الخطبة الإذاعية "43"
بتاريخ 18/ 07/ 1997 لفضيلة
الدكتور محمد راتب النابلسي
الموضوع
: الجانب الإنسان في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم : رحمته .
تفريغ
: الأستاذ هشام قدسي .
التدقيق :
السيد أحمد مالك .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله
رب العالمين ، يا رب ، يا كاشف الأسرار ، يا مسبل الأستار ، يا واهب الأعمار ، يا
منشئ الأخبار ، يا مولج الليل في النهار ، يا معافي الأخيار ، يا مداري الأشرار ،
يا منقذ الأبرار من العار والنار ، جد علينا بصفحك عن زلاتنا ، كن لنا ، وإن لم
نكن لأنفسنا ، لأنك أولى بنا متعنا بالنظر إلى نور وجهك ، لا تهجرنا بعد وصلك ، لا
تبعدنا بعد قربك ، لا تكربنا بعد روحك قد عادينا أعدائك فيك ، فلا تشمتهم بنا
لتقصيرنا في حقك ، ووالينا أصفياءك لك ، فلا توحشنا منهم لسهونا عن واجبك .
وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له .
سل الواحة الخضراء
والماء جاريــا وهذي الصحارى والجبال الرواسيا
سل الروض مزدانا سل
الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير
شاديـا
وسل هذه الأنسام
والأرض والسمــا وسل كل شيء تسمع حمد ساريــا
***
الشمس والبدر من
أنوار حكمـتــه و البر و البحر فيض
من عطاياه
الطير سبحه و الــزرع
قدســـه و الموج كبره
والحوت ناجــاه
والنمل تحت الصخور
الصم مجــده و النحل يهتف حمدا
في خلايـاه
رب السماء ورب الأرض
قد خضعت إنــس و جن وأملاك
لعليــاه
الناس يعصونه جهـراً
فيسترهــم العبد ينسى
وربي ليس ينســاه
وأشهد أن
سيدنا محمدا عبده ورسوله ، يا سيدي يا رسول الله
أدعوك عن قومي الضعاف
لأزمة
في مثلهـا يلقى عليك رجـاء
رقدوا وغرهم نعيم
باطــــل و نعيم قوم في القلوب
بــلاء
المصلحون أصابع جمعت
يــدا
هي أنت بل أنت اليـد البيضاء
أدَرى رسول الله بأن
نفوسهــم ركبت هواها و القيود
هــواء
يتفككون فما تضم
نفوهم ثقـــة ولا جمع القلوب صفــــاء
اللهم صل
وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته ، وقادة
ألويته ، وراض عنا ، وعنهم يا رب العالمين .
عباد الله
وأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
أيها الإخوة
المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، موضوع الخطبة اليوم الجانب الإنسان في شخصية
النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن رحمته
إلى عدله ، من محبته إلى سموه ، ومن سموه إلى حرصه .
إخوة
الإيمان في كل مكان ، إننا نرى في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الإنسان الحاني
الرحيم ، الذي لا تفلت من قلبه الذكي شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لباها رعاها
، وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد ، نرى فيه الإنسان الذي يكتب إلى ملوك
الأرض طالباً إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل ، ثم يصغي في حفاوة ورضىً إلى أعرابي
حافي القدمين يقول في جهالة : "اعدل يا محمد ، فليس المال مالك ، ولا مال
أبيك " ، نرى فيه العابد الأواب الذي يقف في صلاته ، يتلو سورةً طويلةً من
القرآن في انتشاء وغبطة لا يقايض عليها بملء الأرض تيجاناً وذهباً ، ثم لا يلبث أن
يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد فيضحي بغبطته الكبرى ، وحبوره
الجياش ، وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي ، وينادي أمه ببكائه .
نرى فيه
الإنسان الذي وقف أمامه جميع الذين شنوا عليه الحرب والبغضاء ، وقفوا أمامه صاغرين
، ومثلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة ، ومضغوا كبده في وحشية ضارية ، فيقول لهم ، وهو
قادر على أن يهلكهم : ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).
نرى فيه
الإنسان الذي يجمع الحطب لأصحابه في بعض أسفارهم ليستوقدوه ناراً تنضج لهم الطعام
، ويرفض أن يتميز عليهم .
