فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .
الخطبة الإذاعية "57"
.
التاريخ 18/ 01/ 2002
الموضوع
: خ1:
إدارة الوقت - خ2 : التحليل الإسلامي للحوادث .
التدقيق : السيد أحمد مالك .
التنقيح النهائي
: المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب العالمين ، يا رب اغفر ذنوبنا
، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وأصلح قلوبنا ، ارحم ضعفنا ، وتولَّ أمرنا ،
واستر عوراتنا ، وآمنْ روعاتنا ، وآمنَّا في أوطاننا ، انصرنا على أعدائك وأعدائنا
، بلِّغنا مما يرضيك آمالنا ، اختم بالصالحات أعمالنا ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، غِنى كل فقير ، وعزّ كل ذليل ، وقوة كل ضعيف ، ومفزع كل ملهوف ،
فحاشا يا رب أن نفتقر في غناك ، وأن نضل في هداك ، وأن نذلّ في عزك ، وأن نضام في سلطانك
، فما من مخلوق يعتصم بك من دون خلقك فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلتَ له من
بين ذلك مخرجاً ، وما مِن عبد يعتصم بمخلوق دونك إلا جعلتَ الأرضَ هَوِيًّا تحت
قدميه ، وقطَّعتَ أسباب السماء بين يديه ، وأشهد أنّ سيدنا محمداً عبده ورسوله ،
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله .
لقد عرفتَ قيمةَ الوقت
، فجعلتَه ظرفاً لبطولاتٍ تعجزُ عن صنعَها الأممُ والشعوبُ ، حتّى أقسمَ اللهُ في
عليائه بِعُمُرِكَ الثمينِ ، فقال تعالى : ]لَعَمْرُكَ
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ[ .
[سورة الحجر : الآية 72]
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناءِ دعوتِه ، وقادةِ ألويتِه ، الذين ربّاهم عليه
الصلاةُ والسلام تربيةً جَعَلَتْ منهم أبطالاً ، وحَمَلَتْ أحدَهم على أن يقول :
( والله لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، ولو
علمتُ أن غداً أجلي ما قدرتُ أن أزيد في عملي) .
[حاشية السِّنْدي على سنن النسائي(8/96) مِن قول عليٍّ]
أيها الإخوة المؤمنون
في دنيا العروبة والإسلام ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثُّكم على طاعته ،
وأستفتح بالذي هو خير .
أيها الإخوة الأحباب ،
في القرآن الكريم سورةٌ قصيرةٌ ، كان الرَّجلانِ مِن أصحابِ رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا الْتَقَيَا لم يتفرَّقا حتى يتلوَ أحدُهما على الآخر هذه السورة ،
وكان الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله تعالى يقول : (لو تدبَّر الناسُ هذه السورة لَكَفَتْهُم ).
[تفسير ابن كثير (4/548)]
هذه السورةُ ترسمُ
منهجًا كاملاً للحياة البشرية ، كما يريدُها خالقَ البشرية ، فعلى امتدادِ الزمانِ
في جميعِ العصور ، وعلى امتدادِ المكانِ في جميع الدهور ، ليسَ أمامَ الإنسانِ إلا
منهجٌ واحدٌ رابحٌ ، وطريق واحد سالك إلى جنةِ الخُلدِ ، وكلُّ ما وراء ذلك ضياعٌ
، وخسارةٌ ، وشقاء .
أيها الإخوة الكرام ،
لعلكم تسألون : ما هذه السورة ؟ إنها سورة العصر ، قال تعالى : ]وَالْعَصْرِ*إِنَّ
الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ[ .
[سورة
العصر : الآية 1-2]
لقد أَقْسمَ اللهُ جلّ
جلالُه بمطلق الزمن ، العصر ، لهذا الإنسانِ الذي هو في حقيقته زمنٌ ، فهو
بِضْعَةُ أيام ، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه ، وما مِن يوم ينشقُّ فجرُه إلا
وينادي : يا ابن آدم ، أنا خلقٌ جديدٌ ، وعلى عملِك شهيدٌ ، فتزوَّدْ منِّي ، فإني
لا أعود إلى يوم القيامة .
لقد أقسمَ اللهُ
بالزمن للإنسان أنّه في خُسرٍ ، بمعنى أنَّ مُضِيَّ الزمنِ وحدَه يستهلكُ عُمُرَ
الإنسان الذي هو رأسُ ماله ، ووعاءُ عملِه الصالحِ ، الذي هو ثمنُ الجنة التي
وَعَدَه اللهُ بها .
أيها الإخوة الأحباب ،
هلِ الخسارةُ في العُرْفِ التِّجاريِّ إلا أنْ تُضَيِّعَ رأسَ مالِكَ مِن دون
تحقيقِ الربحِ المطلوب ، لكنّ الإنسانَ إذا استثْمرَ الوقتَ فيما خُلِقَ له ،
يستطيع أنْ يتلافَى هذه الخسارةَ ، وذلك بالإيمانِ ، والعملِ الصالحِ ، والتواصي
بالحقِّ ، والتواصي بالصّبرِ .
