الخطبة الإذاعية "34"
بتاريخ 28/ 10/ 1994 لفضيلة
الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: الجانب
الاجتماعي في الإنسان .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق :
السيد أحمد مالك .
التنقيح
النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
وخضع كل شيء لهيبته ، واستسلم كل شيء
لقدرته ، وتصاغر كل شيء لكبريائه .
وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له غنى كل فقير ، وعز كل ذليل ، وقوة كل ضعيف ، ومفزع
كل ملهوف ، فكيف نفتقر في غناك ، وكيف نضل في هداك ، وكيف نذل في عزك ، وكيف نضام
في سلطانك ، وكيف نخشى غيرك ، والأمر كله إليك .
وأشهد أن
سيدنا محمد عبده ورسوله أرسلته رحمة للعالمين ، بشيراً ونذيراً ، أرسلته ليخرجنا
من الظلمات إلى النور ، من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن ذل
الشرك إلى عز التوحيد ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
اللهم صل ،
وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل محمد ، وعلى أصحاب محمد ، وعلى ذرية محمد
وسلم تسليماً كثيراً .
عباد الله
أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، واستفتح بالذي هو خير .
أيها الإخوة
المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، في شخصية الإنسان جانب مادي ، وجانب فكري ،
وجانب نفسي ، وجانب اجتماعي ، وجانب ، وجانب والخطبة اليوم عن الجانب الاجتماعي في
الإنسان ، وعلاقته بالإسلام ، الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، وختم به رسالات
السماء ، وأخبر بأنه سيظهره على الدين كله .
إخوة
الإيمان في كل مكان ، من حاجات الفرد الأساسية حاجة الإنسان إلى المحبة أي إلى أن
يُحِبَ ، والى أن يُحَبَ ، وحاجته إلى التقدير أن يقدره الآخرون ، وحاجته الأنس ،
وحاجته إلى الأمن وحاجته إلى معونة الآخرين ، وحاجته إلى نصرتهم والتقوي بهم ،
وحاجته إلى الأخذ من معارفهم وخبراتهم ومنجزاتهم ، بل إن هناك حاجات عضوية لا
تتحقق مع الإنسان إلا بغيره ، كل هذه الحاجات تولد في نفس الفرد الميل إلى الجماعة
الميل إلى الانخراط فيها ، والاندماج معها تلبية لحاجاته العضوية ، والنفسية ،
والفكرية ، والى جانب هذا الدافع الاجتماعي في الإنسان نجد الفردية والأثرة التي
تغذيها الغرائز والمصالح ، وحينما تصطدم النزعة الاجتماعية في الفرد مع مصالحه
المادية نجد الإنسان المتفلت من منهج الله يؤثر مصالحه المادية ، ويلقي بفضائله
الاجتماعية عرض الطريق ، وهذا ما نجده في الأفراد والمجتمعات المادية .
أيها الإخوة
الكرام ، هذا هو الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديان ، وقبل أن يستنير عقله ، وقبل
أن تزكو نفسه ، وقبل أن يصلح عمله ، لكن الإسلام حينما غذَّى في الفرد الدافع
الاجتماعي ، وحث على لزوم الجماعة ، ووهن فردية الإنسان وانعزاليته أراد أن يصعد
هذا الدافع الاجتماعي ، وأن يسمو به في كل مراحله ومستوياته ، فجعل الإسلام الدافع
الاجتماعي في المسلم ينبعث من عبادة الله وطلب مرضاته عن طريق خدمة عباده لا من
تلبية حاجاته المادية والمعنوية ، وجعل الإسلام النشاط الاجتماعي للمسلم يسري في
قنوات نظيفة حددها الشرع الحكيم ضماناً لسلامة الفرد ، وضماناً لسلامة المجتمع من
الفساد والانحلال ، وجعل كثيراً من الفضائل الخلقية ، والأعمال الجليلة لا تتحقق
إلا عن طريق العمل الجماعي ، وجعل الفردية والانعزالية سبباً لكثير من الرذائل
الخلقية والأعمال الخسيسة ، أما حينما يفسد المجتمع ، وتنهار فيه القيم ، وتداس
فيه المبادئ بأقدام المصالح عندئذ يأمر الإسلام بجفوة هذا المجتمع واعتزاله
هذه أيها
الإخوة ، بعض الأسس الاجتماعية من خلال مبادئ الإسلام وتشريعاته ، والآن إلى
النصوص القرآنية والنبوية التي تؤكد تلك المنطلقات .
