فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
الخطبة الإذاعية "53"
.
التاريخ 02/ 02/ 2001
الموضوع
: خ1 : الاستطاعة في الحج ـ
خ2 : ماء زمزم - واجبنا نحو الانتفاضة المباركة .
التدقيق : السيد أحمد مالك .
التنقيح النهائي
: المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ، ومذلِّ الشرك
بقهره ، ومصرِّف الأمور بأمره ، ومديم النعم بشكره ، ومستدرج الكافرين بمكره ،
الذي قدر الأيام دولاً بعدله ، وجعل العاقبة للمتقين بفضله ، وأظهر دينه على الدين
كله ، القاهر فوق عباده فلا يمانَع ، والظاهر على خليقته فلا يُنازَع والآمر بما
يشاء فلا يُراجَع ، والحاكم بما يريد فلا يُدافَع ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم
يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، أول الخلق ،
وحبيب الحق ، سيد المربين ، وإمام المجاهدين ، والمبعوث رحمةً للعالمين ، اللهم صل
وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض
عنا وعنهم يا رب العالمين .
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير
0
أيها الإخوة المؤمنون
في دنيا العروبة والإسلام ، في الإسلام
، فضلاً عن العقائد التي هي أساس الدين ، عبادات تنظم علاقة الإنسان بربه ، ومعاملات
تنظم علاقة الإنسان بأخيه ، وإذا صحت العبادات ارتقت المعاملات ، وكان ارتقاء
المعاملات مؤشراً على صحة العبادات ، والعبادات تهدف أول ما تهدف إلى السمو بالإنسان
نفساً وقولاً وعملاً ، عن طريق الاهتداء بهدي رب العالمين وإحكام الصلة به ،
والتنعم بقربه ، والتقلب في رحمته ،
وقطف ثمار فضله ، ومن هذا المنطلق شُرعت العبادات الشعائرية ، كالصلاة والصيام
والحج .
والحج عبادة قولية ،
وقلبية ، وبدنية ، ومالية ، وشعائرية ، تؤدى في أمكنة مُخصصة ، وفي أزمنة مُخصصة ،
وبأعمال مُخصصة .
والحج فرض عين على كل
مسلم ومسلمة ، بالغ ، عاقل ، حر مستطيع ، مرةً في العمر كله ، يُكفَّر جاحده ،
ويُفسَّق تاركه ، فَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ مَلَكَ
زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ
أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ
فِي كِتَابِهِ : }وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلًا {))
.
[رواه الترمذي(812)]
وإذا كانت الصلاةُ
تتكرّر في اليوم الواحد خمسَ مرات ، وفريضة الجمعة تُؤدَّى كلَّ أسبوع ، وفريضةُ
الصوم تُؤدَّى في العام شهراً ، فإن فريضةَ الحج تجب في العمر كلِّه مرةً واحدة ،
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَأَلَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ((يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّةً
الْحَجُّ أَوْ فِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ مَرَّةً ، فَمَنْ زَادَ
فَتَطَوُّعٌ))
.
[أخرجه أبو داود(1721) ، ( وابن ماجه(2886)
وأحمد(3303)]
وهو
تلك الرحلة الفريدة في عالم الأسفار ، ينتقل فيها المسلمُ ببدنه وقلبه إلى البلد
الأمين ، الذي أقسم الله به في القرآن الكريم ، ليقف في عرفات الله ، وليطَّوَّف
ببيته الحرام ، الذي جعله الإسلامُ رمزاً لتوحيد الله ، ووحدة المسلمين ، ففرض على
المسلم أن يستقبله كلَّ يوم خمس مرات في صلواته 0
ومما تتميز به هذه
العبادةُ أنها تحتاج إلى تفرُّغ تام ، فلا تُؤدَّى إلا في بيت الله الحرام ، ولابد
من مغادرة الأوطان ، وترك الأهل والخِلاَّن ، وتحمُّل مشاقِّ السفر ، والتعرض
لأخطاره ، وإنفاق المال في سبيل رضوانه ، وإذا صحَّ أنَّ ثمن هذه العبادة باهظُ
التكاليف ؛ فإنه يصحُّ أيضاً أن ثمرةَ هذه العبادة باهرةُ النتائج ، حيث قال
المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ : ((مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ
كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) .
[رواه البخاري (1449 )، ومسلم(1350)]
وقال أيضاً لعمرو بن
العاص : ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟ وَأَنَّ
الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا ؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ
قَبْلَهُ ؟)) .
[رواه مسلم(121)]
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا
، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ)) .
[البخاري (
1683) ومسلم( 1349)]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الحُجَّاجُ وَالعُمَّارُ وَفْدُ
اللهِ ؛ إِنْ سَأَلُوا أُعْطُوا ، وَإِنُ دَعَوْا أُجِيبُوا ، وَإِنْ أَنْفَقُوا
أُخْلِفَ عَلَيْهِمْ)) .
