خطبة جمعة
إذاعية "67" : بتاريخ 22/
10/ 2004 : صلة الرحم ، لفضيلة
الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الجلال
والإكرام ، الملك القدوس السلام ، أحمد ربي وأشكره على عظيم الإنعام ، وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له ، ذو العزة التي لا تضام ، وذو الملك الذي لا يرام ،
وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله أفضل من صلى وصام ، وحج بيت الله الحرام
، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه الكرام .
أما بعد ، فاتقوا الله
عباد الله حق التقوى ، فهي وسيلتكم إلى ربكم في هذه الدنيا ، وفي الأخرى 0
نحن في أوائل رمضان
... وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا
دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ
جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ ))
.
[رواه
البخاري ومسلم]
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((
إِذَا
كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ
الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ،
وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وَيُنَادِي
مُنَادٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ،
وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ )) .
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((
مَنْ
صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
)) .
[رواه
البخاري ومسلم]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((
مَنْ
قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) .
[رواه
البخاري ومسلم]
أمّةَ القرآن ، هذا
شهر الصيام ، أحد أركان الإسلام ، فضله الله على شهور العام ، وأفاض فيه على
المسلمين الخيرات والبركات ، وضاعف لهم فيه الحسنات ، وتجاوز فيه عن الذنوب والسيئات
، أقال فيه العثرات ، فهو شاهد للمحسنين ، وشاهد على المعرضين والمفسدين ، وأنتم
معشر المسلمين في أوله ، وما أسرع انقضاء آخره ، فأروا الله من أنفسكم خيراً بالتوبة
من المحرمات ، وبفعل الطاعات ، فإن هذا الشهر من أسباب مكفرات الذنوب ، والشفاء من
العيوب ، فرض الله جل جلاله عليكم صيامه ، وسنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه
، وبشر على القيام بذلك أعظم البشائر ، فاغتنموا هذا الشهر يا ذوي الألباب
والبصائر .
وموضوعات رمضان الكبرى
: التقوى ، وهي علة الصيام ، والقرآن حيث أنزل في رمضان ، وصلة الأرحام أفضل
أوقاتها في رمضان ، ثم ليلة القدر ، والعتق من النار ، وقد تحدثت في خطبتين
سابقتين في هذا المسجد عن التقوى ، وأنها علة الصيام ، وعن القرآن الذي أنزل في
رمضان ، وها نحن أولاء نتحدث عن صلة الأرحام .
أهمية صلة الرحم من العبادات
التعاملية
إنّ رمضان شهرُ البرّ
والصلةِ ، وشهر التعاطفِ والمرحمةِ ، فالقلوب تلين لذكرِ الله ، والنفوسُ تستجيبُ
لداعي الله ، فلا ترى من جرّاء ذلك إلا أعمالاً زاكيات ، وقرباً من ربّ الأرض
والسماوات .
ذلك لأن الإسلامَ يهدِف
إلى بناءِ مجتمعٍ متراحمٍ متعاطِف ، تسودُه المحبّةُ والإخاء ، ويهيمِن عليه حبّ
الخيرِ والعَطاء ، والأسرةُ وحْدةُ المجتمع ، تسعَد بتقوى الله ورعايةِ الرّحِم ، لذلك
اهتمّ الإسلامُ بتوثيق عُراها ، وتثبيتِ بُنيانها ، فجاء الأمر برعايةِ حقّها بعدَ
توحيد الله وبرّ الوالدين ، قال جلّ وعلا :

[النساء : 36]
وقُرِنَت مع إفرادِ
الله بالعبادةِ والصّلاةِ والزّكاة فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ
يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : (( تَعْبُدُ اللَّهَ لَا
تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَصِلُ
الرَّحِمَ )) .
وقد
أُمِرَت الأمم قبلَنا بصِلة أرحامِها ، قال سبحانه :

[
البقرة : 83]
ودَعا إلى صِلتها
نبيُّنا محمّدٌ e في مَطلعِ نُبوّته ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ
قَالَ : قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ : ((
كُنْتُ
وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ ،
وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ ،
فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا ، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي
، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ e مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ ، فَتَلَطَّفْتُ
حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا
نَبِيٌّ ، فَقُلْتُ : وَمَا نَبِيٌّ ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي اللَّهُ ، فَقُلْتُ :
وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ،
وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ...)) .
[
رواه مسلم ]
وسأل هِرقل أبا سفيانٍ
عن النبيّ ما يقول لكم ؟ قال : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ : ((
سَأَلْتُكَ
: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ ،
وَالصِّدْقِ ، وَالْعَفَافِ ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ
، قَالَ : وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ )) .
[رواه
البخاري ومسلم]
وأمَر بها عليه الصلاة
والسلام أوّلَ مقدمِه إلى المدينة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ :
لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ
النَّاسُ قِبَلَهُ ، وَقِيلَ : قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ
، ثَلَاثًا ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ
عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ
سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ : ((
يَا
أَيُّهَا النَّاسُ ، أَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ، وَصِلُوا
الْأَرْحَامَ ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِسَلَامٍ )) .
[
رواه الترمذيّ وابن ماجه واللفظ له]
وهي وصيّة النبيّ e ، قال أبو ذر: (( أوصاني
خليلِي بصِلة الرّحم وإن أدبَرَت )) .
فصِلةُ ذوي القربَى
أمارةٌ على الإيمان ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((
...
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ...))
.
صلةُ
الحرم عبادةٌ جليلة مِن أخصِّ العبادات ، يقول عمرو بن دينار : "ما مِن
خَطْوةٍ بعد الفريضةِ أعظمُ أجرًا من خَطوةٍ إلى ذي الرّحم " .
ثوابُها
معجَّل في الدنيا ، ونعيمٌ مدَّخرَ في الآخرة ، قال e : (( ليس شيء أُطِيعَ اللهُ
فيه أعْجَل ثوابًا من صِلةِ الرحم )) .
والقائمُ
بحقوقِ ذوي القربَى موعودٌ بالجنّة ، يقول عليه الصلاة والسلام عَنْ عِيَاضِ بْنِ
حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ : (( ... وَأَهْلُ
الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ ، ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ وَرَجُلٌ
رَحِيمٌ ، رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى ، وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ
مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ )) .
[رواه
مسلم]
أمَرَ الله بالرّأفة
بالأرحام كما نرأَف بالمِسكين ، قال عزّ وجلّ :

