الخطبة الإذاعية "41"  بتاريخ 02/ 08/ 1996  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  رحمة النبي .

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، يا رب أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله كان الرحمة المهداة ، والنعمة المجزاة ، نشهد أنه بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد .

اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله ، وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض عنا ، وعنهم يا رب العالمين .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، قبل أيام أطلت علينا ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحسن بنا وقد جعلت ذكرى مولده موضوعاً لهذه الخطبة أن نضع بين أيدي إخوتنا الكرام الحقائق التالية :

أولاً : معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية فرض على كل مسلم ، القولية والعملية فرض عين على كلم مسلم ، لأن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وقد أمرنا ربنا جل جلاله أن نأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ، وأن نأتمر به ، وأن نأخذ نهيه ، وأن ننتهي عنه ، وأن يكون صلى الله عليه وسلم لنا أسوةً وقدوةً ، أي أمرنا أن نتبعه ، وأن نقتدي به ،  قال تعالى :

[سورة الحشر]

كيف نأتمر بما أمر ، وننتهي عما نهى عنه وزجر ؟ وكيف يكون لنا قدوةً وأسوة إن لم نعرف أحاديثه الشريفة الصحيحة ، وسيرته الطاهرة الموثقة ؟ فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، هذه الحقيقة الأولى .

والحقيقة الثانية : أن الله سبحانه وتعالى ما أمرنا أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن نقتدي به إلا لأنه معصوم في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، وأحواله ، معصوم بمفرده ، بينما أمته المتبعة له معصومة بمجموعها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا تجتمع أمتي على ضلاله)) . 

 [ رواه الترمذي ج4/2166، والحاكم ج1/ص116 ، وحسنه الغماري كما في تخريج أحاديث اللمع ]

 فهو صلى الله عليه وسلم فيما يصفه به القرآن الكريم لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، لذلك عد علماء الأصول القرآن وحياً مَتلواً ، وعدُّوا أقواله صلى الله عليه وسلم التشريعية وحياً غير متلوٍ ، وهو الأصل الثاني بعد القرآن الكريم .

الحقيقة الثالثة : الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة إلى الله ، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله ، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين إرضاء الله ، وإليكم الأدلة من القرآن الكريم ، قال تعالى :

 

[سورة القصص]

[سورة النساء 80]

[سورة التوبة]

بضمير المفرد ...

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام .

الحقيقة الرابعة : الله جل جلاله لا يقبل دعوى محبته إلا بالدليل ، فكل امرئ يستطيع أن يدعي محبة الله ، لكن ما كل مدعٍ بمستطيع أن يقدم الدليل ، لقد جعل الله جل جلاله دليل محبته اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :

[سورة آل عمران]

الحقيقة الخامسة : قال تعالى :

[سورة هود]

إذا كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه في المرتبة ، فكيف بمؤمن يستمع إلى قصة سيد الخلق ، وحبيب الحق ، إن قصته صلى الله عليه وسلم تنور العقول ، وتطمئن القلوب ، وتسعد النفوس ، وتبعث في الإنسان روح البطولة ، لأنه أكمل خلق الله أجمعين .

وأجمل منك لم تر قط عيني       وأكمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأ من كل عيــب       كأنك قد خلقت كما تشاء

الحقيقة السادسة : نخلص من هذا كله أن معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة سنته القولية الصحيحة ، ومعرفة سيرته العملية الموثقة فرض عين على كلم مسلم ، وهي من صلب الدين ، لا في شهر المولد فحسب ، بل في كل أعوام الحياة .

[سورة المؤمنون]

أيها الإخوة الكرام : هذه مقدمة والى الموضوع الأساسي :

في تاريخ البشرية كلها بروادها ، بصفوتها ، بقادتها لا نكاد نعرف حياةً نقلت إلينا أنباؤها ، وحفظت لنا وقائعها في وضوح كامل ، وتفصيل عميم شامل كما حفظت ، وكما نقلت إلينا حياة محمد بن عبد الله ، رسول الله رب العالمين ، ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين ، فكل كلمة قالها ، وكل خطوة خطاها ، وكل بسمة تألقت على محيّاه ، وكل دمعة تحدرت من مآقيه ، وكل نفس تردد في صدره ، وكل مسعىً سار لتحقيق أمره ، كل مشاهد حياته حتى ما كان منها من خاصة أمره ، وأسرار بيته ، وأهله ، كل ذلك نقل إلينا بحروف كبار ، موثقاً بأصدق ما عرف التاريخ الإنساني من وسائل وبينات ، لقد رحل النبي صلى الله عليه وسلم عن دنيانا من قرابة ألف وأربعمائة عام وزيادة ، ومع هذا فنحن إذ نقرأ سيرته وتاريخه اليوم لا نحس أننا نقرأ عنه ، بل كأننا نسمعه ، ونراه ، ونعيش المشاهد نفسها التي نطالعها مكتوبة ومسطورة ، ولا عجب في هذا فمادام الله قد اختاره ليختم به النبوة والأنبياء ، فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً جليلاً لأجيال لا منتهى لأعدادها ، وأن تكون هذه الحياة بكل تفاصيلها أشد وضوحاً ، وتألقاً من فلق الصبح ورابعة النهار ، لا بالنسبة إلى عصره ، فحسب بل بالنسبة إلى كل العصور والأجيال . 