[البيهقي في الشُّعب (3/475) ، والمنذري في
الترغيب والترهيب (2/113) ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]
وقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ
وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ ، كَمَا يَنْفِي
الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ
ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ)) .
[رواه الترمذي(810)
والإمام أحمد( 3669) عن ابن مسعود]
وقال : ((النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله)) (8).
[أخرجه أحمد في المسند ، رقم (23050)]
ثم
فرض على المسلم أن يتوجَّه إليه بشخصه ، ويطوفَ به بنفسه ، في العمر مرة واحدة ، بشرط
استمرار نتائجه 0
إخوة الإيمان في كل
مكان ، الحج رحلة إلى الله .. فقد شاءت إرادتُه
لحكمة مطلقة ، مراعاة للنزعة المادية في كيان الإنسان ، أنْ يضع للناس في الأرض
بيتاً له يُمكِّن المؤمنين به مِن أنْ يعبِّروا من خلال إتيانه مِن كل فَجٍّ عميقٍ
أن يُعبِّروا عن حبهم لله ، وشوقهم إليه ، فالمؤمن يؤكِّد من خلال قصده البيتَ
الحرامَ ، مُلبِّيًا دعوةَ ربه ، أنَّ الله أحبُّ إليه مِن أهله وولده وماله وعمله
وبلده والناس أجمعين ، فيتحمّل نفقاتِ الحجِّ التي ربما كانت باهظة ، ويتحمّل تركَ
الأهل والولد ، الذي ربما كان صعباً ، ويتحمّل تركَ العمل والكسب ، الذي ربما كان
أثيراً ، كلُّ ذلك حُبًّا لله ، وطمعاً بالقرب منه .
وشاءت حكمةُ اللهِ أن يكون بيتُه
الحرام في المنطقة الحارة من الأرض ، وفي وادٍ غير ذي زرع ، ليكون واضحاً لدى
الحُجَّاج أنّ الاتصال الحقيقي بالله يحقِّق للمرء سعادةً ، يستغني بها عن كل
الشروط المادية ، التي يتوهَّم أنها سبب سعادته ، وأنّ سعادةَ الإنسان تنبع من
داخله ، لا مما يحيط به نفسَه من ألوان النعيم .
ولو كان بيتُ الله
الحرام في المنطقة المعتدلة من الأرض ، حيث الجبالُ الخضراءُ ، والمياهُ العذبةُ ،
والبحيراتُ الصافيةُ ، والبساتينُ الغناءُ ، والجوُّ اللطيفُ ، والنسيمُ العليلُ ،
وكان الحجُّ على مدار العام دفعاً
للازدحام ، لأقبل كلُّ الخلق إلى أداء الفريضة الممتعة ، طلباً للاستجمام ، لا
حُبَّاً بخالق الأكوان 0
وفضلاً عن موقع البيت الحرام ، وعن
طبيعة الجو فيه ، فإن الحاجَّ المحرمَ يُحظَر عليه لُبسُ المخيط من الثياب ،
ويُحظر عليه التطيُّبُ بكل أنواع الطيب ، ويُحظر عليه الحلقُ والتقصيرُ ، ويُحظر
عليه مقاربةُ المُتَعِ التي أُبيحت له خارجَ الحج ، كلُّ ذلك ليُحْكِمَ اتصالَه
بالله ، وليسعد بقربه وحده ، بعيداً عن كل مداخلة من مُتع الأرض ، ليتحقَّق الحاجُّ
أنه إذا وصل إلى الله وصل إلى كلِّ شيء ، وأنّ الدنيا كلَّها لا يمكن أن تُمِدَّ
الإنسانَ بسعادة مستمرة ، بل متناقصة ، ولينطلق لسانُه بشكل عفوي قائلاً : يا رب ،
ماذا فَقَدَ مَن وجدك ؟ وماذا وَجَدَ مَن فَقَدَكَ ؟ ..
ومُجْمَلُ القول : إنّ الحجَّ عبادةٌ
كبرى ، قِوامُها اتصالٌ متميِّزٌ بالله عز وجل ، وأساسُها معرفةٌ وقُرْبٌ ،
وبَذْلٌ وحُبٌّ ، وسببُها نزعُ أقنعةِ الدنيا المزيفةِ ، وتجاوزُ الخلق إلى الخالق
، وخرقُ النعم إلى المنعم .
يا أيها الإخوة الكرام ، ولكي
تؤدَّى هذه العبادة العظيمة على نحوٍ يقبلها الله ، ويرضى عنها ، ولئلا يُنفِق
الإنسانُ المالَ الكثيرَ ، والوقتَ الثمينَ ، ويتجشَّم المشاقَّ ، ثم لا تُقبل
حجَّتُه ، ويُقال له : لا لبيك ولا سعديك ، وحجُّك مردود عليك ، لئلا تضيعَ حجّتُه
سُدًى ، عليه أنْ يتوب قبْلَ الذهاب إلى الحج مِن كل الذنوب والآثام ، كبيرِها
وصغيرِها ، جليلِها وحقيرِها .