[الإسراء
: 26]
وحقُّهم في البذلِ
والعطاء مقدّمٌ على اليتامَى والمساكين ، قال سبحانَه :

[البقرة
: 215]
وللسخاءِ عليهم ثوابٌ
مضاعفٌ من ربِّ العالمين ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((
الصَّدَقَةُ
عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ
وَصِلَةٌ )) .
[
النسائي وابن ماجه ]
وأوّلُ مَن يُعطَى مِن
الصدقة هم الأقربون مِن ذوي المَسكنَة ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ يَقُولُ : (( كَانَ أَبُو طَلْحَةَ
أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ
بَيْرُحَاءَ ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا ، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا
طَيِّبٍ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ : ] لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : ] لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ ، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ ، وَإِنَّهَا
صَدَقَةٌ لِلَّهِ ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَضَعْهَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ ، فَقَالَ : بَخٍ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، ذَلِكَ
مَالٌ رَابِحٌ ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا ، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي
الْأَقْرَبِينَ ، قَالَ : أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَسَمَهَا أَبُو
طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ ، وَبَنِي عَمِّهِ )) .
[
متفق عليه ]
فالباذلُ لهم سخيُّ
النّفس ، كريم الشّيَم ، يقول الشعبيّ رحمه الله : " ما ماتَ ذو قرابةٍ لي
وعليه دينٌ إلاّ وقضيتُ عنه دينه " .
ماذا تعني كلمة الأرحام ؟
الأول
: رحم الدين ، وهي رحم عامة تشمل جميع المسلمين ، وتتفاوت صلتهم حسب قربهم وبعدهم
من الدين ، وكذلك حسب قربهم وبعدهم المكاني .
ويدل على ذلك قوله
تعالى :

[الحجرات
: 10]
فأثبت الله الأخوّةَ
الإيمانية لجميع المسلمين .
وقوله :

