما تكون الهجرة إضعافاً
للمسلمين ، وتقويةً لأعدائهم ، حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية ،
وفراراً من البذل والتضحية .
حينما
تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض ، واستثمار خيراتها .
حينما
تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر الدين إلى بلد فرغت منه كل القيم ، وحينما تكون الهجرة تضييعاً للعرض
والدين ، وكسباً للدرهم والدينار فهي هجرة في سبيل الشيطان ، وشتان بين الهجرتين .
أيها الإخوة
الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، لقد قدم جبلة بن الأيهم أحد ملوك الغساسنة على
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، معلناً إسلامه ، وقد رحب به عمر أشد الترحيب ،
وأنزله منزلته ، وفيما جبلة بن الأيهم ، هذا الملك الغساني يطوف حول الكعبة داس
بدوي من فزارة خطأً على طرف ردائه ، فأزاحه عن كتفه ، فالتفت جبلة إليه ، وضربه
ضربةً هشّمت أنفه ، فما كان من هذا البدوي من فزارة إلا أن يتجه إلى عمر بن الخطاب
ليشكوا جبلة ، فاستدعى عمر جبلة وقال له ، يا ابن أيهم ، جاءني هذا الصباح مشهد
يبعث في النفس المرارة بدوي من فزارة بدماءٍ تتظلم ، بجراج تتكلم ، مقلةٌ غارت ،
وأنف قد تهشَّم، وسألناه ، فألقى فادح والوزر عليك ، بيديك .
أصحيح ما
قاله هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة :
لست ممن ينكر أو يكتم شيئا ، أنا أدَّبت الفتى أدركت حقي بيدي .
قال عمر :
أي حق يا ابن أيهم ، عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم ، عند غيري جبهةٌ بالإثم
بالباطل تلطم ، نزوات الجاهلية ورياح العنجهية ، قد دفنَّاها ، وأقمنا فوقها صرحاً
جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .
يا جبلة
أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه ، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يُهشمن الآن أنفك ،
وتنال ما فعلته كفك .
فقال جبلة :
كيف ذاك يا أمير المؤمنين ، هو سوقة ،وأنا صاحب تاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً
، كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزُّ ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني .
فقال عمر :
عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
يا إخوة
الإيمان في كل مكان ، لقد ارتد جبلة عن الإسلام ، وأخذته العزة بالإثم ، وأبى أن
يخضع لحكم الله ، وتسلَّل في جنح الظلام من المدينة مُتَّجهاً نحو الشمال ، نحو
أعداء المسلمين لينضم إليهم ، ويمضي عمره بالمعاصي والآثام ، وحينما دنا أجله ،
تقطع قلبه ندماً على ما فعل ، فقد باع آخرته بدنياه ، وقال بعض الأبيات :
***
هذه هجرة في
سبيل الشيطان ، ولكن متى عرف الحقيقة ، بعد فوات الأوان .
أيها الإخوة
الأكارم ، كل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، الليل مهما طال فلا
بد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
فإذا حملت
إلى القبور جنـازةً فاعلم بأنك بعدها محــمولُ
لذلك حاسبوا
أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت
قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ،
وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .
اللهم علمنا
ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .
الخطبة
الثانية :
إخوة
الإيمان في كل مكان ، لا زلنا في موضوع الهجرة ، بعد أن صعقت قريش ، حينما علمت أن
محمداً صلى الله عليه وسلم ، خرج من مكة ، أعلنت في القبائل أنه من يأتيها بمحمد
صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً ، فله مائة من كرائم الإبل وكان سراقة بن مالك فارساً من فرسان قومه
المعدودين ، طويل القامة عظيم الهامة بصيراً باقتفاء الأثر ، صبوراً على أهوال
الطريق ، فلما سمع بالنوق المائة ، اشرأبت إليها أطماعه ، واشتد عليها حرصه ، فلبس
لأمته - أي درعه - وتقلد سلاحه ، وامتطى جواده ، وطفق يغذُّ السير ليدرك محمداً
صلى الله عليه وسلم قبل أن يسبقه أحدٌ إليه ، وإلى الجائزة ، ومضى يطوي الأرض طياً
، إلى أن أدرك محمداً وصاحبه ، فمد يده إلى قوسه ، فجمدت في مكانها ، لأنه رأى
قوائم فرسه تسيخ في الأرض - أي تغوص - ويتصاعد الغبار من بين يديها ، ويغطي عينيه
وعينها ، قالتفت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وقال بسوط ضارع : يا هذان
، ادعوا لي ربكما ليطلق قوائم فرسي ، ولكما علي أن أكف عنكما ، فدعا له النبي صلى
الله عليه وسلم ، فأطلق الله له قوائم فرسه ، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد
، فدفع فرسه نحوهما مرةً ثانيةً ، فساخت قوائمها أكثر من ذي قبل ، فاستغاث بهما
مرةً ثانية ، وقال إليكما زادي ، وإليكما متاعي ، وإليكما سلاحي فخذاه ، ولكما علي عهد الله ، أن أردَّ
عنكما من ورائي من الناس ، فقالا له ، لا حاجة لنا بزادك ومتاعك، ثم دعا له الرسول
صلى الله عليه وسلم ، وكان ارحم الخلق بالخلق ، دعا له ربه مرةً ثانية فانطلقت فرسه .