فيجتنب كلَّ كسْبٍ حرام ، وكلَّ
علاقةٍ متلبِّسة بالآثام ، وعليه أن يؤدِّيَ الحقوقَ التي عليه بالتمَّام والكمال
، وبخاصة تلك الحقوق المتعلقة بالخلق ، لأن حقوق العباد مبنيةٌ على المُشَاحَحَةِ
، بينما حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة ، فعليه أن يؤدِّيَ الحقوق ، ويُقلعَ عن
الذنوب ، والأهمُّ مِن هذا أن يَعقِد العزمَ على ألاّ يعودَ إليها بعد الحجّ ،
وإلاّ أصبح الحجُّ مِن الطقوس لا من العبادات ، فَمِنَ الخطأ الكبير ، والوهم
الخطير أنْ يظنّ الحاجُّ أنّ الحجَّ يهدمُ ما قبله من الذنوب كلِّها ، وفيه تُغفر
كل خطيئة ، وقد أجمع العلماءُ على أنّ الأحاديثَ الشريفة ، التي تبيِّن أنّ الحاجّ
يعود مِن الحجّ كيوم ولدته أمه ، وقد غُفرت ذنوبُه كلُّها ، هذه الذنوبُ التي أشار
إليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم هي الذنوبُ التي بين العبد وربِّه حصراً ، أمّا
الذنوبُ التي بينه وبين الخلق ، والحقوقُ التي في ذمته ، والواجباتُ التي قصَّر في
أدائها ؛ فهذه لا تَسقطُ ولا تُغفر إلا بالأداء أو المسامحة ، فالذنوب ثلاثة ؛ ذنب
لا يُغفر ، وهو الشرك ، وذنب لا يُترك ، وهو ما كان بين العبد والخلق ، وذنب يُغفر
، وهو ما كان بين العبد وربه.
إخوتي المؤمنين ، أعزائي المستمعين ،
والاستطاعة التي وردت في الآية التي تعد
أصلاً في فرضية الحج وهي قوله تعالى : ]فِيهِ
ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[ .
[سورة آل عمران : الآية 97]
هي
استطاعة بدنية ومالية وأمنية وإدارية 0
فالمسلم الذي لا يقوى
جسمه على تحمُّل أداء مناسك الحج بَغَلبة يقينية أو بإخبار طبيب متخصص مسلم حاذق
ورع ، يُجزئه أن يُكلِّف من يحج عنه في حياته أو يوصي بحجة بدل بعد مماته ، وفق
أحكام هذا النوع من الحج 0
والمسلم الذي لا يملك المال الكافي
الذي يغطي نفقات الركوب بأنواعها ، ونفقات السكن في مكة والمدينة ، وثمن الطعام
والشراب فضلاً عن نفقات أهله وولده في غيبته لا يعد عند الله مستطيعاً ، فلا ينبغي
للمسلم غير المستطيع أن يبذل ماء وجهه من أجل جمع نفقة الحج ، ولا أن يسلك المسالك
الملتوية ، من أجل أن يحصل على نفقة الحج ، فإنه في الأصل ليس مستطيعاً ، ولا حجَّ
عليه 0
وحينما يقرر أولوا الأمر في ديار
المسلمين أن يعتمدوا نظاماً يُتيح لمَن لم يحجَّ أن يحجّ ، ويَمنع من حجّ حجة
الفريضة من أن يحج ، حينما يكون الباعث على هذا التنظيم إفساحَ المجال للمسلمين
الذين لم يحجّوا حجّة الفريضة أن يؤدُّوها بيسر وطمأنينة ، فلا ينبغي للمرء أنْ
يرتكب معصيةً ليحجّ حجّة نافلة ، فالمسلم الذي لم يُسمح له أن يحج لا يُعَدُّ
مستطيعاً .
وما دام الحج مِنَ العبادات المالية
التي تستوجب إنفاقَ المال ، فلا بد في المال الذي سينفقه الحاجُّ في هذه الفريضة
أنْ يكون مالاً طيباً وحلالاً ، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا
يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)) .
[أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(1015)]
وروي عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ
حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فَي الْغَرْزِ - ركاب
الدابة - فَنَادَى : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، نَادَاهُ مُنَادٍ فِي
السَّمَاءِ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، زَادُكَ حَلاَلٌ ، وَرَاحِلَتُكَ حَلاَلٌ ،
وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ ، وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ
الْخَبِيثَةِ ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فَي الْغَرْزِ فنادى : فَنَادَى : لَبَّيْكَ
اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، نَادَاهُ مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ : لاَ لَبَّيْكَ وَلاَ
سَعْدَيْكَ ، زَادُكَ حَرَامٌ ، ونَفَقَتُكَ حَرَامٌ ، وَحَجُّكَ مَأْزُورٌ غَيْرُ
مَأْجُورٍ)) .