[محمد]
الثاني
: رحم القرابة ، القريبة والبعيدة ، من جهتي الأبوين .
ولكل من
هذين النوعين حقوق ونوع صلة.
الروابطُ تزداد
وُثوقًا بالرّحم ، وقريبُك لا يَمَلّكَ على القرب ، ولا ينسَاك في البُعد ، عِزّهُ
عزٌّ لك ، وذُلّه ذُلٌّ لك .
قال القرطبي رحمه الله
: " اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة ، وأن قطيعتها محرمة .
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : ((
إِنَّهُ
مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَحُسْنُ
الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ )) .
[أحمد]
عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((
إِنَّ
الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ )) .
[الترمذي]
ما معنى صلة الرحم ؟
الرحم العامة رحم الدِّين
، ويجب صلتها بملازمة الإيمان ، والمحبة للمؤمنين ، ونصرتهم ، والنصيحة لهم ، وترك
أذيتهم ، والعدل بينهم ، والإنصاف في معاملتهم ، والقيام بحقوقهم الواجبة ، كتمريض
المرضى ، ومواساة الفقراء ، من دون أن يمن عليهم ، ونصرة المظلومين ، وحقوق الموتى
، من غسلهم ، والصلاة عليهم ، ودفنهم ، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لأهل الإيمان
0
الرحم
الخاصة رحم القرابة ، وتكون صلتها بزيارتهم ، وتفقد أحوالهم ، والسؤال عنهم ،
والإهداء إليهم ، والتصدق على فقيرِهم ، والتلطف مع وجيههم وغنيّهم ، وتوقير
كبيرهم ، ورحمة صغيرهم ، وتكون الصلة باستضافتهم ، وحسن استقبالهم ، وإعزازهم ،
ومشاركتهم في أفراحهم ، ومواساتهم في أتراحِهم .
وتكون
الصلة أيضاً بالدعاء للأرحام ، وسلامة الصدر لهم ، والحرص على نصحهم ، ودعوتهم
للخير ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وإصلاح ذات البين إذا فسدت
وتكون
الصلة أيضاً ببشاشةٍ عند اللّقاء ، ولينٍ في المُعاملة ، إلى طيبٍ في القول ، وطلاقةٍ
في الوجه ، وزيارات وصِلات ، وإحسانٌ إلى المحتاج ، وبذلٌ للمعروف ، ونصحُهم ، والنّصحُ
لهم ، ومساندةُ مكروبِهم ، وعيادةُ مريضهم ، الصفحُ عن عثراتهم ، وترك مُضارتهم ،
والمعنى الجامِع لذلك كلِّه : إيصالُ ما أمكَن من الخير ، ودفعُ ما أمكنَ منَ
الشرّ .
ثم
إن الأقارب يختلفون في أحوالهم ، وطباعهم ، ومنازلهم ، فمنهم من يرضى بالقليل ،
فتكفيه الزيارة السنوية ، والمكالمة الهاتفية ، ومنهم من يرضى بطلاقة الوجه ،
والصلة بالقول ، ومنهم من يعفو عن حقه كاملاً ، ويلتمس المعاذير لأرحامه ، ومنهم
من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة ، وبالاهتمام الدائم ، فمعاملتهم بهذا المقتضى
تعين على حسن الصلة بهم ، واستيفاء مودتهم .
وبشكل
مختصر تبدأ صلة الرحم بنوع من الاتصال الهاتفي أو البريدي ، ثم الزيارة ، ثم تفقد
الأحوال المعيشية والاجتماعية ، ثم المساعدة بألطف أسلوب ، ثم الأخذ بيد القريب ،
وأهله إلى الله ، وحملهم على طاعته ، والتقرب إليه ، وهذا تاجٌ تتوّج به هذه الصلة
، وعندئذ تكون هذه الصلة حققت هدفها الأكبر .
أيها الأخ الكريم :
حتى لو كان الأقارب من
النوع المتعب الذي يقابل الإحسان بالإساءة ، فلا يجوز أن تقاطعهم ، لأنك تتعامل مع
الله تعالى طاعة لأمره ، والتزاما بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى ذلك يجب
على المسلم أن يسلك كل السبل ليصل أرحامه ، ويحسن إلى أقاربه وجيرانه .
إنّ ذوي الرّحِم غيرُ
معصومين ، يتعرّضون للزّلَل ، ويقَعون في الخَلل ، وتصدُر منهم الهَفوات ، ويقَعون
في خطيئات كبيرات ، فإن بَدَر منهم شيءٌ من ذلك فالزَم جانبَ العفوِ معهم ، فإنَّ
العفوَ من شِيَم المحسنين ، وما زادَ الله عبدًا بعفو إلاّ عِزًّا ، وقابِل
إساءَتهم بالإحسان ، واقبل عُذرَهم إذا اعتذروا ، ولك في النبي الكريم يوسف القدوة
والأسوة ، فقد فعل إخوةُ يوسفَ مع يوسفَ ما فعلوا ، وعندما اعتذروا قبِل عذرهم
وصفَح عنهم الصفحَ الجميل ، ولم يوبِّخهم ، بل دعا لهم وسأل الله المغفرةَ لهم ،

[يوسف]
فغُضَّ عن الهفواتِ ،
واعفُ عن الزّلاّت ، وأقِلِ العثرات ، تجْنِ الودَّ والإخاء ، واللينَ والصفاء ،
وتتحقَّقُ فيك الشهامةُ والوفاء ، وداوِم على صِلة الرّحم ، ولو قطعوا ، وبادِر
بالمغفرة ، وإن أخطؤوا ، وأحسِن إليهم وإن أساؤوا ، ودَع عنك محاسبةَ الأقربين ،
ولا تجعَل عِتابَك لهم سبباً لبعدهم عنك ، وكُن جوادَ النّفس كريمَ العطاء ، وجانبِ
الشحَّ ، فإنّه من أسباب القطيعة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :
خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ((
إِيَّاكُمْ
وَالشُّحَّ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ ، أَمَرَهُمْ
بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا ، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ
فَفَجَرُوا )) .
[
أبو داود ، أحمد ]
قيل لأحدهم : ما حقّ
الرّحم ؟ قال : " تُستَقبَل إذا أقبَلت ، وتُتْبَع إذا أدبَرت " .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَجُلًا قَالَ : (( يَا رَسُولَ
اللَّهِ ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي ، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ
وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ ، فَقَالَ :
لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ ، وَلَا يَزَالُ
مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ )) .
[رواه
مسلم ]
أما إذا كانت الرحم فاجرة
أو فاسقة ، فتكون بالعظة والتذكير ، وبألطف تعبير ، وبذل الجهد الكبير ، فإذا أعيتك
الحيلة في هدايتهم كأن ترى منهم عناداً ، أو استكباراً ، أو أن تخاف على نفسك أن تتردى
معهم ، وتهوي في حضيضهم فابتعد عنهم
، واهجرهم الهجر الجميل الذي لا أذى فيه ولا تحقير ، وردد هاتين القاعدتين ؛
" دع خيراً عليه الشر يربو " ، و " درء المفاسد مقدم على جلب
المنافع " ، وأكثر من الدعاء لهم بالهداية ، وأعد الكَرة بعد الكَرة ، والمرة
تلو المرة .
وإكرامُ ذوي القراباتِ
مأمور به ، على ألاّ يكونَ في التّقديمِ بخسٌ لأحدٍ أو هضمٌ لآخرين ، قال سبحانه :

