خطبة جمعة إذاعية "47" :
بتاريخ 09/ 04/ 1999 : خ1
: تربية الأولاد في الإسلام ـ خ2:حليب الأم ـ الإعداد المادي والمعنوي ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
الحمد لله ... نحمده حق حمده ، ونسأله المزيد
من فضله ، فهو يعلم السرَّ وأخفى ، والجهرَ والنجوى ، خلق فسوى ، وقدر فهدى ، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ
أساءوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ، وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يَذكر من يذكره ، ويرضى على من يشكره ، وهو نعم
المولى ، ونعم النصير ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، خيرته من
خلقه بلّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الغمة ، وترك أمته على
بيضاء نقية ، ليلها كنهارها ، لا
يزيغ عنها إلا هالك ، صلوات الله عليه ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى
أصحابه الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وعلى من تبعهم بإحسان إلى
يوم الدين ، وسلّم تسليماً كثيراً .
أما بعد ... فإن خير ما يوصي به المرءُ نفسَه هو تقوى الله عزّ وجلّ ، فاتقوا الله أيها المسلمون ، اتقوا الله
حق التقوى ، واستمسكوا بالعروة الوثقى
، واحذروا المعاصي ، ومُحَقِّرات الذنوب ،
واعملوا لجنة عرضُها
السماواتُ والأرضُ ، لا يظمأ فيها أحد ولا يضحى ، ولا يجوع فيها ولا يعرى ، ومن
يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، والعاقبة للتقوى0
أنت ـ أيها الإنسان ـ
المخلوق المكرم ، والمخلوق المكلف :
صانك الله فلا تبتذِل ، أعزّك فلا تذِل ، أعلاك فلا تسفُل ، نقَّاك فلا تتلطخ ،
يسرّ لك فلا تتعسر ، قرّبك فلا تتباعد ، أحبك فلا تتبغّضْ ، جدّ بك فلا تكسَل ،
استخلفك فلا تتّكل ، أعتقك فلا تتعبّد
، أقالك فلا تتعثر ، نسبك فلا تجحد ، جبرك فلا تنكسر ، أنبتك فلا تذوِ ، حسَّنك
فلا تقبُح ، حلّاك فلا تسمُج ، علَّمك فلا تجهل ، نوّه بك فلا تخملْ ، قوَّاك فلا
تضعُف ، لطّفك فلا تكثُف ، أسرَّك فلا تنكشف ، انتظرَك فلا تتوقف ، أَمَّنَك فلا
تتخوَّف ، قوّمك فلا تتقصف ، ندَّاك فلا تنشف .
أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام
، موضوع الخطبة اليوم : تربية الأولاد في الإسلام ، ولأنَّ الأطفال غراس الحياة ، وقطوف الأمل ، وقرّة عين
الإنسان ، وزهور الأمة المتفتحة ،
والبراعم الإنسانية المتألقة ، عليهم المعوّل في الحفاظ على مكاسب الأمة ،
واستعادة ماضيها المجيد ، وخوض معاركها الضارية والمصيرية ضد أعدائها 0
إنّ للطفولة في الإسلام عالمَها الخاص ، المفعم
بالعناية والاهتمام ، وحديث القرآن
عن الطفولة يفيض بالمودة ، فإنّ الله تعالى يقسِم بالطفولة : ]لَا
أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ[ .
[ سورة البلد : الآية 1ـ3 ]
والأطفال هم البُشرى ، قال تعالى مبشِّرًا
نبيَّه زكريا : ]يَا
زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ
قَبْلُ سَمِيًّا [ .
[ سورة مريم : الآية 7 ]
وهم قرة العين ، لذلك أرشد الله عباد
الرحمن إلى هذا الدعاء فقال : ]وَالَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا[ .
[ سورة الفرقان : الآية 74]
وهم زينة الحياة الدنيا ، قال تعالى
:]الْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ
عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا[ .
[ سورة الكهف : الآية 46 ]
وهم المودة والرحمة ، قال تعالى :]وَمِنْ
ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ .
[ سورة الروم : الآية 21 ]
قال بعض علماء التفسير : المودة والرحمة هما الطفل
الذي يقوِّي العلاقة بين الزوجين ، ويجعلها أكثر أمناً واستقراراً .
وفي السنّة الصحيحة يرسم لنا النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ عالم الطفولة ، وكأنه عالم قريب من عالم الجنة ، فعَنْ أَبِي
حَسَّانَ قَالَ تُوُفِّيَ ابْنَانِ فَقُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا تُحَدِّثُنَاهُ تُطَيِّبُ
بِنَفْسِنَا عَنْ مَوْتَانَا قَالَ نَعَمْ : (( صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ
، يَلْقَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ أَوْ أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ
أَوْ يَدِهِ ، كَمَا آخُذُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا ، فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى
يُدْخِلَهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ)) .