نرى فيه
الإنسان الذي يرتجف حين يبصر دابةً تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق .
نرى فيه
الإنسان الذي يحلب شاته ، ويخيط ثوبه ، ويخصف نعله .
نرى فيه
الإنسان ، وهو في أعلى درجات قوته ، يقف بين الناس خطيباً فيقول : ((من كنت
جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه)) .
صلى الله
عليك يا سيدي يا رسول الله ، نشهد أنك أديت الأمانة ، وبلغت الرسالة ، ونصحت الأمة
، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد .
أيها الإخوة
الأكارم حضوراً ومستمعين ، من ومضات رحمته صلى الله عليه وسلم أنه قال عن نفسه : ((إنما أنا
رحمة مهداة ونعمة مجزاة)) ، وقد روى عن ربه في الحديث القدسي : ((إذا أردتم
رحمتي فارحموا خلقي)) .
وبين صلى
الله عليه وسلم أن الراحمين يرحمهم الله ، وأرشد المؤمنين إلى التزام الرحمة فقال
لهم : ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) .
وبين أيضاً
أن الرحمة خير من الإفراط في العبادة ، فقد خرج صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى
مكة في رمضان ، حتى بلغ موضعاً يدعى كراع الغنيم فصام ، وصام الناس ، ولما رأى بعض
الناس قد شق عليهم الصيام بسبب وعثاء السفر دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس
إليه ، ثم شرب ، ولما قيل له : إن بعض الناس لا يزال صائماً ، قال : ((أولئك
العصاة)) .
رجل يسرع
الخطى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يغشاه الفرح الكبير ، تغمره الفرحة
العارمة ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة معه ، وعلى الجهاد في سبيل
الله تحت رايته ، يقول له " يا رسول الله جئت أبايعك على الهجرة والجهاد ،
وتركت أبواي يبكيان فيقول له عليه الصلاة والسلام : ((ارجع إليهما فأضحكهما كما
أبكيتهما)) .
إن بسمة
تعلو شفتي أبٍ حنون ، وتكسو وجه أمٍ متلهفة لا تقّدر عند محمد صلى الله عليه وسلم
بثمن حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله ، يثبت دعوته ، وينشر في الآفاق
البعيدة رايته ، وحينما تتم العبادة على حساب رحمة الوالدين تتحول إلى عقوق ،
والنبي صلى الله عليه وسلم يركز على
الرحمة تركيزاً شديداً كلما اشتدت إليها الحاجة .
هؤلاء
المساكين الذين تسوقهم ضرورات العيش إلى الدين ، ثم تعجزهم ضحالة الدخل عن السداد
فيعانون من أجل الديون هم الليل وذل النهار ، هؤلاء يأسو جراحهم النبي صلى الله
عليه وسلم ، إنه لا يملك أن يقول للدائن : تنازل عن حقك ، فمحمد صلى الله عليه
وسلم خير من يصون الحقوق ، لكنه يهب الدائن شفاعته ، وقلبه ، وحبه إذا هو أرجأ
مدينه ، وصبر عليه حتى تحين ساعة فرج قريب ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((من
أنظر معسراً أو وضع له ، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله))
.
وقال عليه
الصلاة والسلام أيضاً : ((من أراد أن تستجاب دعوته ، وأن تكشف كربته فليفرج عن
معسر)) .
ويجعل النبي
صلى الله عليه وسلم الرحمة فوق الفضائل الإنسانية كلها ، فيجعل كل عمل رحيم عبادةً
من أزكى العبادات ، فعند النبي صلى الله عليه وسلم أن أعمالنا الرحيمة التي نسديها
للآخرين إنما يراها الله قُربات توجه إليه ذاته ، فإذا زرت مريضاً فأنت إنما تزور
الله ، وإذا أطعمت جائعاً فكأنما تطعم الله ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه
عن ربه : ((يا ابن آدم مرضت ولم تعدني ، قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين
، قال أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لوعدته لوجدتني عنده ،
يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ، قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ، قال أما
علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي))
.. الحديث .
ويصور النبي
صلى الله عليه وسلم رحمة الله بصورة باهرة أخَّاذة حينما رأى أماً تضم طفلها إلى
صدرها في حنان بالغ ، ورحمة بالغة فالتفت إلى أصحابه وقال لهم : ((أترون هذه
طارحةً ولدها في النار ؟ قال أصحابه : لا والله يا رسول الله ، قال لَله : أرحم
بعبده من هذه بولدها)) .