[سورة المائدة]
هذه عصمة
الله عز وجل .
ولما هم سراقة بالانصراف قال له النبي صلى
الله عليه وسلم كيف بك يا سراقة إذا
لبست سواري كسرى ، قال سراقة كسرى بن هرمز صاحب القصر الأبيض في المدائن ، قال
عليه السلام كسرى بن هرمز ـ وكان من أقوى الأقوياء في عصره ـ ودارت الأيام دورتها
فإذا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة طريداً شريداً مستتراً بجنح الظلام
مهدوراً دمه يعود إليها سيداً فاتحاً تَحُفُّه الألوف المؤلفة من بيض السيوف ،
وسمر الرماح ، ويأتي سراقة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعلن إسلامه بين يديه ،
ويتراءى له ذلك اليوم الذي هم فيه بقتل محمد صلى الله عليه وسلم من أجل مائة من
النوق ، وبعد أن أسلم أصبحت نوق الدنيا لا تساوي عنده قلامةً من ظفر النبي صلى
الله عليه وسلم ، ودارت الأيام دورتَها كرةً ثانية وآل أمر المسلمين إلى الفاروق
عمر رضوان الله تعالى عليه ، وفي ذات يوم من آخر أيام خلافته قَدِم على المدينة
رُسُلُ سعد بن أبي وقاص ، يبشرون عمر بالفتح ، ويحملون إلى بيت مال المسلمين
الغنائم ، وكان من بين هذه الغنائم تاج كسرى المرصع بالدر ، وثيابه المنسوجة بخيوط
الذهب ، ووشاحه المنظوم بالجوهر ، وسواراه ، وما لا حصر له من النفائس ، نظر عمر
إلى هذا كله في دهشة ، وجعل يقلبها بقضيب كان بيده زهداً بها ، ثم قال : إن قوماً
أدوا هذا لأمناء ، وكان في حضرته سيدنا علي كرم الله وجهه ، قال يا أمير المؤمنين
: أعجبت من أمانتهم ، لقد عففت فعفوا ، ولو رتعت لرتعوا ، وهنا دعا الفاروقُ عمر
سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى ، ووضع على رأسه تاجَه ، وألبسه سواريه ، ثم قال
عمر لسراقة : بخٍ بخٍ أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى ، وفي يديه سواره ،
ماذا قال الله عز وجل ؟ قال الله :

[سورة النور]
وقال تعالى
:

[سورة مريم]
وفهمكم أيها
الإخوة ، يغني عن كثرة الشرح ، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ، لقد
رويتُ لكم هذا القصة باختصار شديد نظراً لضيق الوقت ، ولعل اختصاري لها ، وتركي
التفاصيل أخل بروعتها ودلالتها ، فعودوا إليها مفصلة في كتب السيرة ، ففيها دلائل
كثيرة على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى صدق وعد الله للمؤمنين
بالاستخلاف والتمكين والتأمين .
أيها الإخوة
المؤمنون روى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجراً
إلى الله دعا ربه .
وإني داعٍ بدعائه صلى الله عليه وسلم
فأمِّنوا
الحمد لله
الذي خلقنا ولم نك شيئا ، اللهم أعِنَّا على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب
الليالي والأيام ، اللهم اصحبنا في سفرنا،
واخلفنا في أهلنا ، وبارك لنا فيما رزقتنا ، ولك فذللنا ، وعلى صالح الخلق
فقومنا ، وإليك ربنا فحببنا ، والى الناس فلا تكلنا ، رب المستضعفين ، وأنت ربنا ،
نعوذ بنور بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض ، وكشفت به الظلمات ، وصلح
عليه أمر الأولين والآخرين أن تحل علينا غضبك ، وتنزل بنا سخطك ، ونعوذ بك من زوال
نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحول عافيتك ، وجميع سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا
قوة إلا بك ، والحمد لله رب العالمين .
***