[ أخرجه أحمد في
مسنده ]
والدعاميص : هي نوع من الفراشات الجميلة .
ورعاية الأطفال واجبة ، وحبهم قربى إلى الله
، أليس الرسول الكريم هو القائل : ((لَوْلاَ شُيُوخٌ رُكَّعُ ، وَشَبَابٌ خُشَّعٌ
، وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ ، لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ
صَبًّا)) .
مسند
أبي يعلى الموصلي ، وسنن البيهقي الكبرى ، والطبراني في المعجم الأوسط عن أبي هريرة.
لقد كان حُبُّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ
للطفولة يملأ قلبَه الشريفَ ، فَعَنْ بُرَيْدَةَ يَقُولُ ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ
عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ ، يَمْشِيَانِ ، وَيَعْثُرَانِ ، فَنَزَلَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمِنْبَرِ ، فَحَمَلَهُمَا
وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللَّهُ ، إِنَّمَا
أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ
يَمْشِيَانِ ، وَيَعْثُرَانِ ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي
وَرَفَعْتُهُمَا)) .
[ أخرجه الترمذي وأحمد
وغيرهما ]
وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ
أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي
كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ)) .
[ رواه البخاري ]
أيها الإخوة المستمعون ، أيتها
الأخوات المستمعات ، أول حقوق الطفل على أبيه أن يحسن اختيار أمِّه ، لأنّ
الإسلام لم يهتمَّ بالطفل بدءاً من مولده ، بل إنه يرعاه فكرة ، ويحضنه غيباً
، ويخطِّط مستقبلَه ، ولم يَزَلْ أمنيّةً هائمةً في ضمير الغيب ، فبمجرَّد تفكيرِ
الأبِ في الزواج ، وتكوينِ الأسرة ، يحدِّد الإسلامُ له معالمَ الطريق ، والأسرةُ
في الإسلام لها نظامٌ بديعٌ غايةً في الحسنِ والنقاء ، ولها خطورُتها ومكانتُها ،
ولهذا كان لابدّ للإسلامِ أنْ يصحِّح أوَّلَ لَبِنَةٍ من لبناتها ، والزواج مرحلةٌ
أوَّلِيّةٌ في بناءِ الأسرة ، وعنايةُ الإسلامِ بهذه اللبنةِ تعني سلامةَ ما
يترتبُ عليها من حياةٍ مستقرةٍ هانئةٍ سعيدةٍ لكلِّ أفرادها .
فالإسلام يأمر الرجلَ عند الزواج أن يختارَ الزوجةَ
ذاتَ دِينٍ ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ
لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ
تَرِبَتْ يَدَاكَ)) .
[ أخرجه البخاري ومسلم]
فلا ينبغي حينئِذٍ أنْ يكونَ
جمالُ المرأة ، أو حسبُها ، أو مالُها هو كلَّ شيء ، بل لابد أنْ ينضم إلى كل ذلك
الدينُ ، وأن تكون من بيت كريم ؛ لأنّ أولادَها سيرِثون من أخلاقِها وصفاتِها
وسلوكها الشيءَ الكثيرَ .
وبالمقابل أرشدَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم
أولياءَ المخطوبةِ إلى أنْ يبحثوا عن الخاطب الذي يرضَوْن دِينَه وخُلقَه ؛ ليرعى
الأسرة رعايةً كاملةً ، ويؤدِّي حقوقَ الزوجة والأولاد ، قال عليه الصلاة والسلام
: (( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا
تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ)) .
[ انفرد به الترمذي
عن أبي حاتم المزني ]
وانطلاقاً مِن هذا المبدأ أجاب الخليفةُ عمرُ
بنُ الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عن سؤالٍ لأحدِ الأبناء حين سأله : ((ما حق الولد
على أبيه ؟ قال : أن يحسن انتقاء أمه ، وأن يحسن اسمه ، وأن يعلمه القرآن .. )) .
[ذكره
القرطبي في تفسيره ، وأخرج البزار نحوه ، انظرْ مجمع الزوائد للهيثمي ]
ومن أجل ذلك وجَّهَ الإسلامُ عنايتَه إلى تربيةِ
الأبناءِ حتّى يَسعدَ بهم المجتمعُ ، ويسعَدوا هم به ، والإسلامُ
وهو ينظِّم حياةَ الفردِ والأسرةِ والمجتمعِ لا ينسى أنَّ هذه كلها أغصانٌ
متشابكةٌ ، فأيّ تأثير في أحدها لابدّ أن يؤثِّر في الآخر ، فأخذتْ تعاليمُه
السمحةُ تنسِّقُ الخطواتِ ، وتوضِّح المناهجَ ؛ لينشأ مِن مجموعها تقدمٌ متكاملٌ
أساسُه الإيمانُ والرحمةُ والتعاطفُ والمحبةُ ، فالإسلامُ بهذا يسبق كلَّ محاولةٍ
لتقويمِ الفردِ والأسرةِ والمجتمعِ ، باعتبارِ أنّه يزاوج بين خطواتها في ثبات
واتِّزان ، على أساسٍ مِن عقيدةٍ وإيمانٍ .