قال تعالى : ]وَالْعَصْرِ*إِنَّ
الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[ .
[سورة
العصر : الآية 1-3]
أولاً
: الإيمان ، ]إلاّ
الَّذِينَ آمَنُوا[ .
إنّ الإيمانَ هو
اتصالُ هذا الكائنِ الإنسانيّ الصغيرِ ، الضعيف الفاني ، المحدود ، بالأصل المطلقِ
الأزليّ الباقي ، الذي صدرَ عنه هذا الوجودُ ، وعندئذٍ ينطلقُ هذا الإنسانُ من
حدود ذاته الصغيرة ، إلى رحابةِ الكون الكبير ، مِن حدودِ قوته الهزلية ، إلى عظمة
الطاقات الكونية المخبوءة ، من حدود عمره القصير ، إلى امتدادِ الآبادِ التي لا
يعلمُها إلا اللهُ ، هذا الاتصالُ فضلاً على أنه يمنحُ الإنسانَ القوةَ ،
والامتدادَ ، والانطلاقَ ، فإنه يمنحُه السعادةَ الحقيقيةَ التي يَلْهَثُ وراءها
الإنسانُ ، وهي سعادةٌ رفيعةٌ ، وفرحٌ نفيسٌ ، وأُنْسٌ بالحياةِ ، كَأُنْسِ الحبيبِ
بحبيبِه ، وهو كَسْبٌ لا يعدِلُه كسبٌ ، وفقدانُه خسرانٌ لا يعدِله خسرانٌ ،
وعبادةُ إلٍه واحدٍ ترفعُ الإنسانَ عن العبوديةِ لسواه ، فلا يذلّ لأحد ، ولا يحني
رأسَه لغير الواحد القهار ، فليس هناك إلا قوةٌ واحدةٌ ، ومعبودٌ واحدٌ ، وعندئذٍ
تنتفي مِن حياةِ الإنسانِ المصلحةُ ، والهوى ، ليحلّ محلَّها الشريعةُ والعدلُ .
والاعتقادُ بكرامةِ
الإنسانِ ، وهو مِن لوازمِ الإيمانِ ، الاعتقاد بكرامة الإنسان عند الله يرفع من
قيمته في نظر نفسه ، ويثيرُ في نفْسهِ الحياءَ ، مِنَ التّدنِّي عنِ المرتبةِ التي
رَفَعَهُ اللهُ إليها .
ثانياً
: ]إلاّ
الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ .
ولأنّ الإيمانَ أيها
الإخوة ، حقيقةٌ إيجابيةٌ متحركةٌ ، كان العملُ الصالحُ هو الثمرةَ الطبيعيةَ
للإيمان ، فمَا إنْ تستقرَّ حقيقةُ الإيمانِ في ضميرِ المؤمنِ حتّى تسعَى بذاتِها
إلى تحقيق ذاتِها ، في صورةِ عملٍ صالحٍ ، فلا يمكنُ أنْ يظلَّ الإيمانُ في نفسِ
المؤمنِ خامداً لا يتحرّك ، كامنًا لا يَتَبَدَّى ، فإنْ لم يتحرّكِ الإيمانُ هذه
الحركةَ الطبيعيةَ فهو مزيَّفٌ ، أو ميتٌ ، شأنُه شأنُ الزهرةِ ، ينبعثُ أريجُها
منها انبعاثاً طبيعياً ، فإنْ لم ينبعثْ منها أريجٌ فهو غيرُ موجود .
والعملُ الصالحُ أيها
الإخوة ، ليس فلتةً عارضةً ، ولا نزوةً طارئةً ، ولا حادثةً منقطعةً ، إنما ينبعثُ
عن دوافعَ ، ويتّجهُ إلى أهدافٍ ، ويتعاونُ عليه المؤمنون .
الإيمانُ أيها الإخوة
، ليس انكماشاً ، ولا سلبيةً ، ولا انزواءً ، ولا تَقَوْقُعاً ، بل هو حركةٌ
خَيِّرَةٌ نظيفةٌ ، وعَمَلٌ إيجابيٌّ هادفٌ ، وعمارةٌ متوازنةٌ للأرض ، وبناٌء
شامخٌ للأجيال ، يتّجهُ إلى الله ، ويليقُ بمنهج الله ، ورَحِمَ اللهُ عمرَ بنِ
عبد العزيز إذ يقول : ( إن اللّيل
والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما ، ويأخذان منك ، فخذ منهما )
.
يا إخوتنا الأحباب ،
كلما اتَسعتْ رقعةُ العملِ فشملتْ أعداداً كبيرةً من بَني البشرِ حتى دخلتْ فيه
الأممُ والشعوبُ ، وكلّما امتدّ أمدُ العملِ وطالَ حتى توارثتْ ثمارَه أجيالٌ
وأجيالٌ ، وكلما تغلغلَ العملُ في كيانِ الإنسانِ كلِّه ؛ الماديّ والنفسيّ ،
والاجتماعيّ ، والروحيّ ، حتى تحقَّق به وجودُ الإنسان ، وتألّقتْ من خلاله
إنسانيتُه ، وكان كما أريد له أن يكون ، إذاً كلما اتسعتْ رقعةُ العمل ، وعَمَّ
خيره ، وطالَ أمدُه ، واشتدَّ تأثيرُه ، كانَ أعظمَ عندَ اللهِ .