[مجمع الزوائد
(3/210) ، وقال : رواه البزار وفيه سليمان بن داود اليماني ، وهو ضعيف]
وبما أنّ الحجّ
فريضةٌ فرضها الله على المستطيع ؛ والفقير ليس مستطيعاً ، فلا ينبغي للفقير أن
يقترض ليحجّ ، فعن عبد الله بن أبي أوفى قال : ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنِ الرَّجُلِ لَمْ يَحُجَّ : أَوَ يَسْتَقْرِضَ ؟ قَالَ
: "لاَ" )) .
[رواه البيهقي
في السنن الكبرى (4/333) ، من قول ابن أبي أوفى ، وكذا ابن أبي شيبة في المصنف(3/449)]
والمدين لا تُقبل حجته إلا بموافقة دائنه
.
إنّ من بدأ حجه
بتصريح كاذب ، أو انتحل صفة لا يتصف بها ، أو يتصف بها ، ولا يريد أن يقوم بها ،
أو دفع مالاً غير مشروع لجهة غير شرعية تحول أداؤه لهذه الفريضة إلى عمل محرم ،
استناداً إلى القاعدة الفقهية الأصولية وهي أنَّ كل ما استلزم محرماً يصبح هو
الآخر محرماً ، فالطريق إلى المحرم محرم ، فالمؤمنون عاداتهم عبادات ، والمنافقون
عباداتهم سيئات 0
أيها الإخوة ...
حضوراً ومستمعين ، وبما أنّ عبادةَ الحجّ فرَضَها الله على المستطيع في العمر كله
مرة واحدة ، فإنْ أخلَّ الحاجُّ بمناسكها ، فلم يؤدِ ركناً ، أو نسي واجباً ، أو
ترَكَ سنَّةً ، أو حرص على سنة أدَّت إلى انتهاك حرمة ، أو اقترفَ معصية ، أو
فَعَلَ محظوراً ، فَقَدْ أَبْطَلَ حجَّه ، أو لَزِمه الدمُ ، أو أساء ، أو قصَّر ،
أو تركَ الأَوْلَى ، إنْ فَعَلَ هذا فقد ضيّع فرصة فريدة لا تتكرّر ، فرصة لمغفرة
ذنبه ، واستحقاقه جنّةَ ربه ، كلُّ هذا بسببِ الجهل الذي هو أعدى أعداءِ الإنسان ،
فالجاهلُ يفعل بنفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوُّه به ، لذلك نقول : أيها الحجّاجُ
؛ تفقَّهوا قبل أن تحجّوا ، فعالمٌ واحد أشدُّ على الشيطان مِن أَلْفِ عابدٍ ،
وقليلٌ مِنَ الفقهِ خيرٌ مِنَ كثيرٍ مِنَ العبادة ، ]فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [ .
[الأنبياء : 7]
وكما أن انتظار
الصلاة يُعَدّ من الصلاة ، كذلك الإعدادُ الفقهيّ للحجّ فهو مِنَ الحجّ ، فكم مِن
حاجٍّ أهْملَ التفقُّهَ قَبْلَ الحج ، وعاد مِنَ الحجّ ، ولم يطف طواف الركن ،
فبطل حجُّه ، وكم مِن حاجٍّ اجتاز الميقاتَ المكانيَّ غيرَ محرِم فلزمه الدم ، وكم
مِن حاجٍّ وقع في محظورات الإحرام ، وهو يحسبُ أنه يُحسن صنعاً .
ومِن فقهِ الرجلِ أنْ
يتحرّك في حياته وَفق سُلَّم للأوليات ، فإذا أدّى حجّةَ الإسلام ، وهي حجةُ
الفريضة ، وتاقت نفسُه إلى أن يحجّ مرةً ثانيةً وثالثةً ، وكان مستطيعاً بماله
وبدنه وموافقة أولي الأمر له ، ولم يسهم مِن خلال تصريحٍ غيرِ مطابق للواقع في
حرمان مسلم مِن حجّة الفريضة ، وكان قد أدّى كلَّ ما عليه من واجبات تجاه والديه ،
وأولاده ، وإخوته ، وأخواته وأصدقائه ، وجيرانه ، فلا عليه أنّ يحجّ ثانية وثالثة
ورابعة ، فالحج جهاد لا شوكة فيه ، وهو جهادُ الكبيرِ ، والمرأةِ ، والضعيف ، وقد
ورد في الحديث القدسي : ((إِذَا أَصْحَحْتُ لِعَبْدِي جِسْمَهُ ، وَوَسَّعْتُ
عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ ، فَأَتَتْ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَمْ يَفِدْ
إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ)) .
[البيهقي في السنن الكبرى (5/262) ، ومسند أبي
يعلى (2/304) ، والترغيب والترهيب للمنذري(2/137)]
لكن حينما يحجّ المسلمُ حجةَ الفريضةَ ، وله
ولد في سنّ الزواج ، ويخشى عليه الانحرافَ ، فالأَوْلى أن يزوِّجه بدلَ أنْ يحجّ
حجة النفل ، لأنّ دَرْءَ المفاسدِ مقدَّمٌ على جَلْبِ المنافع ، وأنّ الله لا يقبل
نافلةً أدَّتْ إلى تركِ واجبٍ ، ]وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا[ .