ويبدأ الإسلامُ بإعدادِ الفردِ لأنّه الخليةُ
الأولى التي تُنسَج منها الأسرةُ والمجتمعُ والأمَّةُ ، وهو الوحدةُ الأساسيةُ
التي تشكِّل العنصرَ الأولَ في التكوين العام ، والفردُ ما هو إلا طفلٌ في بدايته
، تشكّله فطرته ، ومكارمُ الأخلاق التي يُربَّى عليها في بيئته ، والقيمُ والمفاهيمُ
الإنسانيَّةُ والحضاريةُ التي يتلقَّاها من مجتمعه ، فإذا ما تمَّ تكوينُه في
الحياةِ على النَّسَقِ القويمِ ، وعلى الصراط المستقيم ، والنهجِ الحكيمِ ، كانت
الأسرةُ وهي المجتمعُ الصغيرُ تامَّةَ التكوينِ ، متماسكةَ البنيانِ ، ثم كان
المجتمعُ بعد ذلك متقدماً نحوَ أهدافِه ، وكانت الأمةُ قويةَ الدعائمِ ، ثابتةَ
الأركانِ .
إخوة الإيمان في كل مكان ؛ الوالدان والمعلِّمون
لهما أكبرُ الأثَرِ في بناء نفوس الأولاد ، ويتأثّر الطفلُ أولَ ما يتأثّر
بالوالدين اللذين يتَّخذُهُما مثلاً أعلى في سلوكه وحياته ، ولذا وجَبَ على الوالدين
ألاَّ يَظهرَا أمامَ أطفالهما إلا بالمظهر الحسن ، والخُلُق المستقيم ، وأن يضربا
أمامهم أكرمَ الأمثلة في الأقوال والأفعال .
وقد وجَّه الإسلامُ إلى الوالدين إرشاداته السامية
؛ إذ أمَرَهما بالعناية بهم العناية الكاملة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم
أرحمَ الناس بالصبيان ، وقد ورد في السنة الشيءُ الكثيرُ ممَّا يحضُّ على العناية
بالأطفال ، وحسن معاشرتهم ومعاملتهم ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ((قَدِمَ نَاسٌ
مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا
أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالُوا لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا
نُقَبِّلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْلِكُ
إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ )) .
[ البخاري ومسلم ]
وعَنْ
عَائِشَةَ أَيْضًا ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ)) .
[
مسلم ]
وَحَدَّثَ أَنَسٌ ((أَنَّهُ كَانَ
يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَّ
بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ)) .
[ رواه مسلم ]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ
قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ
مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ
سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ
ابْنَيْ فَاطِمَةَ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ قَالَ فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ
ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ)) .
وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ
وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
[ الترمذي]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (( أَنَّ
امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ
النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ)) .
[ البخاري ومسلم ]
قَالَ أَنَسٌ ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا
لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا
أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجْتُ حَتَّى
أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي قَالَ
فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ
أَمَرْتُكَ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنَسٌ
وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ
صَنَعْتُهُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ هَلَّا فَعَلْتَ
كَذَا وَكَذَا)) .
[
البخاري ، واللفظ لمسلم ]
فما أروع ما تضمَّنته هذه الأحاديث :
الحــــب
: وهو الرباطُ
الروحي الذي يجمع كلَّ الناس على الخير ، ولاسيما أقارب الإنسان ، ومَنْ أولى مِنَ
الولد ، فلذة الكبد بهذا الحب ؟
والرحمة : واحةٌ إنسانيةٌ عميقةٌ ، تجمع الناسَ في حضنها
الحاني العطوفِ ، فتؤكِّد فيهم نوازعَ الخيرِ والإنسانيةِ .
والوفــاء : بالوعد مِن الوالدِ للولد ، دليلٌ على العواطفِ
الصادقةِ النبيلةِ ، الوفاءُ بالوعدِ واجبٌ أخلاقي تحتِّمه الشرائعُ ، وتوجبُهُ
فرائضُ الأديانُ ، إلا أنه للولد أوجبُ ما يكون ؛ لينظرَ إلى أبيه نظرةَ التقديرِ
والإكبارِ .