هذه صفاتُ العملِ الصالحِ ، فالنبيّ صلى الله
عليه وسلم أَخْرَجَ الناسَ مِن الظلمات إلى النور ، ومِن دَرَكَاتِ الجاهليةِ إلى
أعلى مراتبِ الإنسانية ، وغيَّر وجهَ التاريخِ البشريّ كله ، إلى اليوم ، وإلى ما
شاء الله ، في ثلاث وعشرين سنة ، أقامَ فيها دينًا جديداً ، وربَّى عليه جيلاً فريداً
، وأنشأ أمّةً مثاليةً ، وأسّسَ دولةً عالميةً ، في هذا الزمن اليسير ، على الرغم
مِن كلّ الصعوباتِ والعوائقِ التي اعترضتْ سبيلَه مِن أوّل يومٍ .
ويزدادُ ثقلُ العملِ في ميزانِ الحقِّ ، وتتضاعفُ
قيمتُه ومثوبتُه عند الله كلما كثرتْ العوائقُ في سبيله ، وعظُمتِ الصوارفُ عنه ،
وقَلَّ المُعينُ عليه .
ويزدادُ ثقلُ العملِ في ميزان الحقِّ ، وتتضاعفُ
قيمتُه ومثوبتُه عند اللهِ حينما تَفْسُدُ المجتمعاتُ ، وتضطرب الأحوالُ ، فيجور
الأمراءُ ، ويتجبّرُ الأقوياءُ - كما ترون - ويترفُ الأغنياءُ ، ويداهِن العلماءُ
، وتشيع الفاحشةُ ، ويظهرُ المنكرُ ، ويختفي المعروفُ ، وفي الحديث عَنْ مَعْقِلِ
بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الْعِبَادَةُ
فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )) .
[أخرجه مسلم (2948)، والترمذي(2201)]
أيها الإخوة الكرام ، حضورًا ومستمعين ، هنا
محلُّ الإشارةِ إلى أنّ الإنسانَ إذا رُزِقَ التوفيقَ في إنفاقِ وقتهِ يستطيعُ أنْ
يُطيلَ عمرَه إلى ما شاء الله بعد موته ، فيحيا وهو ميت ، ويؤدّي رسالتَه وهو تحت التراب
، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ
إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ
بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) .
[أخرجه مسلم (1631) عن أبي هريرة]
فكيف إنْ لم يكن له
عملٌ أصلاً ، ووافتْه المنيّةُ .
وفي حديثٍ آخرَ تضمّنَ تفصيلاتٍ لهذه الثلاث
، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: (( إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ
مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ ، وَمُصْحَفًا
وَرَّثَهُ ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ ،
أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ
وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ )) .
[رواه ابن ماجه(242)وابن خزيمة في صحيحه (2490)]
وأَخرجَ مسلمٌ في صحيحه أنّ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم قال : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا
بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ
شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا
بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ
أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) .
[رواه مسلم (1017)، والنسائي(5/75) وغيرهما عن جرير
بن عبد الله ، وللحديث تتمة]
فوَيْلٌ ، ثم ويلٌ ، ثم ويلٌ ، لِمَنِ انقضتْ
آجالُهم ، وضلالاتُهم ، وآثامُهم باقيةٌ مِن بعدهم ، وهنيئاً ، ثم هنيئًا ، ثم
هنيئًا لِمَن كانوا تحت الثرى ، والناسُ مهتدُون بهديهم سعداء بأعمالهم .
قال صاحب الحكم العطائية : ( رُبَّ عُمُرٍ
اتَّسعت آمادُه ، وقلَّتْ أمدادُه ، ورُبَّ عُمُرٍ قليلةٌ آمادُه ، كثيرةٌ أمدادُه
، ومَنْ بوركَ له في عُمرِه أدركَ في يسيرٍ مِنَ الزمنِ مِنَ المِنَنِ ما لا يدخلُ
تحتَ دائرةِ العبارةِ ، ولا تلحقُه وَمْضَةُ الإشارةِ ) .
[شرح الحكم العطائية للشرنوبي]
ثالثاً
: ]وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ[ .
أيها الإخوة الأعزاء ،
أيتها الأخوات العزيزات ، ]وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ[ ، لأنَّ
النهوضَ بالحقِّ عسيرٌ ، والعوائقَ كثيرةٌ
، والصوارفَ عديدةٌ ، فهناك هوى النفوسِ ، ومنطقُ المصلحةِ ، وظروفُ البيئة
، وضغوطُ العمل ، والتقاليدُ ، والعاداتُ ، والحرصُ ، والطمعُ ، عندئذٍ يأتي
" التواصي بالحق " ، ليكونَ مذكِّراً ، ومشجِّعاً ، ومحصِّناً
للمؤمنِ الذي يجدُ أخاه معه يوصيه ، ويشجِّعه ، ويقف معه ، ويحرصُ على سلامته ،
وسعادته ، ولا يخذُله ، ولا يسلبُه ، وفضلاً عن ذلك ، فإن" التواصي بالحق
" ينقِّي الاتِّجاهاتِ الفرديةِ ، ويَقِيها ، فالحقُّ لا يستقرّ ، ولا يستمرّ
إلا في مجتمعٍ مؤمنٍ ، متواصٍ ، متعاونٍ
متكافلٍ ، متضامنٍ .