[البقرة : 269]
ومن أدعية النبي صلى
الله عليه وسلم : ((اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ)) .
[أخرجه ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(2890)]
ومعنى هذا أن من انحراف الحاج عن
قصده ، وعدم إخلاصه في عبادته أن يبتغي من حجه السمعة والرياء .
أيها الإخوة الأحباب
، ويجب أنْ يعلمَ المسلمُ أنّ الحجَّ لا يكفِّر الذنوبَ التي لم يَتُبْ منها
صاحبُها ، فالمقيم على ذنبٍ ما لم يَتُبْ منه ، وهو مستمرٌّ فيـه ، فإنّ الحجَّ لا
يكفِّر ذنبَه ، وإنما الحجُّ كفارةٌ وأجرٌ للعبدِ التائبِ إلى الله ، الراجع إليه
، الراجِي رحمتَه وعفوَه ، والذي أقْلعَ عن ذنوبه إقلاعاً لا رجعة بعده ، والدليل
على ذلك ما رواه الإمام مسلم بإسناده
إلى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنُؤَاخَذُ
بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي
الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا ، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ)) .
[مسلم(120)]
أيها المسلمون ،
خَطَبَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم في حجّة الوداع خطبةً جامعةً مانعةً ، تضمنت
مبادئَ إنسانيةً سيقتْ في كلماتٍ سَهلةٍ سائغةٍ ، كيفَ لا وقد أُوتيَ النبي صلى
الله عليه وسلم جوامعَ الكلم ، ولقد استوعبتْ هذه الخطبةُ جملةً مِنَ الحقائقِ
التي يحتاجها العالَم الشاردُ المعذَّب ليرشُدَ ويسعَدَ ، قال تعالى : ]فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى[ .
[سورة طه : الآية 12]
إن الله جل وعلا
ربَّى محمّداً صلى الله عليه وسلم ليُربِّيَ به العربَ ، وربَّى العربَ بمحمّدٍ
صلى الله عليه وسلم ، ليُربِّيَ بهم
الناسَ أجمعين ، قال تعالى : ]وَجَاهِدُوا
فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ
قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا
بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ[ .
[سورة الحج : الآية 78]
فمن المبادئ التي انطوت عليها خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
:
1ـ الإنسانيةُ متساويةُ القيمةِ في أيِّ إِهَابٍ تَبَرَّزَ ، وعلى أية حالة
كان ، وفوق أي مستوى تَرَبَّعَ ، فعَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ
خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
فَقَالَ : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ
أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ ، وَلَا
لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ ، وَلَا أَسْوَدَ
عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا : بَلَّغَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ …
)) .
[أخرج أحمد في المسند(23536)]
2 ـ النفس الإنسانية ما لم تكن مؤمنة بربها ، مؤمنةً بوعده ووعيده ، مؤمنةً
بأنه يعلم سرَّها وجهرها ، تدور حول أثرتها ، ولا تُبالي بشيء في سبيل غايتها ،
فربما بَنَتْ مَجْدَهَا على أنقاض الآخرين ، وبنت غناها على فقرهم ، وبنت عزها على
ذلهم ، بل ربما بنت حياتها على موتهم ، لذلك قال الرسول الكريم في حجة الوداع :
((... فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى
يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ ثُمَّ قَالَ اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا أَلَا لَا تَظْلِمُوا
أَلَا لَا تَظْلِمُوا أَلَا لَا تَظْلِمُوا إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ
إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ وَمَالٍ وَمَأْثَرَةٍ
كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) .
[أخرجه أحمد عن أبي حرة الرقاشي عن أبيه(20714)]
3 ـ والمال قوام الحياة ، وينبغي أن يكون مُتداولاً بين كل الناس ، وأنه
إذا ولد المالُ المال ، من دون جهد حقيقي ، يسهم في عِمارةِ الأرض ، وإغناء الحياة
، تجمَّع في أيدٍ قليلة ، وحُرمت منه الكثرة الكثيرة ، عندها تضطرب الحياة ، ويظهر
الحقد ، ويُلجأ إلى العنف ، ولا يلد العنفُ إلا العنفَ ، والربا يسهم بشكل أو بآخر
في هذه النتائج المأساوية ، التي تعود على المجتمع البشري بالويلات ، لهذا قال
المصطفى صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع : ((…أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ…)) .
[رواه الترمذي
عن عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ(3087)]
4 ـ النساء شقائق الرجال ، ولأنّ المرأةَ مساويةٌ للرجل تماماً ، من حيث
إنها مكلفةٌ كالرجل بأركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، والعبادات ، والمعاملات ،
والأخلاق ، ومساويةٌ له من حيث استحقاقُها الثوابَ والعقابَ ، ومساوية له تماماً
في التشريف والتكليف ، لهذا قال صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع :((أَلَا
وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ ، لَيْسَ
تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
مُبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ، وَاضْرِبُوهُنَّ
ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ
سَبِيلًا ، أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا ، وَلِنِسَائِكُمْ
عَلَيْكُمْ حَقًّا ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ
فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ
، أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي
كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ )) .