وملازمةُ الوالدين لولدهم تغرِسُ فيه نوازعَ كريمةً ،
وتطبعُه بطابعٍ إنسانيٍّ نبيلٍ ، وتقوِّم طبعَه وخلقَه ، وتُنشِّئة تَنْشئةً
صالحةً ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا
أَدَبَهُم)) .
[ رواه ابن ماجه
]
يريد الرسول بذلك ألاَّ تتركوهم هملاً دون
راع ، أو تتركوهم وتدَعُوهم لغيركم ، فذلك حريٌّ أن يهزَّ معاييرَ الأخلاق بذواتهم
، ويبذر بذورَ الشر في نفوسهم .
ولا يقل دور المعلم الواعي لخطورة رسالته ، المخلص
في أداء عمله عن دور الأب ، قال عتبة بن أبي سفيان يوصي مؤدِّب ولده : (( ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك ، فإن عيونهم معقودة بعينك ، فالحسن
عندهم ما استحسنت ، والقبيح ما استقبحت)) .
وروى ابن خلدون أن هارون الرشيد قال لمعلم ولده
الأمين : (( إنَّ أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه ، وثمرة
قلبه ، فصيَّر يدك عليه مبسوطة ، وطاعته لك واجبة ، فكن له بحيث وضعك أمير
المؤمنين ، أقرِئه القرآن ، وعرِّفه الأخبار ، وروِّه الأشعار ، وعلِّمه السنن ،
وبصِّره بمواقع الكلام ، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته ، ولا تمرَّن بك ساعة إلا
وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها ، من غير أن تحزنه ، فتميت ذهنه ، ولا تُمعن في
مسامحته فيستحلي الفراغ ، ويألفه ، وقوّمه ما استطعت بالحكمة والملاينة)) .
وقد نبَّه علماء التربية الإسلامية كالغزالي
وابن خلدون على أهمية تربية الطفل في سنّه الأولى لأنه في هذه الفترة تغرس فيه الأخلاق
وتربي فيها العواطف والمفاهيم فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ
: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((كُلُّ مَوْلُودٍ
يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ
يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا
جَدْعَاءَ)) .
[ أخرجه البخاري ومسلم
وغيرهما ]
كما نبَّه القرآنُ على أنّ
الإسلام هو دين الفطرة ، قال تعالى : ]فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ[ .
[ سورة الروم : الآية 30 ]
إنّ الأدبَ مطلوبٌ في فترة
الطفولة ؛ لينشأ الطفلُ على محامدِ الأفعالِ ، ومكارمِ الأخلاق ، قال تعالى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ
غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[ .
[ سورة التحريم ، الآية 6 ]
قال ابن عباس : في معنى قوله تعالى : ]
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [
، أيْ أدِّبوهم وعلِّموهم ، وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَأَنْ يُؤَدِّبَ
الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ)) .
[ أخرجه الترمذي وأحمد]
إنَّنا حين نؤدِّب أولادَنا إنما نقدِّم للحياةِ
عنصراً نظيفاً ، وللمجتمع لَبِنَةً صالحةً ، وهذا ما تهدِفُ إليه التربيةُ الإسلاميةُ
، والإسلامُ بدوره يَعِدُ الآباءَ سعادةً في الدنيا ، وهي قُرَّةُ العَيْنِ ، قال
تعالى : ]وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا[ .
[ سورة الفرقان : الآية 74 ]
ويَعِدُ الآباءَ
جنّةً فِي الآخرةِ ففيها مَا لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على
قلب بَشَرٍ ، قال تعالى : ]وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ
ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ
مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[
.
[ سورة الطور : الآية 21 ]
إن الإسلام قَرَنَ تربيةَ الأولاد بهذين الوعدين
الكبيرين في الدنيا والآخرة ؛ ليكونَ ذلك حافزاً للأبِ والأمِّ ، على أنْ يربِّيَا
أولادهما ، وأنْ يُحْسِنَا تأديبَهما ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((أَكْرِمُوا
أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ)) .
[ انفرد به ابن ماجة]
ورحم الله مَن قال : (( لاعِبْ ولدك سبعاً ، وأدبْه سبعاً ، وصاحبْه سبعاً ، ثم اجعل حبله على غاربه)) .
حدث عبدُ الله بن عمر قال : سأل النبيُّ صلى
الله عليه وسلم أصحابه : (( إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ
وَرَقُهَا وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِي مَا هِيَ ، فَوَقَعَ النَّاسُ
فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ : فَاسْتَحْيَيْتُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا
بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ
النَّخْلَةُ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي
، فَقَالَ : لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي
كَذَا وَكَذَا)) .