روى الترمذي
بسنده عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((عليكم بالجماعة
وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد ، ومن أراد بحبوحة
الجنة فليلزم الجماعة)) ، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ، وقد وصف النبي صلى
الله عليه وسلم المؤمن بأنه مَألف ( أي أنه
يألف ويؤلف ) فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :((المؤمن مألف ولا خير في من لا يألف ولا
يؤلف)) .
وتعميقاً
لوحدة جماعة المؤمنين شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالبنيان يشد بعضه
بعضاً ، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال :((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، وشبك بين أصابعه الشريفة))
.
وزاد النبي صلى الله عليه وسلم في تعميق
معنى وحدة المؤمنين حينما بين أن كتلتهم الواحدة المتماسكة وبناءهم المتشابك بناء
تسري فيه روح واحدة ، وحس مشترك ، فهم كالجسد الواحد تتعاون جميع أعضائه تعاوناً
تاماً ، روى مسلم عن النعمان بن البشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : ((المؤمنون كرجل واحد ، إذا اشتكى عينَه اشتكى كلُه وإن اشتكى رأسَه
اشتكى كلُه)) ، وقال أيضاً : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) .
إخوة
الإيمان في كل مكان ، أما القرآن الكريم فقد أشار إلى ما ينبغي أن يكون عليه
المؤمن من انتماء عميق إلى مجموع المؤمنين ، ومن سمو المشاعر الجماعية عنده ، ومن
إيجابية مواقفه الغيرية ، قال تعالى :

[سورة البقرة]
قال تعالى :
[لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ] ، ولم يقل : ولا تأكلوا أموال إخوانكم ،
وكأن الآية تقول أيها المؤمن مال أخيك هو في الحقيقة مالك من زاوية أن قوة أخيك
المالية قوة لك ، وفي أكل ماله إضعاف للمجموع وإضعاف لك ، ومال أخيك هو في الحقيقة
مالك من زاوية ثانية من زاوية وجوب المحافظة عليه فلأن تمتنع عن أكله بالباطل من
باب أولى ، ومال الفرد المسلم هو مال للجماعة ، فينبغي أن ينفق وفق المنهج الإلهي
الذي يوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ، فلو أنفق المال إسرافاً ، وتبذيراً
أضر بالجماعة ، لذلك يأمر الإسلام أن يحجر على تصرفات السفيه ، وأن تكف يده عن
ماله ، قال تعلى :

[سورة النساء]
ومثل هذا
قوله تعلى :

[سورة الحجرات 11]
ومعلوم في
البديهة أن الإنسان لا يلمز نفسه ، وإنما يلمز غيره أي يحقره ، ولكن لما كان
المعنى الجماعي سارياً في كل الأفراد كان من يلمز أخاه كأنما يلمز نفسه ، لأن له
نصيباً من مضرة ما فعل ، بوصفه جزءاً من الجماعة التي آذى بعض أفرادها ، فسرى
الإيذاء إلى الجماعة كلها .
أيها الإخوة
الكرام حضوراً ومستمعين ، وترسيخاً لروح الجماعة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن
يجتمع المسلمون على الطعام ليبارك لهم فيه ، قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم : إنما نأكل ولا نشبع ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((فلعلكم تفترقون ،
قالوا نعم ، قال : فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه))
، وحينما يعتذر بعض الانعزاليين بأنهم يريدون أن يسلموا من أذى الناس بسبب
مخالطتهم ، لذلك هم يؤثرون الابتعاد عن المجتمع ، يأتيهم البيان النبوي يؤكد لهم
أن المسلم الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ، ولا يصبر
على أذاهم ، حتى إن بعض العبادات في
الإسلام لا تؤدى إلا بشكل جماعي ، كعبادة الحج وكصلاة الجمعة ، وكصلاة العيدين ،
وكصلاة الجنازة ، بل إن الإسلام حرص على أن تؤدى الصلوات الخمس جماعةً في المساجد
، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : ((من صلى الفجر في جماعة فهو في
ذمة الله)) ، وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ - أي الفرد - بسبع
وعشرين درجة)) ، ولعل من أبلغ ما قيل في تعميق روح الجماعة بين المؤمنين قول
النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنه قال :
((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) .