[رواه الترمذي
عن عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ(3087)]
ثم يُتابع خطبته
فيقول :((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍ)) .
[البخاري(121) ومسلم( 65) عن جرير بن عبد الله]
((وَإِنَّ
الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا ، وَلَكِنْ
سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَسَيَرْضَى
بِهِ))
.
[رواه مسلم عن جابر(2473)]
((وَإِنِّي قَدْ
تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ؛ كِتَابَ
اللَّهِ ، وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا:
نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ ،وَأَدَّيْتَ ، وَنَصَحْتَ ، ثُمَّ قَالَ بِأُصْبُعِهِ
السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ ، وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ :
اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ)) .
[رواه مسلم عن جابر(1218)]
أيها السادة المستمعون ، أيتها السيدات المستمعات ، إلى الموضوع العلمي :
وصف النبي صلى الله
عليه وسلم ماء بئر زمزم : ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ))
.
[رواه الإمام مسلم عن أبي ذر (2473)]
وزاد
غير مسلم : ((وَشِفَاءُ سُقْمٍ)) .
[فيض القدير ، للمناوي (3 /489) عن صفية]
وعن ابن
جريج : قال سمعت أنه يقال : ((خَيْرُ مَاءٍ فِي الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ ...)) .
[الطبراني في الأوسط(4/179) ، والكبير(11/98)]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)) .
[أخرجه ابن
ماجه(3062) وأحمد(14892)]
وزاد الحاكم في
المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا : ((فَإِنْ شَرِبْتَهُ
تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ الله ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذاً بِهِ أَعَاذَكَ
اللهُ ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ اللهُ)) .
[الحاكم (1739)]
وأخرج ابن ماجه في
المناسك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : كُنْتُ
عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَالِسًا ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ جِئْتَ
؟ قَالَ : مِنْ زَمْزَمَ ، قَالَ : فَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي ؟ قَالَ :
وَكَيْفَ ؟ قَالَ : إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ، وَاذْكُرْ
اسْمَ اللَّهِ ، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا ، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا ، فَإِذَا فَرَغْتَ
فَاحْمَدْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ
الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ)) .
[ابن ماجه (3061)]
وقد حرص الصحابة
والتابعون وكثيرٌ مِن علماءِ الأُمَّة وعامَّتُها على التَّضَلُّع مِن ماءِ زمزمَ
، أي أنْ تملأ الضلوعَ منه ، واستحضار نيات معينة عند الشرب منه ، لأنّ الدعاءَ
مستحبٌّ عند الشربِ من ماء زمزم ، فزمزمُ لِمَا شُرِبَ له ، وقد روي عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه إذا شرب
ماء زمزم دعا فقال : ((اللهم إني أشربه
لظمأ يوم القيامة)) ، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان إذا شرب ماء زمزم قال : ((اللهم إني أسألك علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاء من كل داء)) .
قال بعض العلماء : ((ماء زمزم سيِّدُ المياه ، وأشرفُها ،
وأجلُّها قدْراً ، وأحبُّها إلى النفوس ، وأغلاها ثمناً ، وأنفَسُها عند الناس ،
وهو هَزْمَة جبريل
- أي : حفْره - وسقيا الله
إسماعيل)) .
[فيض القدير ، للمناوي (5/404)]
هذا
ما في السنة الصحيحة والحسنة ، والأثر ؛ عن ماء زمزم ، فماذا في العلم وتحليلاته الدقيقة
عن ماء زمزم ؟ .
أُجرِيتْ في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين
وفي عام ألف وتسعمائة وثمانين تحاليل
كيميائية من قبل شركات عالمية عملاقة ومتخصصة فكانت النتائج مذهلة ،
حيث إنّ مياه زمزم خالية
تماماً من أي نوع من أنواع الجراثيم المسببة للتلوث ، وتعد المياه معدنية ويتهافت الناس على شرائها إذا كانت نسبة أملاح المعادن
فيها من 150 إلى 350 ملغ في اللتر أما مياه زمزم فتبلغ نسب المعادن فيها 2000 ملغ في
اللتر 0
من أبرز هذه الأملاح
المعدنية الكالسيوم ، والصوديوم ،
والمغنزيوم ، والبوتاسيوم وغيرها وغيرها 0
ويعد ماء زمزم من أغنى مياه العالم
بعنصر الكلسيوم إذ تبلغ نسبته فيه مائتي ملغ في اللتر ، لقد صدق رسول الله e
حينما يقول : ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ)) .
[رواه الإمام مسلم عن أبي ذر (2473)]
وقد دلت البحوث
العلمية الحديثة أن أمراض شرايين القلب التاجية أقل حدوثاً في الذين شربوا مثل هذه
المياه ، لقد صدق رسول الله e
حينما قال : ((شِفَاءُ سُقْمٍ)) .