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد]
إخوتي المؤمنين ، أعزائي المستمعين ، حق التعليم
، ولأنّ الإسلام يرغِّب في العلم والتعليم ، فطلبُ العلم فريضة على كل
مسلم ما قال عليه الصلاة والسلام ، أي على كل شخص مسلم ، ، ذكراً كان أو أنثى ،
فهو ليس وقفاً على جنسٍ دون جنسٍ ، ولا طائفةٍ دون أخرى ، إنه قدْر مُشاع ، ومصلحة
لكلِّ مَن يتنسّم نسماتِ الحياة ، الذكرُ والأنثى فيه سواء ، والرجل والمرأة تجاهه
سيّان ، والمجتمع الذي ينشأ أفرادُه على وعْيٍ ومعرفة ، وعلى هُدى وبصيرة ، وثقافة
وعلم ، هو المجتمعُ الحقُّ الذي ينهض به أفرادُه ، وينهضُ هو بأفراده ، ومِن أجل
ذلك كانت آدابُ الإسلام تهدف إلى العلم الذي يحقِّق الفائدةَ للفرد ، والسعادة
للجماعة ، والسلام للعالم ، فعلِّموا أولادكم فإنهم مخلوقون لزمان غير
زمانكم .
يترآى للناس اليومَ أنَّ مَن مَلَك ناصيةَ العلمِ
مَلَك ناصيةَ العالَم ، وما يجري في العالم اليوم يؤكد هذه الرؤيا ، فمَن مَلَك
العلم ملَك القوة ، ومَن ملَك القوة فَرَضَ إرادته ـ وقد تكون ظالمةً ـ على العالم ، فالحقُّ عند الشاردين عن
الله يعني القوةَ ، ليس غير ، والحق عند المؤمنين بالله فهو ما جاء به الوحي في
تنزيله ، وما بينّه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته ، وينبغي أن يدعَّم بالقوةِ
، ودعمُه بالقوة أمرٌ تكليفيٌّ لا تكوينيٌّ ، قال تعالى : ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا
تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
تُظْلَمُونَ[ .
[ سورة الأنفال ، الآية 60 ]
بل إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن
القوةَ كلَّ القوةِ في إحكامِ الرمي ، وإصابةِ الهدف ، وهو مقياسٌ خالدٌ للقوة ، وعنصرٌ
أساسيٌّ في كسبِ المعارك ، مهما اختلفت أنواعُ الأسلحة ، وتطورتْ مستوياتُها الفنيةْ
، فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ
مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ
الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)) .
[ رواه مسلم ]
وعَنهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ ثَلَاثَةَ
نَفَرٍ الْجَنَّةَ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ
الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَمُنَبِّلَهُ)) .
[
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ]
لكن العلم الذي يوصل إلى
معرفة الله ، ثم يحمل على طاعته فرضُ عينٍ على كل إنسان ، كي يسلم ويسعد في الدنيا
والآخرة ، قال تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ[
.
[ سورة فصلت : الآية 30 ]
بل إنَّ وجودَ الإنسان لا معنى له من دون منهج
يسير عليه ، ويؤكِّد هذا ترتيبُ الآيات في مطلع سورة الرحمن ، فتعليمُ القرآنِ جاء
مقدَّماً على خَلْقِ الإنسان ، بترتيب رُتبي ، لا ترتيب زمني ، قال تعالى : ]الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ
الْقُرْءَانَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[ .
[ سورة الرحمن : 1-4 ]
والتعليمُ في نظر الإسلامِ يمتدُّ فيشملُ جميعَ
المعارفِ الإنسانيةِ ، وكلَّ ما يقع تحت إدراك الحسِّ والعقل ، إذ ما أجملَ وصية
الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( علِّموا أولادَكم
السباحةَ والرمايةَ ، ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً)) .
[الإصابة
عن عمر ، وانظر فتح الباري ]
فالرمايةُ والتدرُّبُ على ركوب الخيل كانت عند
العربي كلَّ حياته في ذلك الوقت ، ولو امتدَّ العمرُ بِعُمَرَ رضي الله عنه حتى اليوم
، لكان له مع هذا القول قولٌ وقولٌ ،
ربما يقول : علموا أولادكم الكومبيوتر ، فهو سلاح العصر ، والأمِّي ـ اليوم ـ هو الذي
لا يحسن استخدامه0
وينبغي أنْ نستعين على تربيةِ الطفلِ وتعليمِه
بتحقيقِ اهتماماتِه وخصائصِ طفولته ، وفي سُنَّةِ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم العمليةِ ما يؤكِّد ذلك ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ((خَرَجَ
عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى
صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ ، وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فَتَقَدَّمَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَضَعَهُ ، ثُمَّ كَبَّرَ
لِلصَّلَاةِ ، فَصَلَّى ، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً
أَطَالَهَا ، قَالَ أَبِي : فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ سَاجِدٌ ، فَرَجَعْتُ
إِلَى سُجُودِي ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ سَجَدْتَ
بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ
قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ ، قَالَ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ
يَكُنْ ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى
يَقْضِيَ حَاجَتَهُ)) .