[الأنعام : 152]
ثمار صلة الرحم :
صلةُ الرّحم تدفَع
بإذن الله نوائبَ الدّهر ، وترفع بأمرِ الله عن المرء البَلايا ، قَالَ جبريل
للنبي e : (( ] اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ
مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [ ، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : زَمِّلُونِي ، زَمِّلُونِي ، فَزَمَّلُوهُ
حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ
: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : كَلَّا ، وَاللَّهِ مَا
يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ،
وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ
الْحَقِّ )) .
[رواه
البخاري ومسلم عن عائشة]
لقد خلق الله الرحمَ ،
وشقَقَ لها اسمًا من اسمِه ، ووعَد ربُّنا جلّ وعلا بوصلِ مَن وصلَها ، ومَن وصَله
الرحيمُ ، وصلَه كلُّ خير ، ولم يقطَعه أحد ، ومن بَتَره الجبّار لم يُعلِه بشرٌ ،
وعاشَ في كَمَد ،

[الحج : 18]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((
إِنَّ
اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ
: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا
تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ قَالَتْ :
بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ : فَهُوَ لَكِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ] فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي
الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [ )) .
[
متفق عليه ]
عَنْ عَائِشَةَ
قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((
الرَّحِمُ
مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ ، تَقُولُ : مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ
قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ )) .
[مسلم]
صلةِ الرّحم ؛ محبّةُ
للأهل ، وبَسطُ الرّزق ، وبركةُ العُمر ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((
تَعَلَّمُوا
مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ
مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ ، مَنْسَأَةٌ فِي أَثَرِهِ ))
.
[
رواه أحمد ]
وفي صحيح البخاريّ
ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ
يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) .
[متفق
عليه]
صلةُ الرّحم أمارةٌ
على كَرَم النّفس ، وسَعَةِ الأفُق ، وطيبِ المنبَتِ ، وحُسن الوَفاء ، ولهذا قيل
: مَن لم يَصْلُحْ لأهلِه لم يَصْلُحْ لك ، ومَن لم يذُبَّ عنهم لم يذبَّ عنك ،
يُقْدِم عليها أولو التّذكرةِ وأصحابِ البصيرة .
وصلة الرحم مدعاة لرفعه
الواصل ، وسبب للذكر الجميل ، وموجبة لشيوع المحبة ، وعزة المتواصلين .
صلة الرحم تقوَي
المودَّة ، وتزيدُ المحبّة ، وتتوثَّق عُرى القرابةِ ، وتزول العداوةُ والشّحناء ،
فيها التعارفُ والتواصلُ والشعور بالسّعادة 0
واقع معظم المقصرين :
كثير من الناس مضيعون
لهذا الحق ، مفرطون فيه ، فمن الناس من لا يعرف قرابته لا بصلة ولا بمال ، ولا
بجاه ولا بحال ، ولا بخلق ولا بود ، تمضي الشهور وربما الأعوام ولا يقوم بزيارتهم
، ولا يتودد إليهم لا بصلة ولا بهدية ، ولا يدفع عنهم مضرة ولا أذية ، بل ربما
أساء إليهم ، وأغلظ القول لهم .
ومن الناس من لا يشارك
أقاربه في أفراحهم ، ولا يواسيهم في أتراحهم ، ولا يتصدق على فقرائهم ، بل تجده
يقدم عليهم الأباعد في الصلات والهبات .
ومن الناس من يصل
أقاربه إن وصلوه ، ويقطعهم إن قطعوه , وهذا في الحقيقة ليس بواصل ، وإنما هو مكافئ
للمعروف بمثله ، وهو حاصل للقريب وغيره ، والواصل حقيقة هو الذي يتقي الله في
أقاربه ، فيصلهم لله سواء وصلوه أو قطعوه ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((
لَيْسَ
الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ
وَصَلَهَا )) .
[البخاري]
ومن مظاهر القطيعة :
أن تجد بعض الناس يحرص على دعوة الأباعد ، ويغفل أو يتغافل عن دعوة الأقارب ، وهذا
مالا ينبغي ؛ فالأقربون أولى بالمعروف قال الله عز وجل :

[
الشعراء :214]
نتائج قطيعة الرحم :
إنّ
معاداة الأقاربِ شرّ وبلاء ، الرّابح فيها خاسِر ، والمنتصِر مهزوم ، وقطيعةُ
الرّحم مِن كبائر الذّنوب ، وقبائح العيوب متوَعَّدٌ صاحبُها باللّعنةِ والثبور ،
قال تعالى :