أيها الإخوة
الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، ذات يوم تقدم منه أعرابي في غلظة وجفوة ، وسأله
مزيداً من العطاء ، وقال : اعدل يا محمد ، ويبتسم عليه الصلاة والسلام ، ويقول له
: ((ويحك يا أعرابي من يعدل إن لم أعدل)) .
أيها الإخوة
الكرام إن الطمأنينة التي دفعت هذا الأعرابي إلى هذا الموقف المسرف في الجرأة ، هذه
الطمأنينة وحدها تصور عدل محمد صلى الله عليه وسلم ، فما كان هذا الأعرابي قادراً
على أن يقول مقالته تلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم أقام بينه وبين الناس
حجباً ، وبث في نفوسهم الخشية والرهبة ، لكن هذا النبي الكريم حطم كل معالم
التمايز بينه وبين الناس ، وحينما دخل عليه رجل غريب يختلج ، بل يرتجف من هيبته ،
استدناه وربت على كتفه في حنان وفرط تواضع ، وقال له قولته الشهيرة : ((هون
عليك فإني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة)) .
لقد هيأه
تفوقه صلى الله عليه وسلم ليكون واحداً فوق الناس ، فعاش واحداً بين الناس ، يسأله
أعرابي يوماً ، في بداوة جافة ، يا محمد هل هذا المال مال الله أم مال أبيك ؟
ويبتدره عمر يريد أن يؤنبه ، فيقول عليه الصلاة والسلام : ((دعه يا عمر إن
لصاحب الحق مقالا)) .
وانطلاقاً
من قيم العدل التي آمن بها صلى الله عليه وسلم ، ودعا إليها ، يبين عليه الصلاة
والسلام ويقول : ((كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه)) ، وأن ((زوال
الدنيا جميعاً أهون على الله من دم سفك بغير حق)) ، و((إنما أهلك من كان
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد
، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) .
لو أن
إنساناً استطاع بطلاقة لسانه وقوة حجته أن ينتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم
حكماً ، ولم يكن محقاً فيه لا ينجو من عذاب الله يقول عليه الصلاة والسلام : ((إنما
أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما
أسمع ، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعةً من النار)) .
أيها الإخوة
الأكارم حضوراً ومستمعين ، إلى ومضات من محبته صلى الله عليه وسلم .
محمد صلى
الله عليه وسلم محب ودود ، أطاع الله كثيراً ، لأنه أحبه كثيراً ، بر الناس كثيراً
، لأنه أحبهم كثيراً ، أحب عظائم الأمور ، وترك سفسافها ودنيها ، أحب عظائم الأمور
، ومارسها في شغف عظيم ممارسة محب مفطور ، لا ممارسة مكلف مأمور ، لقد سجد ، وأطال
السجود ، وسُمع وجيبُ قلبه ، ونشيج تضرعه وبكائه ، لأنه في غمرة شوق جارف ، ومحبة
أخَّاذة ، كان ينتظر الصلاة على شوق ، فإذا دخل وقتها قال : ((أرحنا بها يا
بلال)) ، أرحنا بها لا أرحنا منها ، وهذا هو الفرق بين الحب والواجب .
ذات يوم كان
في الطائف يدعو قومها إلى الله ، فقابلوه بالتكذيب والسخرية والإيذاء ، أغروا به
سفهاءهم ، ألجؤوه إلى حائط ، رفع رأسه إلى السماء ، وناجى ربه فقال : ((إن لم
يكن بك غضب علي فلا أبالي - أي إنه لا يخشى العذاب والألم إلا إذا كان تعبيراً
عن تخلي الله عنه .
ثم أدرك صلى
الله عليه وسلم أنه لا ينبغي للمحب الصادق أن يشغله استعذاب التضحية عن رجاء
العافية ، فيستدرك ويقول : ((لكن عافيتك هي أوسع لي)).
أيها الإخوة
الأكارم حضوراً ومستمعين ، ذات يوم أقبل على محمد صلى الله عليه وسلم رجل فظ غليظ
لم يكن رآه من قبل غير أنه سمع أن محمداً يسب آلهة قريش والقبائل كلها ، فحمل سيفه
، وأقسم بالله ليُسَوِّيَنَّ حسابه مع محمد ، ودخل عليه ، وبدأ حديثه عاصفاً
مزمجراً ، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم ، وتنطلق مع بسماته أطياف نور آسر ،
وما هي إلا لحظات حتى انقلب المَغِيظُ المتجهم محباً يكاد من فرط الوجد والحياء
يذوب ، وانكفأ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم يقبلهما ودموعه تنحدر غزيرةً ،
ولما أفاق قال : يا محمد والله لقد سعيت إليك وما على وجه الأرض أبغض إلي منك ،
وإني لذاهب عنك وما على وجه الأرض أحب إلي منك .
ما الذي حدث
، لقد أحب محمد الرجل من كل قلبه ، فخر جبروت هذا الرجل صريع حب وديع ، قلب محمد
صلى الله عليه وسلم مفتوح دائماً لكل الناس ، الأصدقاء والأعداء ، وحينما اقترب
الرجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم مسَّته شعاعة من فيض قلبه الكبير ..!
معذورة قريش حينما لم تدرك هذا السر ، فقالت إن محمداً لساحر .
أيها الإخوة
الكرام ، من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في الحب والود ، ((والذي نفس
محمد بيده ، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)) ، ((إذا
أحب أحدكم أخاه فليخبره أنه يحبه)) ، ((وإذا آخى الرجلُ الرجلَ ، فليسأله
عن اسمه واسم أبيه وممن هو فإنه أوصل للمودة)) ، ((وإذا كانوا ثلاثة ، فلا
يتناجى اثنان دون ثالث فإن ذلك يحزنه)) ، ((ومن هجرة أخاه سنة فهو كسفك
دمه)) ، ((وكفى إثماً أن لا تزال مخاصماً ومن آتاه أخوه متنصلاً فليقبل ذلك
محقاً كان أو مبطلاً)) ، ((وشرار الخلق هم الذين لا يقيلون عثرةً ولا
يقبلون معذرة ولا يغفرون ذنباً)) ، ((صل بين الناس إذا تفاسدوا ، وقرب
بينهم إذا تباعدوا)) .
يا أيها
الإخوة الكرام ، ما دام الحديث عن الحب ، فإليكم هذا الموضوع العلمي ، والمطلوب من
الإخوة المستمعين أن يبحثوا عن علاقة هذا الموضوع العلمي بالحب .
هناك في
الإنسان جهاز خاص للشفاء الذاتي ، لم تأت على ذكره فهارس كتب الطب أو قواميسه ،
فهناك حالات مرضية مستعصية شفيت بشكل غامض ودون سبب واضح ، وهذا الجهاز المسؤول عن
الشفاء الذاتي هو جهاز المناعة ، وهو من الأجهزة الرائعة التي أبدعها الخالق جل
وعلا ، ليس لهذا الجهاز مكان تشريحي ثابت ، بل هو جهاز جوال مبرمج على أن يتعرف على أية خليلة غريبة
عن خلايا الجسد ليقوم بتميزها ، وأهم ما في هذا الجهاز ذاكرته العجيبة ، فهو لا
ينسى أبداً أي سلاح واجه به عدواً من أمد طويل ، ولولا هذه الذاكرة العجيبة لما
كان هناك من فائدة إطلاقاً من التلقيح ضد الأمراض ، تُصنع عناصر هذا الجهاز في نقي
العظام ، ويتم إعدادها القتالي في الغدة الصعترية التيموس ، معهد إعداد المقاتلين
، وعناصر هذا الجهاز موزعة بين مهمات الاستطلاع وتصنيع المصل المضاد والقتال
والخدمات ، لكن فيروس الإيدز ، يدخل إلى الجسم متخفياً بشكل مشابه لعناصر هذا
الجهاز ثم يقضي عليها تماماً ، لكن من بين عناصر هذا الجهاز فرقة المغاوير ، ذات
كفاءة عالية جداً ، وقد اكتُشفت في أواخر السبعينات ، وتستطيع عناصر هذه الفرقة
التعرف على الخلايا السرطانية ، وتتجه إليها وتدمرها ، أخطر ما في هذا الجهاز أن
القوة التي تشكله وتطوره وتأمره ليست من داخل الجسم بل من خارجه ، إنه الله جل
جلاله وأخطر ما في هذا الجهاز أيضاً ، ( دققوا هنا ) أن الاكتئاب ، والحزن ،
والتوتر ، والقلق ، والحقد ، والشدة النفسية تضعف من قوة هذا الجهاز ، وأن الأمل ،
والحب ، والهدوء ، والتفاؤل ، تقوي إمكانات هذا الجهاز ، ومن هنا يعد التوحيد صحةً
بالمعنى الدقيق للكلمة ، ويعد الشرك سبباً للخوف والقلق ، والخوف والقلق سبب لإضعاف
جهاز المناعة الذي أبدعه الله من أجل الشفاء الذاتي ، قال الله تعالى :

[سورة الشعراء]
أيها الإخوة
، ابحثوا عن علاقة الراحة النفسية الناتجة عن التوحيد بالشفاء ، وعن علاقة الشدة
النفسية الناتجة عن الشرك الخفي بالوباء .
