توفي عالم جليل ، من العلماء المسلمين ، وهو فضيلة الشيخ محمد متولي
الشعراوي ، الإمام الداعية ، وقد كان له الفضل الكبير في تقريب معاني القرآن
الكريم إلى أوسع شريحة من شرائح المجتمع الإسلامي ليس في مصر وحدها ـ بلده الأول ـ
بل في أرجاء العالم الإسلامي 0
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :
" إِنَّ اللَّهَ لَا
يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ
الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ
النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا
وَأَضَلُّوا "
وقال أبو الدرداء :
" فَتَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ فَإِنَّ رَفْعَ
الْعِلْمِ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ
"
ومع أننا ـ معشر المسلمين ـ نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم
بمفرده ، بينما أمته صلى الله عليه وسلم معصومة بمجموعها ؛ بمعنى أن كل عالم ،
تفوق في جانب من جوانب الدين ، وغيره تفوق في جانب آخر ، فالعلماء المسلمون يكمّل
بعضهم بعضاً ؛ هذا في حال اتباعهم جميعاً سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في
أقواله ، وأفعاله وإقراره ، ومواقفه ، وأساليبه الحكيمة في الدعوة إلى الله 0
وهم يبتعدون عن الصواب ، ويثيرون حولهم الجدل ، ويتعرضون للنقد والتجريح ،
حينما يبتعدون عن سنة نبيهم المعصوم ، لأن كل عالم يؤخذ منه ويرد عليه ، إلا صاحب القبة
الخضراء ؛ يؤخذ منه حينما يتبع ، ويرد عليه حينما يبتدع 0
ومن أقوال الصحابي الجليل
ابن مسعود رضي الله عنه :
... سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إِلَى
كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ
وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ ...
ويستطيع الإنسان أن يكون عالماً جهبذاً في الطب ، أو العلوم ، أو الهندسة ،
من دون أن تتطلب هذه العلوم ، ممن يتعلمها قيداً سلوكياً ، ولا يُفسد حقائقها أن
يتبع النابغ فيها هوى نفسه ، في حياته الخاصة ، إلا عالم الدين ، فإنك إن كنت من
المتدينين المخلصين ، أو من علمائه ، أو الداعين إليه ، فلا بد من أن تكون قدوة
حسنة لمن تدعوهم إليه ، وإلا ما استمع إليك أحد ، ولو كنت أكثر الناس اطلاعاً ،
وعلماً في دين الله ، ولن ينظر إليك أحد نظرة احترام جديرة بك ، إلا إذا كان سلوكك
وفقاً لقواعد الدين .
ذلك أن دعوة المترف إلى التقشف دعوة ساقطة ، ودعوة الكذوب
إلى الصدق دعوة مضحكة ، ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة ، لذلك
كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم ، وشمائله، وفضائله ، ومكارمه ، قدوةً صالحة ، وأسوة حسنة ، ومثلاً يُحتذى
، وهي ليست للإعجاب السلبي ، ولا للتأمل التجريدي ، ولكنها وُجدت فيه لنحققها في ذوات أنفسنا ، كل بقدر ما يستطيع
.
وشيء آخر مستفاد من قول التابعي الجليل الحسن البصري حينما سئل : بم نلت هذا
المقام ؟ فقال : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي ، وبناء على هذا ،
تكون الطامة الكبرى في العلم الديني ، حينما يستغني الناس عن علم العالم ، ويحتاج
هو إلى دنياهم 0
* *
*
لقاءان
طيبان ، مباركان ، تمّا مع فضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي ، بداره في
القاهرة ( الهرم ) 0
الأول
كان في شهر تشرين الأول عام ألف وتسعمئة وتسعين ، والثاني في الشهر الأخير من عام
ألف وتسعمئة وستة وتسعين 0
وفي اللقاء
الأول وجهت له أسئلة تتعلق بأصول الدين ، كالعقل والنقل ، والشريعة والحقيقة ،
والأمر التكليفي والأمر التكويني ، والقطعي والظني من النصوص ، وما يتبع ذلك من
اجتهاد المجتهدين ، وتأويل المتأولين ، وأساليب الدعوة ؛ كتأليف للقلوب ، أو تأليف للكتب ، والنصيحة الأولى إلى
الدعاة 0
وفي
اللقاء الثاني طرحت عليه أسئلة ، يغلب عليها الطابع الفقهي ، ولكن من النوع
المشكل ، الذي يثير كثيراً من الجدل
، في أرجاء العالم الإسلامي ، فباستثناء سؤال الصحوة الإسلامية ، والسلبيات التي
لابستها ، وأ سباب تعثرها ؛ وجهت إليه أسئلة عن المذاهب الفقهية ، وهل الأصل فيها
التعدد أم التوحد ، وإذا كان الأصل هو التعدد ، فهل هي أربعة مذاهب حصرا، لا يجوز
أن نزيد عليها ؟ وسألته عن الطلاق السنّي والطلاق البدعي ، وهل الطلاق البدعي ( كالثلاث في واحدة ) يقع أو لا يقع ؟ وسألته عن حكم النظر إلى
المرأة في الشاشة الصغيرة ، وهل هي حقيقة أو خيال ، وسألته عن الحكم الشرعي في نقل
الأعضاء والأجهزة ، من إنسان صحيح إلى إنسان مريض ، بيعاً أو تبرعاً ، وسألته عن
الحكم الشرعي في جراحة التجميل ، وسألته عن جواز استخدام علم هندسة الوراثة في
عملية الإنجاب ، وسألته عن جواز جعل ثمن للزمن في بيع التقسيط ، وفي موضوع الزكاة
، سألته عن حكم إسقاط دين الفقير من الزكاة ، وعن مشروعية إنفاق جزء من أموال
الزكاة في إنشاء أبنية يعود نفعها للفقراء ، وسألته عن الحكم الشرعي في إيداع الأموال في البنوك الربوية ،
وسألته عن الحكم الشرعي في هجرة المسلم طواعية إلى بلاد الغرب ، والإقامة فيها
بشكل دائم هو وأهله ، ثم سألته عن ضرورة إنشاء المجامع الفقهية ، من أجل أن تلبي
حاجة المسلمين اليومية ، لمعرفة حكم الشرع الإسلامي الحنيف ، في المستجدات
الاجتماعية ، والاقتصادية ، والعلمية ، وفي ختام اللقاء ، سألته عن بعض أعماله غير
الدعوية 0
وقد سئل ـ رحمه الله ـ وهو في لندن ـ ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟
فقال : لأنني محسوب على الله 0
وأختم هذه المقدمة بهذه الحقيقة الخطيرة التي أشار إليها النبي صلى الله
عليه وسلم :
فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ ، قَالُوا:
وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ ،
قَالَ فَغَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ :
ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي
بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَمْ
يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ
إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ "
والشيء الخطير أن نصل إلى أن " يُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ
وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ
ولكن ينبغي أن نطمئن الإطمئنان الواعي ، الذي يدفع إلى أن نحمل هموم
المسلمين ، وألاّ ندّخر وسعاً في سبيل ترسيخ مبادئ الإسلام وقيمه في مجتمع
المسلمين أولاً ، ثم في المجتمعات الأخرى ، متيقنين أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة
، على رأس كل مئة سنة ، من يجدد لها دينه ، وأن هؤلاء المجددين ، ينفون عنه : تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين .
دمشق في 1/9/1998
محمد راتب النابلسي
أستاذ
محاضر في كلية التربية بجامعة دمشق
مدرس ديني في مساجد دمشق