أيها الإخوة الكرام في
كل مكان ، فالمرءُ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ يكمِّل نفسَه ، وبالتواصي بالحقِّ
يكمِّل غيرَه ، وبما أنّ كيانَ الأمةِ مبنيٌّ على الدِّينِ الحقِّ الذي جاءنا
بِالنَّقلِ الصحيح ، وأكّده العقلُ
الصريحُ ، وأقرَّه الواقعُ الموضوعيّ ، وتطابقَ مع الفطرة السليمة ، فلا بد أنّ
يستمرَّ هذا الحقُّ ، ويستقرَّ ، حتى تشعرَ الأمةُ بكيانها ، ورسالتها ، "
فالتواصي بالحق " قضيةٌ مصيريةٌ ، فما لم تتنامَ دوائرُ الحقِّ في الأرض
، تنامتْ دوائرُ الباطلِ ، وحاصرتْه ، " فالتواصي بالحق " يعني
الحفاظَ على وجودِه ، والأداءِ لرسالته .
رابعاً
: ]وَتَوَاصَوْا
بِالصَّبْرِ[ .
لقد شاءتْ حكمةُ الله
جل جلاله أنْ تكون الدنيا دارَ ابتلاءٍ بالشَّرِّ والخيرِ ، ودارَ صراعٍ بين
الحقِّ والباطلِ ، لذلك كان التواصي بالصبر ضرورةً للفوزِ بالابتلاءِ ، والغلبةِ
في الصراعِ .
إذاً : لا بد مِنَ
التواصي بالصبر على مغالبةِ الهوى ، وعنادِ الباطل ، وتحّملِ الأذى ، وتكبّدِ
المشقةِ ، لذلك يعدُّ الصبرُ وسيلةً فعالةً لتذليلِ العقباتِ ، ومضاعفةِ القدراتِ
، وبلوغِ الغاياتِ ، قال تعالى : ]إِنْ
تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ
مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ[ .
[سورة النساء ، الآية 104]
أيها الإخوة الكرام ، حضورًا ومستمعين ، العبرةُ
ليست في إنفاقِ الوقتِ ، بل في استثماره ، فالوقتُ إذا أنفقناهُ ضاعَ ، أما إذا
استثمرناهُ فسينمو ، ويُؤتِي ثمارَه في مستقبلِ حياتنا ، وللأجيال القادمة .
إذًا كيف يُنفقُ المسلمُ الزمنَ إنفاقاً استثماريًّا
؟ لئلاّ تُحقَّق به الخسارةُ ، إنَّ هذا ما يسمَّى في المصطلح الحديث (إدارة
الوقت) ، وهو موضوعُ الخطبةِ اليومَ .
يا إخوتنا الأحباب ، الوقتُ في حياةِ المسلمِ
عبادةٌ ممتدَّةٌ ، أمّا الوقتُ في الثقافةِ الغربيةِ ، والنظرياتِ الماديةِ ، فإنه
لا يخرج عن نطاقِ المثل الشائع : " الوقت
هو المال " ، وإذا
وَازَنَّا هذه العبارةَ بقولِ الحسنِ البصري رحمه الله تعالى : ( أدركتُ أقواماً
كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره
) ، نَستنتجُ أنّ الوقتَ عندَ المسلمِ أغلى مِنَ المالِ
، ذلك أنّ المسلمَ يُدرك أنّ المالَ يمكنُ تعويضُه ، بينما الوقتُ لا يمكن
تعويضُه.
أيها الإخوة الكرام ، الإنسانُ حينما يَحرقُ
مبلغاً كبيراً مِنَ المال يُحكَم عليه بالسَّفَهِ ، ويُحْجَر على تصرفاتِه ، ولأنه
مركَّبٌ في أعماقِ الإنسانِ أنّ الوقتَ أثمنُ مِنَ المالِ ، بدليلِ أنه يبيعُ
بيتَه الذي يسكنُه ولا يملكُ شيًا سِوَاهُ ليُجريَ بثمنِه عمليةً جراحيةً ،
متوهِّمًا أنّها تزيدُ في حياتِه سنواتٍ عدةً ، فالوقتُ عندَ كلّ إنسانٍ أثمنُ
مِنَ المال ، وبناءً على هذه المُسَلَّمَةِ فإنّ الذي يُتلفُ وقتَه أشدُّ سَفَهاً
مِنَ الذي يُتْلِفُ مالَه .