[محمد
: 22 ـ 23]
فالتدابرُ بين ذوِي
القربَى مؤذِنٌ بزوالِ النِّعمة وسوءِ العاقبةِ وتعجيلِ العقوبة ، عَنْ جُبَيْرِ
بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ : (( لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ قَاطِعٌ )) .
[
رواه البخاري ومسلم]
فعقوبتُها معجَّلة في
الدّنيا قبلَ الآخرة ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَا مِنْ
ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا
مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ ـ أي الظلم
ـ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ )) .
[
رواه الترمذي ]
قطيعة الرحم سببٌ
للذِلّة والصّغار ، والضّعفِ والتفرّق ، مجلَبةٌ للهمّ والغمّ ، فقاطعُ الرّحم لا
يثبُت على مؤاخاة ، ولا يُرجَى منه وفاء ، ولا صِدقٌ في الإخاء ، يشعر بقطيعةِ
الله له ، ملاحَقٌ بنظراتِ الاحتِقار ، مهما تلقَّى من مظاهِر التبجيل ، لقد كان
الصحابة رضي الله عنهم يستوحِشون مِن الجلوس مع قاطِع الرّحم .
الخطوة العملية :
ومن كان بينه وبين
رحمٍ له عداوة فليبادِر بالصّلة ، وليعفُ وليصفح ،

[الشورى
: 40]
وإنّ لحُسنِ الخُلُق
تأثيرًا في الصّلة ، والزَم جانبَ الأدَب مع ذوي القربَى ، فإنّ مَن حَفِظَ لسانَه
أراح نفسَه ، وللهديّةِ أثرٌ في اجتلابِ المحبّة ، وإثباتِ المودّة وإذهابِ
الضغائن ، وتأليفِ القلوب .
والرسول صلى الله عليه
وسلم يحذرنا من الخصام والخلاف والقطيعة فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((
لَا
يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، يَلْتَقِيَانِ ،
فَيَصُدُّ هَذَا ، وَيَصُدُّ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ
)) .
[البخاري]
ويقول ربنا سبحانه
وتعالى :

[فصلت]
يحذرنا صلى الله عليه
وسلم من مصير قاطع الرحم ، فعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ )) . قَالَ
سُفْيَانُ : يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ .
[متفق
عليه]
واحذروا
أيها المؤمنون من قطيعة الرحم ، فإنها سبب للعنة الله وعقابه ، يقول الله عز وجل : 
[محمد
]
ويقول تعالى :

[الرعد]
من هدي النبي ص في صلة الرحم :
كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم أرق الناس ، وأعفهم ، وأوصلهم ، وأحلمهم ؛ ولذلك ذكر الله خُلُقَه ومناقبه
في القرآن ، فقال :

[القلم
:4]
وقال له :

[آل
عمران :159]
فقد بلغ في صلة الرحم
مبلغاً عظيماً ، ضرب به المثل على مرِّ التاريخ ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه صلى
الله عليه وسلم ، قام قرابته ـ أبناء عمه وأقاربه ـ فأخرجوه من مكة ، وطاردوه وشتموه وآذوه ، حاربوه في المعارك ،
ونازلوه في الميدان ، وقاموا بحرب عسكرية وإعلامية واقتصادية ضده ، فلما انتصر
ماذا فعل ؟
(( دخل مكة
منتصرا ً، ووقفت له الأعلام مكبرة ، وطنت بذكر نصره الجبال والوهاد ، فلما انتصر ،
وقف عند حلق باب الكعبة صلى الله عليه وسلم منحنياً ، وهو يقول للقرابة وللعمومة :
ما ترون أني فاعل بكم ؟ فيتصورون الجزاء المر ، والقتل الحار ، والموت الأحمر ،
فيقولون وهم يتباكون : أخ كريم ، وابن أخ كريم ، فتدمع عيناه ، ويقول : اذهبوا
فأنتم الطلقاء ))
!
[السيرة
النبوية]
كأنه يقول :
عفا الله عنكم وسامحكم .
ويأتي ابن عمه أبو
سفيان بن الحارث ، فيسمع بالانتصار ، وقد آذى الرسول عليه الصلاة والسلام ، وشتمه
وقاتله ، فيأخذ هذا الرجل أطفاله ، ويخرج من مكة ، فيلقاه علي بن أبي طالب ، ويقول
: يا أبا سفيان ! إلى أين تذهب ؟ قال : أذهب بأطفالي إلى الصحراء فأموت جوعاً
وعرياً! والله إن ظفر بي محمد ليقطعني بالسيف إرباً إِرباً ! فيقول علي ـ وهو يعرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أخطأت يا أبا سفيان ! إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصل الناس ،
وأبر الناس ، وأكرم الناس ، فعد إليه ، وسلم عليه بالنبوة ، وقل له كما قال إخوة
يوسف ليوسف :