أيها الإخوة الكرام ، حياة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ، وجوانب شخصيته ، ونتائج دعوته لا تستوعبها المجلدات ، ولا خطب في سنوات ، فالرحمة مهجته ، والعدل شريعته ، والحب فطرته ، والسمو حرفته ، ومشكلات الناس عبادته ، وحسبنا في هذه الخطبة أن نقف عند الفقرة الأولى من هذه المقولة ، رحمته صلى الله عليه وسلم ، هذا هو الموضوع المحدد لهذه الخطبة .

لقد قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه : ((إنما أنا رحمة مهداة)) ، لكنها رحمة الأقوياء الباذلين ، لا رحمة الضعفاء البائسين ، لقد حدث عنها حديث خبير بقيمها محيط بجوانبها فقال عليه الصلاة والسلام :((الراحمون يرحمهم الله)) ، وحدَّثَ عن ربه فقال : ((يا عبادي إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي)) .

لقد أعلن النبي الكريم أن الرحمة عنده خير من الإفراط في العبادة وأزكى ، لقد خرج صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكة في رمضان حتى بلغ موضعاً يدعى كراع الغنيم ، فصام وصام الناس ، ولما رأى صلى الله عليه وسلم بعض الناس قد شق عليهم الصيام بسبب جهد السفر ، دعا بقدح من ماء ، فرفعه حتى نظر الناس جميعاً إليه ، ثم شرب ، ولما قيل له : إن بعض الناس لا يزال صائماً ، قال عليه الصلاة والسلام : ((أولئك العصاة)) .

[رواه مسلم رقم1114 ، والترمذي 760 عن جابر بن عبد الله]

إن مشقة السفر عذر مبيح للإفطار في رمضان ، إن الرفق بالنفس يفوق في ميزان النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء ، هؤلاء الذين صاموا في السفر حتى أدركهم العياء ، فلم يتخلوا عن صيامهم يدمغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعصيان ، لأنهم رفضوا رخصة أرحم الراحمين ، إنهم حولوا العبادة إلى تعذيب ، إنهم تخلوا عن أعظم فضائل الإنسان ، ألا وهي الرحمة ، ولا سيما الرحمة بالنفس ، واستبقاء عافيتها وقوتها ، لأنها رأس مالها .

أيها الإخوة الكرام ، لا شيء يكشف عن قيمة الرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأن توضع الرحمة ، والعبادة في كفتي ميزان ، عندئذ ترجح كفة الرحمة أيّما رجحان .

رجل يسرع الخطى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يغشاه الفرح الكبير ، تغمره الفرحة العارمة ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة معه ، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته ، يقول له النبي الكريم :((هل من والديك أحد حي ؟ قال الرجل : نعم كلاهما حي ، فقال عليه الصلاة والسلام : فارجع إلى والديك وأحسن صحبتهما)) .

[متفق عليه ، البخاري ج6/97/98 ومسلم 2549]

ويسأله رجل آخر يا رسول الله إني أشتهي الجهاد معك ، ولا أقدر عليه ، فيقول عليه الصلاة والسلام : ((هل بقي من والديك أحد فيقول الرجل نعم يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام " قابل الله في برهما فإن فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد)) .

[رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجميه الأوسط والصغير عن أنس ورجالهما رجال الصحيح غير ميمون بن نجيع وثقه ابن حبان مجمع الزوائد ج8/ص138]

إن بسمة تعلو شفتي أبٍ حنون ، وتكسو وجه أمٍ ملهفة لا تقّدر عند محمد صلى الله عليه وسلم بثمن ، حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله يثبت الدعوة ، وينشر الراية في الآفاق ، وإذا كانت العبادة تتحول إلى تعذيب حينما تكون على حساب الرحمة بالنفس فإنها ، إي العبادة تتحول إلى عقوق إذا تمت على حساب الرحمة بالوالدين ، هذا عن رحمته بالنفس ، وعن رحمته بالوالدين ، فماذا عن رحمته بالأهل والزوجة .