[الجامع الصغير عن أبي ذر ، فيض القدير ، للمناوي (3 /489) عن صفية]
وتعد المياه غازية
هاضمة إذا احتوت على ما يزيد عن 250 ملغ في اللتر من البيكربونات ، ومن أشهر
المياه الغازية في العالم مياه نبع إفيان في فرنسا ، إذ تبلغ نسبة البيكربونات فيه
357 ملغ في اللتر ، أمَّا ماء زمزم فتبلغ نسبة البيكربونات 366 ملغ في اللتر ،
ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال : ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا
شُرِبَ لَهُ)) .
[أخرجه ابن
ماجه(3062) وأحمد(14892)]
يذكر بعض علماء الطب
في كتاب طبع عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين أن المياه المعدنية تفيد في علاج كثير
من الأمراض الروماتزمية ، وزيادة حموضة المعدة ، والإسهال المزمن ، وعسر الهضم وهي ذات تأثير مدر وملين ومرمم لنقص المعادن في الجسم ، ولقد
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال : ((فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي
بِهِ شَفَاكَ الله ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذاً بِهِ أَعَاذَكَ اللهُ ،
وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ اللهُ)) .
[الحاكم (1739)]
وذلك
لأن ماء زمزم ليس عذباً حلواً بل يميل إلى الملوحة والإنسان لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى
الملوحة إلا إيمانا بما فيه من البركة ، فيكون التضلع منه دليلاً على الإيمان .
ولعلّ الله عزّ وجلّ لم يجعله عذبا
حتى لا تُنْسي العذوبة فيه معنى التعبّد عند شُربه ولكنَّ طعمه على أية حال مقبول
، ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال : إِنَّ آيَةَ مَا
بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ)) .
[ابن ماجه (3061)]
والآن
نسأل : ما المؤسَّساتُ العلميةُ العاليةُ التي كانت على عهد النبي e ، والتي
أعطتْهُ هذه الحقائقَ المدهِشةَ عن ماء زمزم ؟ ومَن هي هيئات البحوث المتخصصة التي
توصلت إلى هذه النتائج الدقيقة عن
هذا الماء ؟ وما نوعُ المخابرِ العملاقةِ التي حَلَّلَتْ واستنتجتْ نسبَ أملاحِ
المعادنِ في ماء زمزم البالغةَ الدقة ، والتي اعتمد عليها النبيُّ في أحاديثه عن
هذا الماء المبارك ؟ إنه الوحي ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، وإنّ
هذه الأحاديثَ عن ماء زمزم من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم 0
نسأل الله أن يسقينا
من حوض نبيه الكريم يوم القيامة يوم العطش الأكبر شربة لا نظمأ بعدها أبداً 0
أيها الإخوة المؤمنون ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا
أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من
دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني
0
والحمد لله رب العالمين
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا
إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم
، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين 0
إخوة الإيمان في كل مكان ، هذا عن حج
بيت الله الحرام !!! فماذا عن مسرى سيد الأنام ؟؟؟
إنه المسجد الأقصى
الذي بارك الله حوله ، ولا يعلم إلا الله ماذا يجري حوله من جرائم يندى لها جبين
الإنسانية ، ويفرَق من هولها وحوش الغاب 0
وقَتْلُ شعبٍ مسـلمٍ مسألةٌ فيها نَظَرْ
الحقيقة أنه لا بد
أنْ نشكر أطفال الانتفاضة ، بل الواجب على كل مسلم أنْ يقدِّم لهم الشكرَ ؛ حيث
جعلوا لنا قضيةً نستطيع أن نتوحَّد حولها ، ونتحدّثَ عنها ، ونحزنَ مِن أجلها ،
ونتجمعَ بسببها ، لقد رفعونا عن كثير من همومنا الصغيرة التي كانت تستنزفنا في ما
مضى .