[يوسف
:91]
فيأتي بأطفاله ، ويقف
على رأس المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ويقول : يا رسول الله! السلام عليك ورحمة
الله وبركاته : ] تَا للَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا
وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [ ، فيبكي عليه الصلاة والسلام ، وينسى تلك الأيام ، وتلك الأعمال ،
وتلك الصحف السوداء ، ويقول : ] لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ .
ويقول أبو سفيان بن
حرب : يا بن أخي ، ما أوصلك ؟ ما أرحمك ؟ ما أحكمك ؟ ما أعقلك ؟
فهل من متسم بأخلاقه ؟
وهل من مقتد بأفعاله ؟ فإنه الأسوةُ الحقة ، وإن اتباعه نجاة من العار والدمار
والنار.
تأتيه أخته من الرضاعة
صلى الله عليه وسلم ، وقد ابتعدت عنه عقوداً عديدة ، فتأتيه وهو لا يعرفها ، وهي
لا تعرفه ، وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره ، فتأتي لتسلم على
أخيها من الرضاع ، وهو تحت سدرة عليه الصلاة والسلام ، والناس بسيوفهم بين يديه ،
وهو يوزع الغنائم بين العرب ، فتستأذن ، فيقول لها الصحابة : من أنت ؟ فتقول : أنا
أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ، أنا الشيماء بنت الحارث أرضعتني
أنا وإياه حليمة السعدية ، فيخبرون الرسول عليه الصلاة والسلام فيتذكر القربى وصلة
الرحم ، ويقوم لها ليلقاها في الطريق ، ويرحب بها ترحيب الأخ لأخته بعد طول غياب ،
وبعد الوحشة والغربة ، ويأتي بها ويجلسها مكانه ، ويظللها من الشمس .
تصوروا رسول البشرية ،
ومعلم الإنسانية ، ومزعزع كيان الوثنية ، يظلل هذه العجوز أخته من الرضاع من الشمس
، ويترك الناس وشئون الناس ، ويقبل عليها ويسألها ، ويقول لها : يا أختاه كيف
حالكم ؟ : يا أختاه اختاري الحياة عندي ، أو تريدين أهلك ؟ فتقول : أريد أهلي ،
فيمتعها بالمال ويعطيها مئة ناقة ، ليعلمِّ الناس صلة الأرحام 0
يا سيدي ، يا رسول الله ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل
شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك !!!
يا سيدي يا رسول
الله ، نقل عنك في أحاديثك الصحيحة ، أنك تقلق أشد القلق ، يوم القيامة على أمتك ،
فتقول أمتي ، أمتي ، فيقال لك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ؟
يا سيدي يا رسول
الله ، الذي أحدثوه بعدك أنهم قطعوا
عماتهم وخالاتهم ، وبناتهم وأخواتهم ؟ وحرموهن من الميراث الذي فرضه الله لهن ،
وقطعوهن من الصلة والزيارة ؛ حتى سمعنا ورأينا من الأمهات الفقيرات من تضطر الواحدة منهن أن تقيم دعوى على ابنها
المترف من أجل أن ينفق عليها ، هان أمر الله علينا من بعدك فهنا على الله 0
أسباب قطيعة الرحم :
وإذا أنعمنا النظر في
أسباب قطيعة الأرحام ؛ وجدنا أن من تلك الأسباب :
1ـ الجهل بعواقب
القطيعة ، والجهل بفضائل الصلة ، والتفكر في الآثار المترتبة على الصلة ؛ فإن
معرفة ثمرات الأشياء ، واستحضار حسن عواقبها من أكبر الدواعي إلى فعلها ، وتمثلها
، والسعي إليها ، وكذلك النظر في عواقب القطيعة ، وتأمل ما تجلبه من هم ، وغم ،
وحسرة ، وندامة ، ونحو ذلك ، فهذا مما يعين على اجتنابها ، والبعد عنها .
2ـ ضعف التقوى ، والكبر ، فبعض الناس إذا نال