أما رحمته بالأهل فشيء عجيب ، لقد ربط صلى الله عليه وسلم الخيرية المطلقة برحمة المرء بأهله ، وإحسانه إليهم ، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : ((خيركم خَيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)) .

[أخرجه الترمذي رقم1162]

وقال عليه الصلاة والسلام : ((استوصوا بالنساء خيراً)) .

[متفق عليه ، مسلم1468]

وقال عليه الصلاة والسلام : ((اتقوا الله في الضعيفين المرأة واليتيم)) . 

[أخرجه ابن عساكر عن ابن عمر]

وقال عليه الصلاة والسلام : ((أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ، وفي زيادة لهذا الحديث ، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون كريماً غالباً)) ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ((خيركمْ خيركم للنساء)) ، وتتجلى رحمته صلى الله عليه وسلم بالأزواج من خلال هذه القصة القصيرة ، عن أبي قلادة رضي الله عنه قال حدثنا مالك ، قال أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً بنا رفيقاً ، فلما ظن أنا قد اشتقنا لأهلنا ، سألنا عمن تركنا بعدنا ، فأخبرناه ، فقال : ارجعوا إلى أهليكم ، فأقيموا فيهم ، وعلموهم ، ومروهم ، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها ، وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " .

[متفق عليه ، البخاري خ2/ص93، مسلم رقم 674]

وتتجلى رحمته بالزوجات من خلال زوجة الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه إذ دخلت على السيدة عائشة تشكو بثها وحزنها ، فعثمان زوجها مشغول عنها بالعبادة ، يقوم الليل ، ويصوم النهار ، لقي النبي عليه الصلاة والسلام عثمان بن مظعون فقال له : ((يا عثمان أما لك بي أسوة ؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وماذا قل عليه الصلاة والسلام تصوم النهار وتقوم الليل ، قال إني لأفعل هذا ، فقال عليه الصلاة والسلام لا تفعل ، إن لجسدك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً)) ، وامتثل عثمان نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزم أمره ، وقرر أن يؤدي حق أهله ، وفي صبيحة اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم عطرة نضرة كأنها عروس ، واجتمع حولها النسوة ، وأخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء وزينة ، قلن لها : ما هذا يا زوج بن مظعون ، فقالت وهي تضحك : أصابنا ما أصاب الناس .

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وعد المرأة التي تحسن تبعُّل زوجها بأن لها درجة عند الله تعدل درجة المجاهد في سبيل الله ، والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام .

قال صلى الله عليه وسلم مجيباً عن سؤال لها : ((اعلمي أيتها المرأة أن وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله)) .

هذا عن رحمته بالأهل والزوجة فماذا عن رحمته بالأولاد ، كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى طفلاً يظهر له البشر والسرور إيناساً له ، كان يأخذ أطفال أصحابه بين يديه يحملهم ويداعبهم ، كان إذا مر بصبية يقرئهم السلام ، يقول السلام عليكم أيها الصبية .

حدث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبية يتسابقون فجرى معهم تطييباً لهم ، وكان يلقى الصبي وهو يركب ناقته ، فيدعوه إلى ركوب الناقة ليدخل السرور على قلبه .

قالت عائشة رضي الله عنها : ((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتقبلون الصبيان ، نحن لا نقبلهم ، فقال عليه الصلاة والسلام وماذا أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة)) .

[أخرجه البخاري ج 10/ ص359 ومسلم رقم2319]

مات لإحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم طفل صغير ، فلما رفع إليه فاضت عيناه ، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله ما هذا فقال عليه الصلاة والسلام : ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)).

[أخرجه البخاري ج3/ ص140 ومسلم 2315]

ورد عنه أنه أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا مرآة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت من هذه يا جبريل ، قال هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً صغاراً فأبت الزواج من أجلهم " ، هذا المقام الرفيع الذي حظيت به هذه المرأة بسبب رحمتها بصغارها ، فكم هي رحمته بالصغار .

وورد عنه أيضاً : ((أن لاعب ولدك سبعاً وأدبه سبعاً وراقبه سبعاً ثم اترك حبله على غاربه)) .

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، هذا عن رحمته بالأولاد فماذا عن رحمته بالصغار عامةً ، يقول بن سويد " رأيت أبا ذر رضي الله عنه وعليه حلة وعلى غلامه مثلها  فسألته عن ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم من العمل مالا يطيقون ، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه)) .