إدارةُ الوقتِ هِي فعلُ ما ينبغي ، على الوجهِ
الذي ينبغي ، في الوقتِ الذي ينبغي ، الوقتُ مِن ذَهَبٍ ، بل أغلى من الذهب ، بل
هو لا يُقدَّر بثمن ، إنه أنت ، ويُعَدُّ الوقتُ أحدَ أربعةِ مواردَ أساسية في مجال
الأعمالِ ؛ المواد ، والمعلومات ، والأفراد ، ثم الوقتُ الذي يُعدّ أكثرَها أهميةً
، لأنه كلما تَحَكّمَ الفردُ في وقتِه بمهارةٍ وإيجابيةٍ استطاعَ أن يستثمرَه في
تحقيقِ أقصى عائدٍ ممكنٍ مِنَ المواردِ الأخرى ؛ حيث إنّ الفردَ عندما يديرُ وقتَه
بشكلٍ فعّالٍ هو في الحقيقة يديرُ نفسَه ، وعبادتَه ، وعملَه ، ودنياهُ إدارةً
فعّالةً .
أيها الإخوة ، كي نكونَ واقعيّين ، إنْ لم يكنْ
بالإمكانِ استثمارُ كلِّ الوقتِ ... فعلى الأقلِّ يمكنُ أنْ نستثمرَ أكبرَ قدْرٍ
مِنه .
وعلى الرغمِ مِن هذه الأهميةِ الكبيرةِ للوقتِ
، فإنّ أكثرَ العناصرِ والمواردِ هدراً ، وإنّ أقلَّها استثماراً ، سواء من الجماعات
، أو من الأفراد ، هو الوقتُ ، ويعود هذا لأسبابٍ عدّةٍ ، أهمّها عدمُ الإدراكِ
الكافي للخسارةِ الكبيرةِ المترتبةِ على سُوءِ إدارتِه .
أيها الإخوة ، الوقتُ مَوْرِدٌ نادرٌ ، لا يمكن
تجميعُه ، ولأنّه سريعُ الانقضاءِ ، وما مضى منه لا يرجع ، ولا يعوَّض بشيء ، كان
الوقتُ أنفسَ وأثمنَ ما يملكُ الإنسانُ ، وترجعُ نفاستُه إلى أنه وعاءٌ لكلِّ علمٍ
، ولكلِّ عملٍ ، ولكلِّ عبادةٍ ، فهو في الواقعِ رأسُ المالِ الحقيقيّ للإنسانِ ،
فرداً ومجتمعاً.
ومِنْ هذا المنطلقِ يعدُّ الوقتُ أساسَ الحياةِ
، وعليه تقومُ الحضارةُ ، فصحيحٌ أنّ الوقتَ لا يمكن شراؤُه ، ولا بيعُه ، ولا
تأجيرُه ، ولا استعارتُه ، ولا مضاعفتُه ، ولا توفيرُه ، ولا تصنيعُه ، ولكن يمكن
استثمارُه وتوظيفُه ، أولئك الذين لديهم الوقتُ لإنجازِ أعمالِهم ، ولديهم أيضاً
الوقتُ لمعرفةِ ربِّهم ، وعبادتِه ، والتقرّبِ إليه ، عرفوا قيمتَه ، هم يستثمرون
كلَّ دقيقةٍ مِن وقتهم ، ولذا فإدارةُ
الوقتِ لا تنطلقُ إلى تغييرِه ، أو تعديلِه ، أو تطويرِه ، بل إلى طريقةِ
استثمارِه بشكلٍ فعّالٍ ، ومحاولةِ تقليلِ الوقتِ الضائعِ هَدْراً مِن دون فائدةٍ
0
أيها الإخوة الأعزاء ، أيتها الأخوات العزيزات
، يؤكِّد بعضُ العلماءِ منذ زَمَنٍ قديم أنَّ الوقتَ يمرُّ بسرعةٍ محدّدةٍ وثابتةٍ
، فكلُّ ثانيةٍ أو دقيقةٍ ، وكلُّ ساعةٍ تشبهُ الأخرى ، وأنّ الوقتَ يسيرُ إلى
الأمامِ بشكلٍ متتابع ، وأنه يتحركُ وَفقَ نظامٍ معيَّن مُحكَم ، لا يمكن إيقافُه
، أو تغييرُه ، أو زيادتُه ، أو إعادةُ تنظيمه ، وبهذا يمضي الوقتُ بانتظامٍ نحو
الأمام ، دون أيِّ تأخيرٍ أو تقديم ، ولا يمكن بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ إيقافُه
أو تراكمُه أو إلغاؤُه أو تبديلُه أو إحلالُه ، إنّه موردٌ محدَّدٌ يملكُه الجميعُ
بالتساوي ، فعلى الرّغم مِنْ أنّ الناسَ لم يُولَدوا بقدراتٍ أو فُرَصٍ متساويةٍ ،
فإنهم جميعا يملكون الأربعَ والعشرين ساعةً نفْسَها كلَّ يومٍ ، والاثنينِ
والخمسينَ أسبوعاً كلَّ عام ، وهكذا فإن جميعَ الناس متساوون في ناحيةِ المُدَّة
الزمنية ، سواء أكانوا من كبار الموظفين أم مِن صغارهم ، مِن أغنياء القوم أم مِن
فقرائهم ، لذلك فالمشكلةُ ليستْ في مقدار الوقتِ المتوفّر لكلٍّ مِن هؤلاء ، ولكنْ
في كيفيةِ إدارةِ الوقت المتوفّر لديهم واستخدامِه ، وهل يستخدمونه بشكلٍ جيِّدٍ
ومفيدٍ في إنجاز الأعمالِ المطلوبةِ منهم ، أو يهدرونه ، ويضيِّعونَه في أمور
قليلة الفائدة .