منصبا ًرفيعاً ، أو حاز مكانة عالية ، أو كان تاجراً ، أو مشهوراً ؛ تكبر على
أقاربه ، وأنف من زيارتهم والتودد إليهم .
ومما يحبب الإنسان
لقرابته ، ويدنيه منهم تواضعه ولين جانبه :
من كان يـحلم
أن يسود عشــيرة
فعليه بالتقوى و لين الجــانب
و يغض طرفاً
عن مساوي من أسـا
منهم ويحلم عند جهل الصاحب
3ـ الانقطاع الطويل
الذي يقود إلى الوحشة ، واعتياد القطيعة .
4ـ العتاب الشديد ،
فبعض الناس إذا زاره أحد من أقاربه ؛ أمطر عليه وابلاً من التقريع والعتاب على
تقصيره في حقه , وإبطائه في المجيء إليه ؛ ومن هنا تحصل النفرة من ذلك الشخص ،
والهيبة من المجيء إليه .
وعلاج ذلك تحمل عتابهم
، وحمله على أحسن المحامل ، فهذا أدب الفضلاء ، ودأب النبلاء ممن تمت مروءتهم ،
وكملت أخلاقهم ، وتناهى سؤددهم ، ممن وسعوا الناس بحلمهم ، وحسن تربيتهم ، وسعة
أفقهم ؛ فإذا عاتبهم أحد من الأقارب ، وأغلظ عليهم ، لتقصيرهم في حقه ؛ لم يثرّبوا
عليهم ، ولم يجاروه في عتابه بل يتلطفون به ، ويحملون عتابه على المحمل الحسن ،
فيرون أن هذا المعاتب محب لهم ، حريص على مجيئهم ويشعرونه بذلك ، ويشكرونه ،
ويعتذرون إليه ، حتى تخف حِدَّتُه ، وتهدأ ثورته ، فبعض الناس يقدر ويحب ؛ ولكنه
لا يستطيع التعبير عن ذلك إلا بكثرة اللوم والعتاب ، والكرام يحسنون التعامل مع
هؤلاء ، ولسان حالهم يقول : لو أخطأت في حسن أسلوبك ما أخطأت في حسن نيتك .
5ـ التكلف الزائد ،
فهناك من الناس من إذا زاره أقاربه تكلًّف لهم أكثر من اللازم ، وخسر الأموال
الطائلة ، وقد يكون - مع ذلك - قليل ذات اليد ، ومن هنا تجد أقاربه يقصرون عن
المجيء إليه ، خوفاً من إيقاعه في الحرج .
6ـ وتجد من إذا زاره
أقاربه لم يهتم بهم ، ولم يصغ لحديثهم ، ولا يفرح بمقدمهم ، ولا يستقبلهم إلا بكل
تثاقل وبرودة ، مما يقلل رغبتهم في زيارته .
7ـ الشح والبخل ، فمن
الناس من إذا رزقه الله مالاً أو جاهاً تهرب من أقاربه ، حتى لا يرهقونه بطلباتهم
المتنوعة .
وعلاج ذلك بذل
المستطاع لهم من الخدمة بالنفس ، أو الجاه ، أو المال ، وأن يدع المنة عليهم ،
والتعاون على حل مشكلاتهم المادية والاجتماعية والدينية ، فإذا ما احتاج أحد من أفراد
الأسرة مالاً لزواج ، أو نازلة أو غير ذلك ؛ قاموا بدراسة حاله ، ورفدوه بما يستحق
، فهذا مما يولد المحبة بين الأقارب .
8 ـ تأخير قسمة
الميراث ، فقد يكون بين الأقارب ميراث لم يقسم ، إما تكاسلاً منهم ، أو قلة وفاق
فيما بينهم ، وكلما تأخر قسم الميراث شاعت العداوة ، وكثرت المشكلات ، وزاد سوء
الظن ، وحلت القطيعة .
9ـ الشراكة بين
الأقارب ، فكثيراً ما يشترك الإخوة أو غيرهم من الأقارب في مشروع أو شركة ما ، دون
أن يتفقوا على أسس ثابتة ، ودون أن تقوم الشراكة على الوضوح والصراحة ، بل تقوم
على المجاملة ، والحياء ، وحسن الظن . فإذا زاد الإنتاج ، واتسعت دائرة العمل ؛ دب
الخلاف ، وساد البغي ، ونـزغ الشيطان، وحدث سوء الظن خصوصاً إذا كانوا من قليلي
التقوى والإيثار ، أو كان بعضهم مستبداً برأيه ، أو كان أحد الأطراف أكثر جدية من
صاحبه ، ومن هنا تسوء العلاقة ، وتحل الفرقة ، وربما وصلت بهم الحال ، إلى
الخصومات في المحاكم ؛ فيصبحون سبّة لغيرهم .