[رواه البخاري ج1/ص80 ومسلم رقم 1661وأبو داود 5157/5158]

. أرأيتم إلى رحمته بالصغار عامة إذا كانوا مستخدمين في مكان ما ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بصحابي يضرب غلاماً له ، فقال له : ((اعلم أبا ذر أن الله أقدر عليك منك عليه))، وكأنه بهذا ينهاه عن ضربه .

وقد سأله رجل يا رسول الله عندي يتيم أفأضربه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : مم تضرب منه ولدك " ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي عن المرء انتماءه للإسلام إن لم يرحم الصغير ، قال عليه الصلاة والسلام : ((ليس منا من لم يجل كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه)) .

وعن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إني لأقوم إلى الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)) .

[رواه البخاري ج2/ص169]

هكذا كانت رحمته صلى الله عليه وسلم ، فماذا عن رحمته بالجيران ، من رحمته صلى الله عليه وسلم أنه حرص على أن يشيع الأمن والاستقرار بين المؤمنين ، فالإساءات قلما تقع بين أناس متباعدين ، إنها تقع نتيجة الاحتكاك اليومي ، ومن يحتك مع أخيه يومياً ، إنهم الجيران ، لذلك يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجار : ((مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِّثُهُ )) .

[متفق عليه من حديث ابن عمر وعائشة ، البخاري ج10/ص369 ومسلم2624/2625]

يشدد النبي عليه الصلاة والسلام في وصيته تلك لئلا يطغى الجار القوي على الجار الضعيف ، فكان عليه الصلاة والسلام ينفي الإيمان نفياً أكيداً عن كل جار يخافه جاره ، ولا يأمن شروره ، قال عليه الصلاة والسلام : ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، كررها ثلاثاً ، : قيل من هو يا رسول الله ، قال من لا يأمن جاره بوائقه)) .

[متفق عليه من حديث أبي هريرة ، البخاري ج10/ص370 مسلم 46]

قيل له يوماً يا رسول الله ، إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ، فماذا كان جواب النبي"  قال هي في النار " ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام ليشير إلى حقوق الجار مطلق الجار فكيف بالجار المسلم ، فكيف بالجار المسلم القريب فكيف بالجار المسلم القريب الأدنى ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يروى عنه : ((أتدرون ما حق الجار إن استعان بك أعنته وإن استنصرك نصرته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن مرض عدته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن أصابته مصيبة عزيته ، وإن مات شيعته ، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، ولا تؤذه بقُتار قدرك إلا أن تغرف له منها)) ، هذه رحمته بالجيران فكيف رحمته بالناس عامة .

الرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الذكرى ليست نافلة من نوافل البر ، بل هي واجب من واجبات الرشد ، وتبعة من تبعات الحياة ، لهذا تعبر عن نفسها في كثير من صور الخير والمشاركة والأعمال النافعة ، يقول أبو ذر رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار قال عليه الصلاة والسلام الإيمان بالله ، فقال أبو ذر يا نبي الله أمع الإيمان عمل ، فقال عليه الصلاة والسلام أن تعطي مما رزقك الله ، قلت يا نبي الله فإن كان فقيراً لا يجد ما يعطي ، قال عليه الصلاة والسلام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، قال فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ، ولا يستطيع أن ينهى عن المنكر ، فقال عليه الصلاة والسلام فليعن الأخرق ( أي ضعيف الرأي )  قلت يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع ، قال فليعن مظلوماً ، قلت فإن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوما  فتعجب النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال أما تريد أن تترك لصاحبك من خير ليمسك أذاه عن الناس ، قلت يا رسول الله أو إن فعل هذا يدخل الجنة  قال ما من عبد يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة " .

بقي شيء قد لا يخطر ببالكم ، رحمته عليه الصلاة والسلام بالحيوان  هل وقفت رحمة محمد صلى الله عليه وسلم عند الإنسان وحده ، لا لقد شملت كل كائن حي لتدفع عنه الغوائل والشرور ، هذه المخلوقات الضعيفة يفيض قلب النبي صلى الله عليه وسلم الكبير رحمة بها ، يؤكد حقها في الحياة والرزق ، بل لعلها أحق من غيرها لأنها لا تملك أن تشكو أو أن تتوجع ، كان صلى الله عليه وسلم لا يطيق أن يرى دابة تحمل فوق طاقتها ، كان يقول : ((عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت  لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)).