أيها الإخوة
المستمعون ، أيتها الأخوات المستمعات ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن
الدافع الاجتماعي الذي غذاه الإسلام ، وسمى به ينبغي أن تضبطه ضوابط ، وأن تنتظمه
أوامر ، وأن تحصنه أخلاقه ، وأن تحكمه قيم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا
تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه
ولا يحقره ، التقوى هاهنا وأشار إلى صدره الشريف ثلاث مرات ، بحسب مريء من الشر أن
يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) .
[رواه الإمام مسلم في
صحيحه]
وقال الإمام
النووي عن هذا الحديث ما أعظم نفعه وما أكثر فوائده ، وقال عنه ابن حجر الهيثمي :
هذا الحديث حوى أكثر أحكام الإسلام منطوقة ومفهومة ، وحوى أكثر الآداب إيماءً
وتحقيقاً ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن الحسد الذي يرجع إلى ضعف الإيمان
بحكمة الله وعدالته ، وتمني زوال النعمة عن الآخرين ، وهذا التمني مناقض للأخوة
الإيمانية ، فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ونهى النبي صلى الله عليه
وسلم عن النجش ، وهو شراء صوري بسعر مرتفع بقصد الإضرار بالمشتري الحقيقي ، وتحقيق
ربح غير مشروع ، وهو بالمعنى الموسع مطلق الخديعة والمكر ، قال تعالى :

وفي الحديث
الشريف : ((المكر والخداع في النار)) ، وفي الحديث الآخر : ((ملعون من
ضار مسلماً أو مكر به)) ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التباغض بسبب
الأهواء والمصالح ، وحقيقة النهي عن التباغض هو نهي عن أسباب التباغض ، فكل موقف ،
أو تصرف ، أو كلام من شأنه أن يجرح أخاك ، فيبغضك محرم في دين الله ، والتباغض
أيها الإخوة يتناقض مع الألفة والمحبة ، التي هي من خصائص المؤمنين ، قال تعالى في
سورة آل عمران :

ونهى النبي
صلى الله عليه وسلم عن التدابر والهجران ، ففي صحيح البخاري : ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق
ثلاث ، ومن هجر أخاه ستة أيام فهو كسفك دمه)) .
وبعد أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
أسباب العداوة والبغضاء أمر بكل ما من شأنه أن يمكن المحبة والألفة والتآخي بين
المؤمنون فقال عليه الصلاة والسلام : ((وكونوا عباد الله إخوانا)) ، فأنتم
عباد الله ، ومن شأن العبد أن يطيع الله ربه فيما أمر ، وفيما نهى ، والله يريدكم
أن تكونوا إخواناً .
في حديث آخر
يبين النبي صلى الله عليه وسلم حقوق المسلم على المسلم ، ولا شك في أن أداء هذه
الحقوق تورث المحبة والألفة والأخوة ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( حق المسلم على المسلم خمس ، رد
السلام وعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس ، وفي رواية لمسلم ، وإذا
استنصَحَك فانصحْه)) ، من حقه عليك .
ثم إن الني
صلى الله عليه وسلم ، نهى عن كل ما من شأنه أن يسبب تنافر القلوب واختلافها ، فقد
حرم النبي عليه الصلاة والسلام أشد التحريم ظلم المسلم ، فلا يدخل عليه ضرراً في
نفسه ، أو دينه ، أو عرضه ، أو ماله ، وحرم النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحريم
خذلان المسلم في دنياه ، كأن يقدر الرجل على نصرة أخٍ مظلوم ، وكف يد ظالمه ، ثم
لا يفعل ، وكأن يقدر المسلم على نصرة أخيه في آخرته كأن يقدر على نصحه ، وكفه عن
غيه فلا يفعل ، روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
: ((من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس
الخلائق يوم القيامة)) .
وحرم النبي
صلى الله عليه وسلم أشد التحريم أن يُكذب المسلم ، أو يُكذَب عليه ، فقد قال عليه
الصلاة والسلام : ((كبرت خيانةً أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت به كاذب))
، وحرم النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحريم تحقير المسلم ، لأن الله لما خلقه
كرمه ورفعه وكلفه ، واحتقار المسلم تطاول على مقام الربوبية ، لذلك قال عليه
الصلاة والسلام : ((بحسب مريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) ، والاحتقار
ناشئ عن الكبر ، لما رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :((الكبر بطر
الحق - أي رده - وغمص الناس)) ، أي احتقارهم ، وفي صحيح مسلم : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))
.