[ أخرجه النسائي وأحمد]
إنَّ التُّحفةَ واللعبةَ تُدخِلان على الطفل
الفرحةَ والسرورَ ، وتزرع على ثغره البسمةَ والسعادةَ ، وقد أصبحت وسيلةً لتنمية المعارف
والمدارك ، فمَن دَخَلَ السوق ، واشترى تحفة ، فحملها إلى عياله كان كحامل
صدقة إلى قوم محاويج ، وليبدأ بالإناث قبل الذكور .
هذه هي تعاليم الإسلام الغراء ، ترشدنا إلى كل
ما يسمو بنا وبأبنائنا نحو مراقي الفلاح والنجاح ، ما أَحْكَمَ هذه النظم الأخلاقية
الحكيمة ، وما أسمى مقاصدها ، ولاسيما نحو قرَّة أعيننا ، وأعزِّ مَن لنا في
الحياة ؛ ليخلق بذلك روحَ الكمال المنشود ، والخير المقصود ، فالولدُ الصالح امتداد
لحياة أبيه ، وثمرة من ثمرات مجتمعه ، وأمل أمته ، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام
: ((الْوَلَدُ الصَّالِحُ رَيْحَانَةٌ مِنْ رَيَاحِينِ الجَنَّةِ)) .
[ فيض
القدير ]
وعَنْ عُمَرَ
بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ
ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ
بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ
تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ : لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ
هَذِهِ بِوَلَدِهَا )) .
[ البخاري ومسلم
]
وهو حُبٌّ غريزيٌّ فطريّ لا
يقدر إنسانٌ على دفعه ، أو منعه ، ولذلك كله وصَّى اللهُ الإنسانَ بوالديه ، ولم
يوصِّ الوالدين بأولادهما ، لأن حبَّ الآباء للأبناء ورعايتهم طبع ، والطبع لا
يحتاج إلى تكليف ، بينما رعايةُ الأبناء لآبائهم ليس طبعاً بل هو تكليف ، قال
تعالى : ]وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي
عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ[ .
[
سورة لقمان : الآية 14]
أيها الإخوة والأخوات ، حضوراً
ومستمعين ؛ الإسلام والمساواة بين الأبناء ونظرته للإناث :
إن الإسلام الذي يجعلُ الأطفالَ قرةَ أعين لابد أنْ
تؤكِّد شعائرُه وآدابُه هذه النزعةَ الإنسانيةَ ، فالمساواة بينهم حتى في التقبيل
أمرٌ يحتِّمه الإسلام ، وتُقِرُّه أوامره السمحة ، فما بالك في المساواة في العطية
، فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : ((انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ
اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي ،
فَقَالَ : أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ ؟
قَالَ : لَا ، قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، ثُمَّ قَالَ : أَيَسُرُّكَ
أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَلَا
إِذًا)) .
[ البخاري ،
ومسلم ، واللفظ له ]
أما الميلُ كلّ الميلِ إلى طفل بعينه دون إخوته
، أو إلى جنس من الأولاد دون الآخر ، فذلك ينافي نظرة الإسلام ، ومبادئه الصحيحة ،
ومنطق المساواة التي بنيت عليها تعاليمه ، فلا تفرقةَ في الإسلام بين فتى وفتاة ،
ولا بين ولد أو بنت ، بل كلاهما في كِفَّتَيْ ميزان ، لا يرجِّح أحدهما على الأخرى
إلا بمقدار العلم الذي يحصله ، والعمل الصالح الذي يقدمه ، يقول سبحانه وتعالى : ]فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ
عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[
.
[ سورة آل عمران : الآية 195]
إنّ الخروجَ عن منطقِ المساواةِ والحقِّ والإنصافِ
ميلٌ عن الصراط المستقيم ، ولذلك نرى الإسلامَ يأمرُ بالمساواة بين الأولاد ، كما
سبق ، حتى لا تتأذَّى مشاعرُ بعضهم ، وعواطفُ بعضهم الآخر ، فيُضمِرون السوءَ ،
ويحلُّ البغضُ مكانَ الحبِّ ، والخصامُ محلَّ الوئامِ ، فيكون التعقيدُ ،
والانحرافُ ، والشذوذُ ، والعُقدُ النفسيَّةُ ، والكَبْتُ ، والعزلةُ القاتلةُ
التي تقتل الإحساسَ ، وتَئِد المشاعر .
وكثيراً ما نهى الرسولُ عن تمييز الذكور ، وتفضيلهم
على الإناث دون موجب ، بل إنه يرفع بذلك من شعور الإناث ، وإحساسهن بقيمتهن في
الحياة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ)) .