إنّ إدارةَ الوقتِ هي تحديدُ هدفٍ ، ثم تحقيقُه
، قال تعالى : ]أَفَمَنْ
يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[ .
[سورة الملك : الآية 22]
ولا شكّ أنّ مَنْ يمشي
إلى هدفٍ وغايةٍ واضحةٍ أهدى مِمَّن يَخبِطُ خَبْطَ عشواء ، هذه حقيقة .
أيها الإخوة الكرام ، الوقتُ نعمةٌ عظيمةٌ ،
تؤكِّد السُّنّةُ المطهّرةُ ما جاء في القرآن الكريم مِن أنّ الوقتَ مِنْ نِعَمِ الله
على عباده ، وأنهم مأمورون بحفظه ، مسؤولون عنه ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( نِعْمَتَانِ
مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ )) .
[رواه البخاري (6049) ، والترمذي (2304)
وغيرهما]
ومعنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)) ، أيْ الذي يُوَفَّقُ لذلك
قليلٌ ... فقد يكون الإنسانُ صحيحاً ، ولا يكون متفرِّغاً لشغله بالمعاش ، وقد
يكون مستغنيًا ، ولا يكون صحيحاً ، فإذا اجتمعا - الصحةُ والفراغُ - فغَلَبَ على
الإنسان الكسلُ عن الطاعة فهو المغبونُ ، والغبنُ أنْ تشتريَ بأضعافِ الثمنِ ،
وأنْ تبيعَ بأقَلّ مِن ثمنِ المِثْلِ .
أيها الإخوة الكرام ، الوقتُ مسؤوليةٌ كبرى ،
فقد قال عليه الصلاة والسلام : ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ،وَعَنْ
مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ
أَبْلَاهُ )) .
[رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي(2417)]
أيها الإخوة الكرام ،
الوقتُ وعاءُ العبادةِ ، فالصلاةُ والزكاةُ والصيامُ والحجُّ ونحوُها عباداتٌ
محددَّةٌ بأوقاتٍ معيَّنةٍ ، لا يصحّ تأخيرُها عنها ، وبعضُها لا يُقْبَل إذا
أُدِّيَ في غير وقته ، فهي مرتبطةٌ ارتباطاً وثيقاً بالوقتِ ، الذي هو عبارة عن
الظرفِ أو الوعاء الذي تُؤَدَّى فيه .
ومما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
في الحثِّ على أداءِ العباداتِ في وقتِها قولُه حين سئل : (( أَيُّ الْأَعْمَالِ
أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، ثُمَّ الْجِهَادُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) .
[البخاري(504)
، ومسلم(85) عن ابن مسعود]
الوقت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام
: كان عليه الصلاة والسلام مِن أَشَدِّ الناسِ حِرْصاً على وقته ، وكان لا يَمضي
له وقتٌ مِن غير عَمَلٍ لله تعالى ، أو فيما لا بدّ له لصلاحِ نفسه ، يقول علي بن
أبي طالب رضي الله عنه يصف حالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( كان
إذا أَوَى إلى مَنْزله جَزَّأ دُخولَه ثلاثة أجزاء : جُزءا للّه ، وجُزءا لأهلْه ،
وجُزءا لنَفْسه ، ثم جَزَّأ جُزْءَهُ بَيْنَهُ وبين الناس ، فَيردَ ذلك على
العامَّة بالخاصَّة )) .
[ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/423) ،
والبيهقي في شعب الإيمان(2/156)]
أيها الإخوة الكرام ، وفي
السنة النبوية الشريفة إشارات إلى أهمية الوقت :
فعن أبن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : (( اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ
هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغِكَ
قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ )) .
[أخرجه الحاكم في المستدرك (4/341) ، وابن
أبي شيبة في المصنف (7/77) ، والمنذري في الترغيب والترهيب (4/125)]
بل في حديث رائع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ
: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنْ قَامَتْ
السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ
حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))
.