وتعليل ذلك
أن الكبر يتناقض مع العبودية لله ، فكما أن قطرة من النفط واحدة تفسد قربة من
العسل ، كذلك ذرة من الكبر تفسد العبادة كلها
ويبين النبي
صلى الله عليه وسلم أن للمسلم حرمة في دمه وحرمةً في ماله وحرمةً في عرضه ، وهذه
الحرمات الثلاث يقوم عليها المجتمـــــع المسلم الآمن ، وحفاظاً على الدم من أن
يسيل ، وعلى المال من أن يسرق ، وعلى العرض من أن ينتهك شرع القصاص في الإسلام ،
وأعلنت الحدود ، قال تعالى :

[سورة البقرة]
بل إن ترويع
المسلم ، محرم في الإسلام ، قال عليه الصلاة والسلام : ((لا يحل لمسلم أن يروع
مسلماً)) .
أيها الإخوة
المسلمين ، أيتها الأخوات المسلمات ، بعد أن تحدثت عن المنطلقات النظرية للجانب
الاجتماعي في شخصية المسلم ، وبعد أن تحدثت عن النصوص القرآنية والنبوية التي تعد
أصلاً في الروح الجماعية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون ، ننتقل الآن إلى
الوقائع ، فهذه قصة جرت وقائعها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ممكن أن نستشف
منها روح التعاون والإخلاص ، وروح التناصح بين المؤمنين .
غلام صغير
اسمه عمير بن سعد الأنصاري تجرع كأس اليتم والفاقة منذ نعومة أظفاره ، وتزوجت أمه
من ثري من أثرياء الأوس يدعى الجلاس بن سويد ، أحب عمير عمه الجلاس حب الابن لأبيه
، وأولع الجلاس بعمير ولع الوالد لولده ، وكان عمير لا يتخلف عن صلاة خلف رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وفي السنة التاسعة للهجرة أعلن النبي صلى الله عليه
وسلم عن عزمه على غزو الروم في تبوك ، وأمر المسلمين أن يستعدوا ، ورأى عمير كيف
أن المسلمون يبذلون كل ما في وسعهم لتجهيز هذا الجيش الغازي ، فهذا عثمان بن عفان
رضي الله عنه يأتي بألف دينار ذهباً ، ويضعها بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام ،
وهذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يحمل مائتي أوقية من الذهب ، ويضعها بين يدي
النبي عليه الصلاة والسلام ، وهؤلاء نساء المهاجرين والأنصار ينزعن حليهن ليقدمنه
لرسول لله صلى الله عليه وسلم ، وهذا رجل يعرض فراشه للبيع ليشتري بثمنه سيفاً
يقاتل به ، وهؤلاء النفر الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يضمهم إلى الجيش
فردهم لأنه لم يجد ما يحملهم عليه فتولوا ، وأعينهم تفيض من الدمع حزناً .