[رواه البخاري ومسلم]

وفي رواية أخرى لهذا الحديث : ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها)) ، ومن فرط إحساس النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة الحيوان إلى الرحمة كان كأنه يستمع إلى شكوى الحيوان المعذب وكأنه نداء النجدة  يقول عبد الله بن جعفر ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل ، فما إن رأى النبي صلى الله عليه وسلم حتى حن إليه ، وذرفت عيناه ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفريه فسكن الجمل ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام : ((من صاحب هذا الجمل ؟ قال فتى من الأنصار : هو لي يا رسول الله ، قال له النبي الكريم : ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)) ، أي تتعبه .

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر كما في الكنز]

اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

الخطبة الثانية :

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، أما رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته من بعده فقد كان حريصاً على وحدتهم من بعده ، فكل ما من شأنه أن يوحد أمته من بعده ، وأن يجمع شملها ، وأن يرص صفوفها أمر به ، وكل ما من شأنه أن يفرقها ، أو أن يشتتها ، أو أن يضعفها نهى عنه ، ما من منهج دعا إلى الأخوة الحقيقية التي تتجسد في الاتحاد ، والتضامن ، والتساند ، والتآلف ، والتآزر ، والتعاون ، والتكاتف إلا منهج النبي عليه الصلاة والسلام ، لقد حذر من التفرق والاختلاف ، والعداوة ، والبغضاء ، والتشرذم ، هذا من صلب منهج النبي عليه الصلاة والسلام ، يتبدى ذلك من سنته القولية والعملية ، حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جاهلياً في المدينة المنورة غاظه ما رأى من ألفة المسلمين ، غاظه ما رأى من صلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء في الجاهلية ، أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج ، وأن يذكرهم بيوم بعاث ، يوم اقتتالهم ، وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوه فيه من أشعار ، فتفاخر القوم ، ثم تنازعوا ، ثم تواثب رجلان من الحيين وتقاولا ، فقال أحدهما : إن شئتم رددناها الآن جذعةً ، أي حامية ، وغضب الفريقان ، وكادت تقع فتنة ، بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم غاضباً فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال : ((يا معشر المسلمين ، الله ، الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ أبعد أن هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به ، ، وقطع به عنكم دعوى الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدو لهم)) ، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين .

لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخصومة بالكفر ، ثم إن الله جل جلاله أنزل بهذه الحادثة قرآناً فقال :

[سورة آل عمران]

ورد في أسباب النزول أن هذه الآيات نزلت في تلك الحادثة التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، صدق الله العظيم .

[سورة التوبة]

لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على وحدة أمته من بعده  فعن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) .

[رواه مسلم ]

وحينما نحتفل بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن نذكر حرصه صلى الله عليه وسلم على وحدتنا ، ورفعتنا بعده ، فما من مرحلة في تاريخ أمتنا المعاصر تشتد فيها الحاجة إلى رأب الصدع ، ولمِّ الشمل ، وتضميد الجراح ، ورصّ الصفوف كهذه المرحلة التي نحن فيها ، ولن نستطيع أن ننتزع حقنا وأرضنا إلا بالتعاون ، والتضامن ، والتساند ، والتكاتف ، والتآزر ، والتآلف ، وهذا ما يسعى إليه بلدنا الطيب ، وأما السلام الذي ندعى إليه فنحن حريصون عليه راغبون فيه على أن يكون سلاماً عدلاً تسترد قبله الأرض ، وتتوافر فيه الكرامة ، هذا بعد أن نستوعب مضمون الآية الكريمة وأن نعمل بها :

[سورة محمد]

الدعاء :

اللهم طهر قلوبنا من النفاق ، وأعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، نبرأ من الثقة إلا بك ، ومن الأمل إلا فيك ، ومن التسليم إلا لك ، ومن التفويض إلا إليك ، ومن التوكل إلا عليك ، ومن الطلب إلا منك ، ومن الرضا إلا عنك ، ومن الصبر إلا على بلائك .

نسألك خفايا لطفك ، وتوفيقك ، ومألوف برك ، وعوائد إحسانك وجميل سترك ، وروح قربك ، وجفوة عدوك .

اللهم احرسنا عند الغنى من البطر ، وعند الفقر من الضجر ، وعند الكفاية من الغفلة ، وعند الحاجة من الحسرة ، وعند الطلب من الخيبة وعند المنازلة من الطغيان .

إنه لا عز إلا في الذل لك ، ولا غنى إلا في الفقر إليك ولا أمناً إلا في الخوف منك .

اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين .

اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر .

اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى . اللهم ألف بينهم ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى . اللهم انصرهم على أعدائهم يا قوي يا متين ، والحمد لله رب العالمين .

 

 

***