[أخرجه أحمد (13004)]
لابن القيم رحمه الله تعالى قول في قيمة الوقت
في حياة المسلم ، يقول : ( فالعارفُ ابنُ
وقتِه ، فإنْ أضاعَه ضاعت عليه مصالحُه كلها ، فجميعُ المصالحِ إنما تنشأ مِنَ
الوقت ، فمتَى أضاعَ الوقتَ لم
يستدرِكْه ، فوقتُ الإنسانِ هو عمرُه في الحقيقة ، وهو مادةُ حياتِه الأبديةِ في
النعيم المقيم ، ومادةُ المعيشة الضنكِ في العذابِ الأليمِ ، وهو يمرّ أسرعَ مِن
مَرِّ السحابِ ، فما كان مِن وقتِه لله ، وبالله فهو حياتُه وعمرُه ، وغيرُ ذلك
ليس محسوبًا مِن حياته ، وإنْ عاشَ فيه عيشَ البهائم ، فإذا قَطَعَ وقتَه في
الغفلةِ والشهوةِ والأماني الباطلةِ ، وكان خيرُ ما قطعه بالنوم والبطالة ، فموتُ
هذا خيرٌ له مِن حياته ، وإذا كان العبدُ وهو في الصلاة ليس له من صلاته إلا ما
عَقَلَ منها ، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله) .
[الجواب الكافي لمَن سأل عن الدواء الشافي (ص201) ،
بتصرف يسير]
أيها الإخوة الكرام ،
من جَهِل قيمةَ الوقتِ فسيأتي عليه موقفان خطيران ، يتذكّر فيهما قيمةَ الوقت .
الموقف الأول : ساعةُ الاحتضارِ ، حينَ يودِّع
الدنيا ، ويستقبلُ الآخرة ، ويتمنّى لو مُنِحَ مهلةً من الزمن ، وأُخِّر إلى أجلٍ
قريبٍ ، ليُصلِحَ ما أفسدَ ، وليتداركَ ما فاتَ .. قال تعالى : ]يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ*وَأَنْفِقُوا
مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ
رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ
الصَّالِحِينَ[ .
[سورة
المنافقون : الآية 9-10]
ويأتي الرد الإلهيّ : ]وَلَنْ
يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[
.
[سورة
المنافقون : الآية 11]
الموقف الثاني : في الآخرة ، حيث تُوفَّى كلُّ
نفسٍ ما عملتْ ، وتُجزَى بما كسبت ، ويدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ ، وأهلُ النارِ النارَ
، هناك يتمنّى أهلُ النارِ لو يعودون إلى دارِ التكليفِ ، ليعملوا عملاً صالحاً ،
ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ ، فقد انتهى زمنُ العمل ، وجاء زمنُ الجزاءِ ، قال تعالى : ]وَالَّذِينَ
كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ
عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ*وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ
فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ
النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ[ .
[سورة فاطر : الآية 36-37]
أيها الإخوة الكرام ، أيها الإخوة الأحباب ،
القرآنُ يحذِّر مِنَ الغفلة أشدَّ التحذير ، قال تعالى : ]وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ
بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ
بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[ .
[سورة الأعراف : الآية 179]
آفةٌ أخرى أيها الإخوة ، تصيبُ الناسَ ، إنها
التسويفُ ، غدًا ، وبَعْدَ غدٍ ، وسوف أتوبُ ، وبعْد انتهاء العام الدراسي ، وبعد
تأسيسِ المحلِّ ، وبعْد الزواجِ ، آفة أخرى هي التسويف ، قال الحسن البصري رحمه
الله : ((
إيّاكَ والتسويفَ ، فإنّك بيومِك ، ولستَ بغدك ، فإنْ يكن غدٌ لك ، فكنْ في غدٍ
كما كنتَ في اليوم ، وإنْ لم يكن لك غدٌ ، فلنْ تندمَ على ما فرَّطتَ في اليومِ )) .
وقيل لعالم جليل :
أوصنا ، فقال : ((احذروا ( سوف ) فإنها جند من جنود
إبليس ))
، ولله دَرُّ
مَنْ قال :
فَكَمْ مِن سَليمٍ مَات مِن غيرِ عِلّةٍ وَكَمْ مِن
سقيمٍ عَاشَ حِيناً مِنَ الدَّهْرِ
وَكَمْ مِن فتًى يُمسي ويُصبحُ آمناً وقد نُسِجَتْ
أكفانُه وهو لا يَـدْرِي
***
عبدُ اللهِ بن رواحةَ ، صحابيٌّ جليل ، القائدُ
الثالثُ في معركةِ مؤتةَ ؛ ففيما تروي بعض السيرُ ، حين قُتل زيدٌ ، القائدُ
الأولُ ، ثم قُتل جعفرُ ، القائدُ الثاني ، وجاء دورُه في القيادة ، وكان شاعراً ،
تردَّد قليلاً في حَمْلِ الراية ، وقال هذين البيتين :
***
يا نفسُ إلاّ تُقْتَلي تَمُـوتِي هذا
حِمَامُ الموتِ قدْ صَلِيتِ
وما تمنَّيتِ فقد لقِيـــتِ إنْ
تفْعلِي فِعْلَهُمَا هُدِيــتِ
ثم أخَذَ الرايةَ ، وقاتلَ بها حتى قُتِلَ ، وكان
النبيُّ عليه الصلاة والسلام مع أصحابه فقال : (( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ
بْنُ حَارِثَةَ ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا ، ثُمَّ أَخَذَهَا
جَعْفَرُ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ
بْنِ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا ، لَقَدْ رُفِعُوا لِي فِي
الْجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَرَأَيْتُ فِي
سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرِ صَاحِبَيْهِ ،
فَقُلْتُ : بِمَ هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي : مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ
رَوَاحَةَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ وَمَضَى)) .