وعجب عمير
الفتى الأنصاري من تباطأ عمه الجلاس ، عن البذل لهذا الجيش ، وعرض عليه هذه الصور
المشرقة من بذل الصحابة الأغنياء والفقراء على حد سواء ، فما كان من الجلاس إلا أن
قال : يا عمير إن كان محمد صادق فيما يدعيه من النبوة فنحن شر من الحمر شده عمير
مما سمع ، ورأى أن في السكوت على الجلاس والتستر عليه خيانة لله ورسوله ، وإن في
إذاعة ما سمعه عقوقاً بالرجل ، فقال للجلاس عمه : والله يا عم ما كان على ظهر
الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله أحب إلي منك ، ولقد قلت مقالة إن ذكرتها فضحتك ،
وإن أخفيتها خنت أمانتي ، وأهلكت نفسي ، وقد عزمت على أن أمضي إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وأخبره بما قلت قبل أن ينزل وحي يشركني في إثمك ، فكن على بينة
من أمرك ، ومضى الفتى عمير إلى المسجد ، وأخبر النبي بما سمع ، واستدعى النبي صلى
الله عليه وسلم الجلاس ، وسأله عن مقالته لعمير فقال : كذب علي يا رسول الله ،
وافترى ، فما تفوهت بشيء من ذلك ، فقال بعض الحاضرين فتىً عاقّ أبى إلا أن يسيء
لمن أحسن إليه ، وقال آخرون : بل إنه غلام نشأ في طاعة الله ، والتفت النبي عليه
الصلاة والسلام إلى عمير فرأى وجهه قد احتقن بالدم ، والدموع تنحدر من عينيه ، وهو
يقول : اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به ، فانبرى الجلاس ، وقال : يا رسول
الله إني أحلف بالله ما قلت شيئاً مما نقله إليك عمير ، ثم غشيت رسولَ الله صلى
الله عليه وسلم السكينة ، فعرف أصحابه أنه الوحي ، فلزموا أماكنهم حتى سري عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سُرِّي عنه تلا قوله عز وجل :
ارتعد الجلاس من هول ما سمع ثم التفت إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : بل أتوب يا رسول الله ، صدق عمير ، وكنت من
الكاذبين ، اسأل الله أن يقبل توبتي جُعلت فداك يا رسول الله ، ثم توجه النبي
الكريم إلى عمير بن سعد فإذا دموع الفرح تبلل وجهه المشرق ، فمد يده الشريفة إلى
أذنه فأمسكها برفق وقال : وفّت أذنك يا غلام ما سمعت ، وصدقك ربك ، وعاد الجلاس
إلى حظيرة الإسلام ، والشيء الغريب أن الصحابة عرفوا صلاح حاله مما كان يغدقه على
عمير من بر ، فقد كان يقول : كلما ذكر عمير جزاه الله عني خيراً لقد أنقذني من
الكفر ، وأعتق رقبتي من النار .
أرأيتم أيها الإخوة إلى التعاون والإخلاص
للمبدأ والتناصح .
أيها الإخوة
المؤمنون ، الأمر التكويني فعل الله ، والأمر التكليفي أمر الله ونهيه ، لقد خلق
الله الإنسان في أحسن تقويم وكرمه أعظم تكريم بأمر تكويني ، وكلفه أن يبني مجتمعاً
فاضلاً أساسه التعاون والتنظيم والعمل المنتج وتحكمه القيم ، قيم العدل والرحمة
والإحسان بأمر تكليفي ، خلقه بأمر تكويني وأمره أن يبني هذا المجتمع الفاضل بأمر
تكليفي ، فإذا ظهر الخلل والفساد في المجتمع البشري فسببه الخروج عن الأمر
التكليفي ، وشاءت حكمة الله أن يخلق مجتمعاً قائماً على أعلى مستويات التعاون ،
والتكامل ، والاختصاص ، والعمل الدؤوب المنتج ، والتنظيم المعجز بأمر تكويني ، لا
تكليفي ، لذلك لا يمكن أن تجد في هذا المجتمع خلالاً ولا فساداً ، كمال مطلق لان
أمره هنا تكويني لا تكليفي ، هذا ما نجده في مجتمع النحل فخلية النحل مجتمع موحد
متكامل على رأسه ملكة واحدة لا تنازعها أخرى ، تشعر كل نحلة في الخلية بوجود
الملكة عن طريق مادة تفرزها الملكة ، وتنقلها العاملات إلى كل أفراد الخلية ، فإذا
ماتت الملكة اضطرب النظام في الخلية وعمت الفوضى ، وشلت الأعمال ، والملكة تبضع كل
يوم في فصل الربيع قريباً من ألفي بيضة ما بين ذكور ، وإناث ، وملكات ، وتضع
الملكة كل جنس في مكان مخصص ليتلقى غذاءً خاصاً ، وعناية خاصة بحسب جنسه ، ولإناث