[ص
: 24 ]
10ـ الاشتغال بالدنيا
، والانشغال بها عن أداء واجباته تجاه أرحامه ، لذلك وجب أن تكون لهم اجتماعات دورية شهرية أو نصف شهرية ، أو
نحو ذلك .
11ـ والطلاق بين
الأقارب إذا لم يكن بإحسان .
12ـ وبُعد المسافة ، والتكاسل
عن الزيارة .
13ـ وقد يكون التقارب
في المساكن بين الأقارب مسبباً للقطيعة بسبب ما يكون من التزاحم على الحقوق ، وبسبب
ما يحدث بين الأولاد من مشكلات قد تنتقل إلى الوالدين
14ـ قلة التحمل ،
والصبر على الأقارب .
15ـ ونسيانهم في
الولائم والمناسبات ، فقد يفسر هذا النسيان بأنه تجاهل واحتقار ، فيقود ذلك الظن
إلى الصرم والهجر .
ومن الطرق المجدية أن
يسجل أسماء أقاربه ، وأرقام هواتفهم ، ثم يحفظها عنده ، حتى يستحضرهم جميعاً ،
ويتصل بهم إما مباشرة أو عبر الهاتف ، أو غير ذلك .
الإخلاص في صلة الرحم :
يراعي في صلة الأرحام
أن تكون الصلة قربة لله ، خالصة لوجهه الكريم ، وأن تكون تعاوناً على البر والتقوى
، ولا يقصد بها حمية الجاهلية .
أيها الإخوة الأكارم ، حاسبوا أنفسكم قبل أن
تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى
غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد
الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب
العالمين .
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله
إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ،
اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله ، وصحبه أجمعين .
إنّ الجاليات
الإسلامية والعربية منتشرة في شتى بقاع الأرض ، وبعض الجاليات في بعض البلاد
الغربية القريبة والبعيدة تفوقت تفوقاً يلفت النظر ، فبينما لا يزيد عدد الحاملين
للدكتوراه ، من السكان الأصليين على الثمانية بالألف نجد أن الذين يحملون
الدكتوراه في الجاليات الإسلامية يزيد على ثلاثة وثلاثين في الألف ، هؤلاء المتفقون علمياً
تسلّموا مناصب رفيعة في بلاد المهجر في الطب والفلك والاقتصاد والذرة .
والآن ، ما علاقة أفراد
الجاليات الإسلامية بموضوع الخطبة اليوم ( صلة الأرحام ) ؟
الحقيقة أن أفراد الجاليات
الإسلامية والعربية هؤلاء ينبغي أن يكونوا رسلاً لإسلامهم ولأوطانهم ، وهم إذ
ينقلون للغرب القريب والبعيد حقائق الإسلام ومبادئه وقيمه ، دعوة ، ويطبقونها
منهجاً في حياتهم ،
يأخذ
الغرب من الإسلام موقفاً غير هذا الموقف الذي يؤلمنا أشد الألم ، وهم إذ ينقلون
لأمتهم التي ترعرعوا في كنفها ،
ونبت لحمهم من خيراتها ، وتلقوا
العلم في جامعاتها ، أفضل ما في الغرب من علم ونظام وعمل دؤوب ، ولا ضير في ذلك ، لأن ثقافة أية أمة هي
ملك البشرية جمعاء ،
لأنها
بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال ، وهل يعقل إذا لدغتنا
جماعة من النحل أن نقاطع العسل الذي حصلته من أزهارنا ؟ فإن فعلت الجاليات
الإسلامية والعربية ذلك تكون قد وصلت رحمها بطريقة معاصرة ، ولا أدل على ذلك من أن
كبار مفكري الغرب يعترفون بفضل الحضارة الإسلامية على العالم .
يقول غوته : إن دين
الإسلام دين إخلاص ،
ودين
اجتماع وأخلاق ، ورعاية لبني الإنسان .
ويقول برناردشو :
الإسلام هو الدين الذي نجد فيه حسنات الأديان كلها ، ولا نجد في الأديان حسناته .
ويقول غوستاف لوبون :
إن الأمم لم تعرف بحق فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ، ولا ديناً سمحاً مثل
دينهم .
ويقول ولي عهد
بريطانية : إن كثيراً من المزايا التي تفخر بها أوربة العصرية جاءت أصلاً من
إسبانيا في أثناء الحكم الإسلامي .
ويقول ديورانت : إن
محمداً ـ e ـ كان من أعظم عظماء التاريخ ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى
الروحي والأخلاقي للناس ، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحاً لم يدانِه فيه أيّ
مصلح آخر .
لذلك استضاف معرض
فرانكفورت الدولي للكتاب الحضارة العربية والإسلامية لتكون ضيف شرف لهذا العام .
وتعزيزاً لصلة الأرحام
بين المغتربين وأهلهم في بلاد الشام كانت وزارة المغتربين ، وكان مؤتمر المغتربين
، الذي ألقى فيه السيد الرئيس كلمة قال فيها :
ومن أجل القيم الأصيلة
التي نؤمن بها تواصلوا مع وطنكم ، تواصلوا
مع أقربائكم ، تواصلوا مع أصدقائكم
، شجعوا
التواصل بين أبنائكم وبناتكم وبين أبناء وبنات الوطن ، تواصلوا مع العرب الآخرين
، تواصلوا مع
الناس جميعا ، نظموا أنفسكم
في منظمات تعبر عنكم وعن ثقافتكم ، ومصالحكم
، أريد منكم
التفوق والاندماج والولاء لوطنكم الذي تعيشون فيه ، والوفاء لوطنكم الأم ، انتهى النص .
اللهم اجعلنا من
الواصلين ، وأعذنا من القطيعة يا رب العالمين .
يا رب قد عجز الطبيب فداونا ، يا رب قلت حيلة فتولنا ، ارفع مقتك وغضبك عنا
، ولا تعاملنا بما فعل ويفعل السفهاء منا 0
يا رب أنت غِنى كل فقير ، وعزّ كل ذليل ،
وقوة كل ضعيف ، ومفزع كل ملهوف ، فحاشا يا رب أن نفتقر في غناك ، وأن نضل في هداك
، وأن نذلّ في عزك ، وأن نضام في سلطانك ، فما من مخلوق يعتصم بك من دون خلقك
فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلتَ له من بين ذلك مخرجاً ، وما مِن مخلوق يعتصم
بمخلوق دونك إلا جعلتَ الأرضَ هَوِيًّا تحت قدميه ، وقطَّعتَ أسباب السماء بين يديه
.
اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا
، وأصلح قلوبنا ، ارحم ضعفنا ، وتولَّ أمرنا ، واستر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ،
وآمنَّا في أوطاننا ، انصرنا على أعدائك وأعدائنا ، بلِّغنا مما يرضيك آمالنا ،
اختم بالصالحات أعمالنا .
اللهم وفق ولاة أمور
المسلمين ، في مشارق الأرض ومغاربها ، لما تحب وترضى ، اللهم وفِّق بينهم ، ووحّد
كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، وانصرهم على أعدائك وأعدائهم يا كريم .
اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً
فوفِّقهُ لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذْهُ أخذ عزيزٍ مقتدرٍ .
اللهم وفِّق السيد رئيس الجمهورية
، بشار الأسد ، لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ، ووزراء صدق يا
رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .
والحمد لله رب العالمين