[مجمع الزوائد (6/160) ، وقال : أخرجه
الطبراني عن رجل من الصحابة ، وانظر حلية الأولياء (1/120) ، والسيرة
النبوية(5/31) ، وتفسير القرطبي (10/368)]
قرأتُ البيتين ،
وعددتُ الزمنَ ، فكان الزمنُ عشرَ ثوانٍ فقط .
أرأيتم أيها الإخوة إلى هذا التردُّدِ الذي لا
يزيد عن عَشْرِ ثوانٍ ، كيف أنّه هَبَطَ بمنزلةِ صاحبِه في الجنة ، مع أنّه بَذَلَ
حياتَه في سبيل الله ، إنَّ هذه القصة إنْ صحَّتْ تؤكِّد قيمةَ الوقتِ في حياة
المسلم .
الموضوع العلمي :
أيها الإخوة الكرام ، إلى الموضوع العلمي كما
تعوَّدتم ، يقول الله تعالى : ]وَالشَّمْسُ
تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[ .
[سورة يس : الآية 38]
الشّمسُ الزمانُ ، وهي سببُ حصولِه ، ومُنْشَعَبُ فروعِه ،
وأصولِه ، وكتابُه بأجزائِه وفصولِه ، لولاها ما اتَّسقتْ أيامُه ، ولا انتظمتْ
شهورُه وأعوامُه ، ولا اختلف نورُه وظلامُه ، قال تعالى : ]وَالشَّمْسُ
تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[ .
في مَوْقِعٍ معلوماتيٍّ في حقلِ الإعجازِ العلميِّ
في الكتاب والسنة وَرَدَتْ هذه الحقائقُ المذهلة ، ]وَالشَّمْسُ
تَجْرِي[
.
إنّ الشمسَ نجمٌ عاديٌّ ، يقع في الثلثِ الخارجيّ
لشعاعِ قرصِ المجرّة اللَّبنية ، وهي تجري بسرعة (230) كلم في الثانية حولَ مركزِ
المجرةِ اللبنيةِ ، الذي يبْعُدُ عنه ثلاثين ألف سنة ضوئية ، ساحبةً معها الكواكبُ
السيَّارةُ ، التي تتبعُها حيثُ تُكمِلُ دورةً كاملةً حول مجرّتها ، فمنذُ
ولادتِها التي ترجع إلى خمسةِ مليارات سنة تقريباً أكملتْ الشمسُ وما تبعَها من
نجومٍ ثماني عشرةَ دورةً حولَ المجرةِ اللبنية ، التي تجري نحوَ تجمّعٍ أكبرَ هو كُدْسُ
المجرات ، وكُدْسُ المجراتِ يجري نحو تجمّع أكبرَ هو كُدْسُ المجراتِ العملاقُ ،
والكُدسُ المجموعةُ الكبيرةُ ، فكل جِرم في الكون يجري ويدورُ حولَ جِرمٍ آخرَ ،
وهذا معنى قوله تعالى: ]وَالسَّمَاءِ
ذَاتِ الرَّجْعِ[ .
[سورة الطارق : الآية 11]
أي كلُّ نجمٍ يدورُ حولَ نجمٍ آخرَ ، ويرجعُ إلى
مكانِ انطلاقهِ النسبيِّ ، وهذه الحقيقةُ تنتظمُ الكونَ كلَّه ، قال عزوجل : ]وَالشَّمْسُ
تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا[ .
إنّ مستقرَّ الشمسِ هو أجلُها المسمّى ، والمقدّرُ
لها مِنَ العزيز العليم ، أي الوقت الذي فيه ينفذُ وقودُها فتنطفئُ ، وهذا المعنى
لمستقرّ الشمس نستنتجُه من الآية الكريمة التالية : ]وَسَخَّرَ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى[ .
[سورة الرعد ، الآية 2]
وقد تكررت هذه الآية الكريمة ستَّ مرات(4) في كتاب الله – [وهذه المواضع هي : ((اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى)) [ الرعد : 2] ، ((يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى )) [ فاطر : 13] ، ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)) [لقمان : 29] ، ((وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)) [يس : 38] ، ((لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [يس : 40] ، ((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى)) [الزمر : 5] ، وهناك موضع آخر ، وهو قوله تعالى : (( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [الأنبياء : 33] [ - ربما كي نتوقف عند الإعجاز العلميِّ الكامنِ فيها ، فحتى القرنِ التاسعِ عشر كانت المعلوماتُ الفلكيةُ تقول بأزليّةِ النجومِ ، أما تقديرُ العزيزِ العليمِ فهو بأنّ للشمسِ أجلاً مسمًّى كَكُلِّ المخلوقاتِ ، ولم يكشفْ عِلمُ الفَلَكِ إلاّ في القرن العشرين أنّ النجوم تولَدُ ، وتنمو ، وتكبُر ، وتهرم ، وتموت ، وقد أشار القرآن الكريم إلى موتِ الشمسِ بالتحديد فقال :