النحل أعمال متنوعة كثيرة توزع فيما بينها بحسب أعمارها ، واستعدادها الجسماني ،
وعند الضرورة ، وعند الخطر ، وفي المواسم الجيدة تعمل كل نحلة أيّ عمل يفرض عليها
، هناك وصيفات للمكلة يقمن على خدمتها ، وجلب الطعام الملكي لها ، وهناك حاضنات ،
ومربيات يقمن برعاية الصغار ، وجلب الغذاء المناسب ، وهناك شغالات يحضرن الماء إلى
الخلية ، وهناك شغالات يقمن بتهوية الخلية صيفاً ، وتدفئتها شتاءً ، وترطيبها في
وقت الجفاف ، وهناك شغالات يقمن بتنظيف الخلية ، وجعل جدرانها ملساء ناعمة لامعة
عن طريق مواد خاصة ، وهناك حارسات يقمن بحراسة الخلية من الأعداء ، ولا يسمحن
لنحلة أن تدخل الخلية ما لم تذكر كلمة السر ، وإلا تقتل ، وكلمة السر تبدل عند
الضرورة ، وهناك شغالات يقمن بصنع أقراص الشمع ذات الشكل السداسي الذي تنعدم فيه
الفراغات البينية بتصميم معجز ، وبأسلوب يعجز عن تقليده كبار المهندسين ، وهناك
رائدات يقمن بمهمة باستكشاف مواقع الأزهار ، فإذا عثرن عليه عدن إلى الخلية ،
ورقصن رقصة خاصة تحدد هذا الرقصة لبقية النحلات العاملات الموقع من حيث المسافة ،
ومن حيث الاتجاه ، ودرجة النشاط في الرقص تدل على وفرة الغذاء أو تناقصه ،
والجمهرة الكبيرة من الشغالات تنطلق إلى مواقع الأزهار لجني رحيقها ، لأنه المادة
الأولية للعسل ، وقد تبتعد هذه المواقع عن الخلية أكثر من عشرة كيلو مترات ، وتعود
النحلات إلى الخلية بعد أخذ الرحيق بطريقة لا تزال مجهولة حتى اليوم ، والنحل أكفأ
الحشرات في جمع ، ونقل ، وتخزين أكبر قدر من رحيق الأزهار في أقصر وقت ، وفي أقل
مجهود ، وهي أكفأ الحشرات على تلقيح النباتات لتساعدها على إنتاج البذور والثمار ،
وتخرج النحلات إلى مكان واحد محدد مسبقاً لتجني رحيق أزهار نوع واحد محدد مسبقاً ،
والذي يلفت النظر أن أمراض النحل كلها لا تنتقل إلى الإنسان عن طريق العسل ،
ويتمتع النحل بقدرة يصعب تفسيرها على الإحساس بالزمن فيعرف متى تفرز أزهار كل نوع
من النبات رحيقها ، ومتى تنثر حبوب لقاحها ، ثم يداوم على زيارة كل منها في الموعد
المناسب فقط ، وجني الرحيق الذي يكفي لصنع كيلو واحد من العسل يحتاج إلى طيران
أربعمائة آلف كيلو متر ، أي ما يعادل عشرة أضعاف محيط الأرض ، وقيمة العسل
العلاجية أضعاف قيمته الغذائية ففوائده العلاجية في مختلف أجهزة الجسم وأعضائه
ونسجه ثابتة ، بل تفوق الحد المعقول ، كيف لا وقد قال الله عز وجل :

[سورة النحل]
لماذا خوطِب النحل في القرآن الكريم بضمير
المؤنث ، حيث قال تعالى :

[سورة النحل]
بينما خوطب
النمل في القرآن الكريم بضمير المذكر ، حيث قال تعالى :

[سورة النمل]
الإجابة عن
هذا السؤال تدخل في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .
الدعاء :
اللهم أغننا
بالافتقار إليك ، ولا تفقرنا بالاستغناء عنك ، ارزقنا تمام الصحة ، ودوام الخدمة ،
وحفظ الحرمة ، ولزوم المراقبة ، وأنس الطاعة ، وحلاوة المناجاة، ولذة المغفرة ،
وصدق الجنان ، وحقيقة التوكل ، وصفاء الود ، ووفاء العهد ، وانعقاد الوصل ، وتجنُب
الزلل ، وبلوغ الأمل ، وحسن الخاتمة بصالح العمل ألبسنا جلباب الورع ، وأعذنا يا
ربنا من البدع .
اللهم أعل
كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين .
اللهم من
أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ
عزيز مقتدر .
اللهم وفق
ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى .
اللهم ألف
بينهم ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى .
اللهم وفق
السيد رئيس الجمهورية حافظ الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير
يا رب العالمين ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين
.
***