[ رواه مسلم ]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ
فَأَدَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ)) .
[ رواه أحمد ،
وأبو داود]
والآن إلى الموضوع العلمي :
يؤكِّد علماءُ نفسِ الأطفال ، أنَّ الطفلَ حينما
يولد لا يملك أيَّةَ قدرة إدراكية ، بل إنّ كلَّ ما يتمتع به الراشدُ مِن إمكانات
وقدرات ، ومفاهيم ومعقولات ، وخبرات ومؤهلات ، إنما هي نتيجة تفاعله مع البيئة ،
وهذا فحوى الآية الكريمة : ]وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ
لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ
وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[ .
[ سورة النحل : الآية 78 ]
لكن منعكساً ـ على حدّ تعبير علماء
النفس ـ يولد مع الطفل ، ولا يحتاج إلى تعليم ، إنه منعكس المصِّ ، إذ لولاه لما
وجدتَ إنساناً واحداً على سطح الأرض في قاراتها الخمس ، إنَّ الطفلَ الذي يولد من
توِّه لا يستطيعُ أن يتلقَّى توجيهاتِ والدِه في ضرورة التقامِ ثديِ أمِّه ،
وإحكام إطباقهما ، ثم سحْبِ الهواء ، كي يأتيَه الحليبُ ، لا يستطيع أن يتلقى هذه التوجيهات
بالفهم فضلاً عن التطبيق .
إنّ حليبَ الأم من آيات الله الكبرى الدَّالةِ
على عظمته ، فهو يتغيَّر تركيبُه خلال الرضعةِ الواحدةِ ، يبدأ حليبُ الأمِّ بماءٍ
كثير ، يقلُّ الماء ، ويزداد الدسم ، إلى أن تصبح الموادُ الدسمةُ في نهايةِ
الرَّضعةِ أربعةَ أمثال ، فهل بالإمكان أنْ تغذِّي طفلاً بقارورةٍ ، وتتغيَّر
نِسَبُ الدسم ، والمواد السكرية والمواد البروتينية في أثناء الرضعة الواحدة ؟
شيءٌ آخر ، تتغيَّر تراكيبُ مقوّماتِ لَبَنِ
الأمِّ بالكميات المعادِلة لنموِّ الصغير ، فكلّما نما الصغير الرضيع ازدادتْ الأحماضُ
الأمينية ، والأملاحُ المعدنيةُ ، والمعادنُ النادرةُ ، والفيتاميناتُ .
أما الشيءُ الذي يُلفِتُ
النظرَ فهو أنّ هذا الطفلَ الذي خلَقَهُ اللهُ عزَّ وجل أَوْدَعَ فيه خمائرَ هاضمةً
بمقاديرَ تتناسبُ مع حليب الأمِّ ، فلو أرضعناه حليبَ البقر ، ولو كان طازجاً ، أو
كان مجففاً لَعَجَزَ الطفلُ عن هضمه ، وتبقى كميّاتٌ كبيرةٌ من المواد الدسمة
والبروتينيات والأحماض الأمينية دون هضم ، وطَرْحُ هذه الموادِ عن طريق الكُلْيَةِ
يجْهِدُها ، لذلك نجد الطفلَ الذي يَرضعُ حليبَ البقر تجْهَد كُليتاه في طرح
المواد الدسمة ، والأحماض الأمينية ، والبروتينات التي لم يستطع هضمها ، فخمائرُ
الهضم عنده متوافقةٌ مع حليب الأمِّ ، وليست متوافقةً مع حليب البقر ، لأنّ في حليب البقر أربعةَ أمثالِ ما في
حليبِ الأمِّ مِن الأحماض الأمينينة 0
قال العلماء : إنّ ارتفاعَ نسبة الأحماض الأمينية
في الدم تُسَبِّبُ للطفلِ الرضيعِ القصورَ العقلي ، والآفاتِ القلبيةَ ، والآفاتِ
الوعائيةَ ، وأمراضَ جهازِ الهضمِ والكبدِ ، الأمراضَ المزمنةَ التي تلازم الإنسانَ
طوال حياته ، ولو سألتَ أطباءَ الأورامِ الخبيثةِ لأجابوك بقولهم : إنَّ المرأة
التي تُرْضِع ابنَها مِن ثديها أقلُّ عُرْضةٌ للإصابة بوَرَم الثدي مِنَ المرأة
التي لا تُرْضِع ابنَها مِن ثديها .. أي أن نسبَ أورامِ الثديِ الخبيثة في النساء
اللواتي يُرضِعن أولادَهنَّ قليلةٌ جداً ، أما نِسَبُ الأورام الخبيثة في النساء
اللواتي لا يرضعن أولادهن فهي نِسَبٌ عاليةٌ .