أيها الإخوة
المؤمنون ، أيها الأخوات المؤمنات ، إليكم قصة جابر بن عبد الله مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم هذه القصة تصور مودة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ورفقه بهم
واهتمامه بمشكلاتهم وتواضعه ومؤانسته لهم :
عن جابر بن
عبد الله ، قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع ،
مرتحلاً على جمل لي ضعيف ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق
تمضي ( أي تسبقني ) وجعلت أتخلف ( لأن جمله ضعيف ) حتى أدركني رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال ما لك يا جابر ، قلت يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا قال فأنِخْهُ ، وأناخ رسول الله صلى الله
عليه وسلم جمله ، ثم قال أعطني هذه العصا من يدك ، ففعلت ، فأخذها رسول الله صلى
الله عليه وسلم فنخس بها الجمل نخسات ( أي وخزه بها ) ، ثم قال : اركب ، فركب ،
فانطلق جملي ، والذي بعثه بالحق صار جملي يجاري ناقة رسول الله ، وتحدث معي رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قلت يا رسول الله ،
بل أهبه لك ، قال لا ولكن بِعنيهُ ، قلت فسُمْني به ، قال أخذته بدرهم ، ( هكذا
قال عليه الصلاة والسلام ) ، قلت : لا إذاً يغبنني رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
( درهم قليل ) قال : فبدرهمين ، قلت لا ، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه
وسلم الثمن حتى بلغ الأوقية ، فقلت : قد رضيت ، قال : قد رضيت ، قلت : نعم هو لك ،
قال : قد أخذته ، ثم قال لي : يا جابر هل تزوجت ، قلت : نعم يا رسول الله ، قال
أثيباً أم بكراً ، قلت بل ثيباً ، قال أفلا تزوجت بكراً ؟ قلت : يا رسول الله إن
أبي أصيب يوم أحد ، وترك بنات له سبعاً ، فتزوجت امرأة جامعةً تجمع رؤوسهن ، وتقوم
عليهن ، فقال : قد أصبت إن شاء الله ، قال أما إنا لو جئنا ..... قال أخبرت امرأتي
الحديث ، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت سمعاً وطاعة ( يعني بع
جملك لرسول الله ) قال فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنَخْته على باب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جلست في المسجد قريباً منه ، قال وخرج النبي
عليه الصلاة والسلام ، فرأى الجمل ، قال ما هذا ، قالوا هذا جمل جاء به جابر ، قال
فأين جابر فدعيت له ، فقال : تعال يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك ، ودعا بلالاً
فقال : اذهب بجابر ، وأعطه أوقية ، فذهبت معه ، وأعطاني أوقي، ة وزادني شيئاً
يسيراً ، قال : فوالله ما زال ينمو هذا المال عندنا ونرى مكانه في بيتنا .
يا أيها
الإخوة الأكارم ، أرأيتم إلى ملاطفته ، إلى رقته ، إلى رفقه بأصحابه ، إلى تواضعه
لهم ، هكذا كانت أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ، قال الله تعالى :

[ سورة القلم ]
أيها الإخوة
الأكارم في دنيا العروبة والإسلام .
إلى ومضات
من حرصه على أصحابه .
كان من بين
أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام صحابي جليل هو عثمان بن مظعون ، وكان عثمان
متبتلاً غير مشفق على نفسه ، حتى لقد هم ذات يوم أن يتخلص كلياً من نداء غريزته ،
وذات يوم دخلت زوجته على السيدة عائشة رضي الله عنه فوجدتها عائشة رثَّة الهيئة
مكتئبة المحيى ، فسألتها عن أمرها ، فقالت أن زوجي عثمان صوام قوام ، يعني يصوم
النهار ، ويقوم الليل ، فأخبرت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال
هذه المرأة ، امرأة عثمان بن مظعون فالتقى النبي عليه الصلاة والسلام بعثمان وقال
: له يا عثمان ، أما لك بي من أسوة ، قال عثمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله ،
وماذا ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوم النهار وتقوم الليل ، قال عثمان
إني لأفعل ، قال عليه الصلاة والسلام لا تفعل ، إن لجسدك عليك حقاً ، وإن لأهلك
عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه .
وفي صبيحة
اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبوة عطرة نضرة ، كأنها عروس ، واجتمع
حولها النسوة اللاتي كانت تجلس بينهن بالأمس رثة بائسة ، وأخذن يتعجبن من فرط ما
طرأ عليها من بهاء وزينة ، قلن لها : ما هذا يا زوج بن مظعون ، قالت وهي مغتبطة :
أصابنا ما أصاب الناس .
إنسانية
النبي عليه الصلاة والسلام لم تحتمل حال زوجة يؤرقها هجر زوجها ، فذكَّر زوجها بما
لها عليه من حق ، كان عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق ، فمن أقواله المؤكدة
لهذه الحقيقة ، لأن أمشي مع أخ في حاجته أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً .
سئل صلى
الله عليه وسلم : ((يا رسول الله أي الناس أحبهم إلى الله ؟ قال
: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)) .
وقال صلى
الله عليه وسلم : ((إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس ، يفزع الناس إليهم في
حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله)) .
ويقول أيضاً
: ((من كان وصلةً لأخيه إلى ذي سلطان في مبلغ برٍ أو إدخال سرور ، أو تيسير
عسير أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة)) .
ويقول أيضاً
: ((إن لله أقواماً اختصهم الله بالنعم لمنافع العباد يقرهم فيها ما بذلوها ،
فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم)) .
ويقول أيضاً
: ((من استعمل رجلاً في جماعة وفيهم من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله
والمؤمنين ، وإن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع)) .
اللهم علمنا
ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .
الحمد لله
رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن وأشهد أن سيدنا
محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد
وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أيها الإخوة
المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، هذا جانب واحد من جوانب شخصية النبي صلى الله
عليه وسلم ، وهو الجانب الإنساني ، إنه محمد صلى الله عليه وسلم ، سيد الخلق ،
وحبيب الحق ، إنه الرحمة المهداة والنعمة المزجاة ، إنه أرحم الخلق بالخلق ، أحرض
الخلق على هداية الخلق ، سيد الأنبياء والمرسلين ، أقسم الله بعمره الثمين ، فقال
:

[سورة الحجر]
وأثنى على
خلقه القويم ، فقال :

[سورة القلم]
أيها الإخوة
الأكارم ، حضوراً ومستمعين ، إن النبي صلى الله عليه وسلم في نظر المنصفين من
خصومة ، الإنسان الأول من بين المائة الأوائل في تاريخ البشرية كلها ، من حيث قوة
التأثير ، ومن حيث نوع التأثير ، ومن حيث امتداد أمد التأثير ، ومن حيث اتساع رقعة
التأثير .
وأجمل منك لم تر قط
عيني وأكمل منك
لم تلد النساء
خلقت مبرّأً من كل
عيــب كأنك قد
خلقت كما تشاء
***
***
أيها الإخوة
الأكارم ، ومع أن النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم ألزم أتباعه المسلمين
باحترام جميع الأنبياء والمرسلين ، وجعل الإيمان بهم شرطاً لصحة الإيمان ، ومع
وفرة هذه الحقائق الناصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي يقر بها القاصي
والداني ، والعدو والصديق ، تطالعنا الأخبار أن فتاةً إسرائيلية حاقدةً وجاهلة ،
تسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيما إساءة ، وتطعن في كتابنا العزيز أيما طعن
، إنها تعبر عن قومها أصدق تعبير ، وإنها مرحلة متطورة وإجرامية ، من مراحل صراعنا
مع الصهيونية ، إن ما فعله الصهاينة مؤخراً ، من الإساءة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم والتطاول عليه يعد عملاً خسيساً يقوض عملية السلام ، ويوتر العلاقات ، ويستفز
المشاعر الدينية ، ولا يخدم أحداً ، وهو عمل جبان ، وإجرامي ، لا يمكن أن يصدر إلا
عن حاقد مريض ، ماذا ننتظر من قتلة الأنبياء ، وماذا ننتظر من قوم لا يحترمون
شرائع السماء ، إن تاريخهم القديم والحديث ، مليء بالمواقف ، والأعمال ، والأقوال
المخزية ضد الإسلام والمسلمين ، فمن إحراق المسجد الأقصى المبارك ثاني القبلتين ،
وثالث الحرمين الشريفين ، ومروراً بالحفريات المتزايدة تحته بقصد هدمه ، ونقض
بنيانه ، ثم العدوان الصهيوني على المصلين في الحرم الإبراهيمي الشريف ، ثم فتح
النفق أسفل المسجد الأقصى المبارك ، إن استعراض هذه الأعمال الإجرامية يجعلنا ندرك
عن يقين أن هذا العمل الشائن الأخير لن يكون الأخير في سلسلة الأعمال الشائنة ضد
الإسلام والمسلمين ، وإننا نحن المسلمين نجل الأنبياء ، ونحترمهم ، ونوقرهم ،
ونؤمن بهم جميعاً ، ولا يمكن أن نقابل هذا التصرف المشين بمثله لأننا نحترم أنفسنا
، ونحترم تعاليم ديننا ، وندرك أن من يتطاول على الأنبياء والمرسلين إنما يرتد
سيفه إلى نحره ويكون تدميره في تدبيره والدائرة تدور عليه .
ونحن ندع
العالم العربي والإسلامي إلى مزيد من الوعي ، واليقظة ، والتماسك ، وإزالة أسباب
الخلافات فيما بين المسلمين حتى يتفرغوا بحق لمواجهة المكائد والمؤامرات التي تحاك
ضدهم وضد دينهم ، وضد مستقبل أبنائهم فضلاً عن حاضرهم وتراثهم .
يقول السيد
الرئيس : ( لا يمكن لإنسان عاقل أن يعتقد أن الله جل جلاله قال لمجموعة من الناس ،
لشعب لأي شعب : سأعطيكم أراضٍ من هنا إلى هناك ، وسأطرد أمامكم هذه الشعوب ، نحن
نتصور أن الله قوة عدل مطلقة تسير هذا الوجود ، الله لنا جميعاً ونحن له جميعاً ،
ويتابع حديثه قائلاً ، نحن نعتز بالإسلام اعتزازاً لا حدود له ، ونقاوم الذين يشوهون
هذا الإسلام ، ونحن سندافع عن الإسلام سندافع عنه كما جاء إسلام الصحابة ، إسلام عمر وعلي ، إسلام
العدل ، إسلام المساواة إسلام المحبة ) .
الدعاء .
اللهم اهدنا
فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا
، واصرف عنا شر ما قدرت وقضيت .
اللهم إنا
نسألك العفو ، والعافية ، والمعافاة الدائمة في الدين والدينا والآخرة .
اللهم أصلح
شباب المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم ألزمهم سبيل الاستقامة لا يحيدون
عنها أبداً .
اللهم اكفهم
بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
اللهم
أخرجهم من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى
جنات القربات .
اللهم أصلح
النساء المسلمات ، وجعلهم تقيات عفيفات طاهرات محتشمات ، اللهم قِهِمْ من أن
يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، ومن أن يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وفي
جسمه مرض .
اللهم أعنهم
على أن يقمن الصلاة ، ويؤتين الزكاة ، ويطعن الله ورسوله.
اللهم يسر
للشباب المسلمين وللشابات المسلمات سبل الزواج ، ليكون لهم حصناً حصيناً وحرزاً
أميناً .
اللهم صن
وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ،
وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم كما
أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك .
اللهم أعل
كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، اللهم وفق ولاة المسلمين لما تحب
وترضى ، اللهم ألف بينهم ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى .
اللهم انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها
في شمالها وجنوبها ، على أعدائك وأعدائهم ، والحمد لله رب العالمين .
*******