إنّ الانتفاضة مباركةٌ ، لأنها
حرَّكت القضيةَ داخلَ فلسطينَ ، وداخلَ الأرض المحتلة ، فقد أصبح اليهودُ يشعرون
حقًّا بعقدة ، فهذه الأرضُ ليست بلا شعب ـ كما قيل لهم ـ فهم يفاجئون أنه يخرج
عليهم شابٌّ من الأرض نفسها في فلسطين ، هو أكثر حماسا منهم لهذه الأرض ، وأكثر تضحية
، وأكثر إصرارا ، وأكثر صدقا في حمايتها ، والشعور بقداستها ، حتى الصبية الصغار أصبحوا يدافعون عنها
بهذه الطريقة التي لم تكن مألوفة في التاريخ كلِّه ، لقد حافظتْ الانتفاضةُ على
معنويةِ المسلمِ وشعورِه بالانتماءِ ، وشعوره بالعطاء ، وكونه يتقي الله قدرَ
المستطاع ، ويبذل كل جهده في البلاء ، هذه الانتفاضة جعلتْ العالَم كلَّه ، وليس
العالم العربي والإسلامي فحسب ؛ يبدأ
يعيد حساباته ، ويتفهَّم قضيةَ المسلمين ، لقد كانت الانتفاضةُ اختراقاً جيداً
للكيان الصهيوني ، فمِن خلال مشاهدة الناس للأطفال ، وهم يتلقون الرصاصَ الحيَّ
بصدورهم ، ورؤوسهم ، وليس في أيديهم إلا الحجارة ، شعروا أنَّ هناك مشكلة حقيقة ،
هؤلاء الأطفال ما تحرّكوا عبثاً ، وما تصدَّوا لعباً ، فحينما تُسْلَب أرضُ شعبٍ ،
وتُنهَب ثرواتُه ، و تُنتهَك حرماتُه ، وتُدَنَّس مقدساته وتُداسُ كرامتُه ، و
تُقهَر إرادتُه ، وتفسد عقائده ، وتفرغ قِيَمُه ، ويُزوَّر تاريخُه ، ويُحمَل على
الفساد والإفساد ، وتُمَارَس عليه ألوانُ التجهيل والتجويع والتعذيب على يد أعدائه
، أعداء الله ، أعداء الحقِّ ، أعداء الخير ، أعداءِ الحياة ، عندئذٍ لا بد لهذا
الشعب أن يتحرّك ليسترِدَّ حقَّه في الحياة الحرة الكريمة .
وكانت الانتفاضةُ فرصةً
لتعبير الناس عن مشاعرهم ، ونفضِ الغبار عن قلوبهم ، وتجديد الولاء لدينهم وأمتهم
، وتوحيد همومهم حول قضيتهم الكبرى ، والقضاء على الاهتمامات الجانبية ، والخلافات
الجزئية ، ومحاولة مخاطبة الأمة كلها ، ومخاطبة العالم من ورائها بالقضية العادلة0
وإنّ كلَّ قطرةِ دمٍ تُراقُ من طفل
فلسطيني ينبغي أنْ نشعر أنها تُمتصُّ من أجسادنا ، ومِن أولادنا ، ومِن أهلنا ،
وأنّ كلَّ شهيد يَذهب هو من أقرب الناس إلينا ، ولا يجوز أبدا أن يكون نَفَسُنَا
قصيرا ، حيث إنه إذا طال علينا الأمدُ بدأ الناسُ يتساءلون : إلى متى ولماذا ؟ ثم
بعدها ينشغلون بهمومهم ، وقضاياهم الخاصة ، وأُسَرِهِمْ ، وتجاراتهم ، ووظائفهم ،
ويغفلون عن أولئك المرابطين في الثغور على مدى الزمان ، وهؤلاء الصبيةُ الصغارُ
الذين قاموا بهذا العمل رفعوا عبئًا ومسئوليةً كبيرةً عن المسلمين في كل مكان ،
وتصَدَّوا لواجبٍ لا يستطيع غيرُهم أنْ يتصدّى له ، فكونُهم يلجؤون إلى هذه الوسيلة البسيطة الساذجة العادية التي
تدلّ على أنّ الانتفاضةَ انتفاضةٌ عفويةٌ ، انتفاضة القهر ، والحرمان ، والأذى ،
والطغيان ، وأنّ الإنسانَ قد وصل إلى درجة لا يصبر عليها ، فقد بَلَغ السيلُ الزبى
، وجاوز الحزام الطبين ، وبلغ السكين العظم .
لا تسقني ماءَ الحياة بذِلَّةٍ بل فاسقني بالعزِّ كأسَ العلقمِ
أمَا وقد قام هؤلاء الصغارُ بواجبهم
، وأسالوا من دمائهم ، وبذلوا من أرواحهم
، فإنه لا يسَعُ المسلمين إلا الإصرارُ على دعمِ هؤلاء بكل صور الدعم .
ونحن في بلدنا الطيب ، قيادة
وشعباً ، نضع كل إمكاناتنا دعماً لا لقضيتهم ، بل لقضيتنا ، عرباً ومسلمين ،
فقضيتنا أصبحت نكون أو لا نكون ، نكون مجتمعين على الحق ، ولا نكون متفرقين
بالمصالح والأهواء .
اللهم
يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك
والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة ، والنجاة من النار .
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى
والعفاف والغنى .
اللهم إنا نسألك من الخير كله ما
علمنا منه وما لمن نعلم ، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم .
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها
من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل .
اللهم اغفر وارحم واعف عما تعلم إنك
أنت الأعز الأكرم .
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر
الإسلام والمسلمين ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين ، في مشارق الأرض ومغاربها ،
لما تحب وترضى ، اللهم وفِّقْ بينهم ، ووحِّد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير
والهدى ، وانصرهم على أعدائك وأعدائهم يا كريم .
اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين
خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر ، إنك على ما
تشاء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين .
عباد الله .... ]إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ .
[سورة
النحل : الآية 90]