إنَّ العطفَ والحنانَ الذي يتلقّاه الطفلُ مِن
أمّه في أثناء الرضاعة يكسبه رحمةً في قلبه ، تنعكس على علاقاته بمَنْ حوله في مستقبل
أيامه ، قال تعالى : ]وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ[
.
[ سورة البقرة : الآية 233 ]
وصيغة (يُرْضِعْنَ) جاءت خبراً في معرض الأمر ، أي أيتها الوالدات
أرضِعْن أولادكن ، وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب ما لم تكن هناك قرينة تنصُّ على
خلاف ذلك 0
وقد ألزمتْ حكوماتُ أكثرِ الدول معاملَ حليبِ
الأطفالِ أنْ تكتب على كل عبوة : لاشيء يعدل حليب الأم 0
وقد جرى بحثٌ علميٌّ تمّ في بلد متقدم ، قاسَ
مستوى الذكاءِ الفطري لدَى عددٍ مِنَ الأطفال ، مِن شعوبٍ متعددةٍ ، بالنسبة للإرضاع
الطبيعي والصناعي ، فكانت النتائجُ مدهِشةً : أطفالُ جُزُرِ الباسيفيك (PACIFIC)
يتمتَّعون بأعلى نِسَبِ الذكاءِ مِن بينِ مجموعةِ الأطفال الذين تناولَهم
البحثُ ، وذلك بسببِ أنّهم لا يعرفون الإرضاعَ الصناعيِّ إطلاقاً ، لقد صدق الله
العظيم إذ يقول : ]وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ[ .
[ سورة البقرة : الآية 233 ]
هذا منهج الله عزَّ وجل ، إنه تعليمات الصانع
، قال تعالى : ]أَلَمْ
نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ*وهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[ .
[ سورة البلد : الآية 8-10 ]
وقد أحسن الشاعر حين قال :
***
تداركْتَنا باللطف في ظلمة الحشا
وخير كفيلٍ في الحشا قد كفلـتنا
وأسكنْتَ قلبَ الأمهاتِ تعطُّــفاً
علينا و في الثديين أجريتَ قُوتَنا
وعرّفتَنا إياك ، فالحمد دائــماً
لوجهك ، إذ ألهمتنا منك رُشْـدنا
***
أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن
تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى
غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت
، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني 0
والحمد لله رب العالمين
الحمد لله رب العالمين
، واشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله
صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين
الطاهرين 0
والآن إلى موضوع الساعة : مرّ عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ببلدةٍ مِن بلاد
المسلمين في عهده ، فوجد فيها أن الفعالياتِ المعيشيةَ ليست بأيدي أبناءِ هذه
البلدة ، فوبَّخهم ، وعنَّفهم ، وقال لهم : (( كيف بكم وقد
أصبحتم عبيداً عندهم ؟)) ، لقد أدرك هذا الخليفةُ الراشدُ ـ ببُعْدِ نظره ـ أنَّ المنتجَ هو
القويُّ ، وأنّ المستهلكَ هو الضعيفُ ، ويمكن أنْ يُضافَ إلى ذلك أنّ
التفوُّقَ العلميَّ سبيلٌ إلى
امتلاك القوة ، وأنَّ صاحبَ الحقِّ لا يستطيع أن يحميَ حقَّه إنْ كان ضعيفًا ، وما
يجري في العالَم اليومَ خيرُ شاهدٍ على ذلك ؛ لذلك أمرنا ربُّنا أنْ نعدَّ
لأعدائنا ما نستطيع من قوة ، فقال تعالى : ]وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[
.
[ سورة الأنفال ، الآية 60 ]
وقوةٍ في العَدد ، وقوةٍ في العُدد ، وقوةٍ في
التدريب ، وقوةٍ في التخطيط ، وقوةٍ في الإمداد ، وقوةٍ في التموين ، وقوة في
الاتصالاتٍ ، وقوة في المعلوماتٍ ، وقوةٍ في تحديد الأهداف ، وقوةٍ في دقة الرمي ،
وقوةٍ في الإعلام 0
إن الله جل في علاه ـ رحمة بنا ـ لم يكلفْنا أن
نُعِّدَ القوةَ المكافئةَ لأعدائنا ، ولكن كلفنا أن نُعِدَّ القوة المتاحة وهذا من
رحمة الله بنا ، لأن الله وعد المؤمنين حقاً ، والمطبقين لمنهج الله ، والمخلصين له
، وعدهم بالنصر ، قال تعالى : ]فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ
رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ[
.
[ سورة إبراهيم : الآية 47 ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْمُؤْمِنُ
الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي
كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ
وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا
وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) .
[ رواه مسلم ]
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز : ]حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا