مؤتمر
جامعة دمشق : التقرير المقدم في ندوة تجديد الخطاب
الديني المنعقدة في مدرج
جامعة دمشق من 10- 12 شباط
2004
![]()
ندوة
تجديد الخطاب الديني
المنعقدة
في جامعة دمشق
10 - 12 / 2 / 2004
مشاركة
الدكتور
محمد راتب النابلسي
أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة
وأصول الدين
الخطاب الإسلامي
لست مبالغاً إذا قلت : إن الخطاب الإسلامي هو من أخطر القضايا في حياة
المسلمين اليوم ؛ ذلك أن شيوع الأمية الدينية ، والغزو الثقافي الهادف ، والأزمات
الاقتصادية الطاحنة ، واستعار الفتن الصارفة ، جعل المسلم المعاصر يبتعد عن ينابيع الإسلام الصافية ، لضيق
الوقت ، وكثرة العقبات ، والصوارف ، ولم يبق له من صلة بحقائق الدين إلا الخطاب الإسلامي الذي يصله من خلال خطبة
الجمعة ، أو من خلال التدريس الديني ، أو من خلال وسائل الإعلام ، وهذه حال الخط
العريض في المجتمع الإسلامي ، وهذا لاينفي وجود قلة قليلة من الشباب طلبت العلم من
ينابيعه الأصيلة ، ولم تتأثر بالخلل في الخطاب الديني 0
وبناء على
هذه المعطيات ، يتضح أن العالم الإسلامي في أمس الحاجة
إلى خطاب ديني
ينطلق حقائق الدين الناصعة المأخوذة من محكم الكتاب ، والسنة الثابتة
، بالفهم الصحيح ، وبمعرفة مقاصد الإسلام الكبرى ، وهذا يشار به إلى
الانعتاق من سلطة النفس ، ومحدودية التفكير ، والوعي بأصول الدعوة ، وطرائق معالجة الأوضاع المتردية ، ومراعاة السنن الشرعية والكونية
في منهج التغيير والإصلاح .
من المهم كثيراً أن ندرك الإمكان الشرعي والواقعي الذي
نعيش فيه ، ونعمل على إيجاد تطبيق للمعاني الإسلامية في هذه المجتمعات وبخاصة التي يمارس ضدها تغييب جاد لطمس هويتها ، لقد كان النجاشي في الحبشة ملكاً صالحاً ومؤمناً صلّى عليه رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته ، وأثنى عليه خيراً مع أنه لم يكن يحكم
بين بالقرآن ، ولا يقيم كثيراً من
شعائر الإسلام ، فهذا مبلغه من الإمكان .
من المهم أن يتخلص بعض دعاة الإسلام من هيمنة التشاؤم على منهجهم ولغتهم
وتعاملهم مع عوام وسواد المسلمين ، إنه حينما يكون الداعية وطالب العلم مدركاً أنه
لا يستعمل الأوراق الأخيرة والنفس النهائي في محاولات الإصلاح والدعوة فهو - هنا -
يتخلص من كثير من الأخطاء .
من الحكمة الشرعية أن يتخلص
الخطاب الإسلامي من التعامل بلغة واحدة ، حيث تجد بعض أهل الدعوة والعلم جمع أزمة
الأمة في الواقع السياسي التي تعيشه ، فتراه لا يمارس إلا هذه اللغة !! وتجد نمطاً
آخر من الخطاب الإسلامي لا يخاطب إلا أهل الصلاح والبر والتقوى ، يؤدبهم
بالفضائل ، وربما يكون هذا الخطاب
أداة لفصل المجتمع الإسلامي إلى طبقات تعيش العزلة والصراع الشعوري 0
وهنا يفترض أن يكون دعاة الإسلام أكثر تأصيلاً وواقعية فإن تقدير دائرة ما
يقبل الاجتهاد وما لا يسع فيه الخلاف وأمثال ذلك من أكبر مقاصد الشريعة ، وأخصّ
مقامات العلم ، فهذا يستلزم أن تحكم هذه القضايا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة
والإجماع .
علماء الإسلام الكبار ودعاته يعرف لهم قدرهم وفضيلتهم لكن يعلم أن الهدي هدي
رسول الله ، والدين هو ما شرعه الله ورسوله ، فأنْ يعرف لأحد حقه لا يعني أن كلامه
لا يقبل النظر والمراجعة والخطأ بل الرد والترك إلى سنة ظهرت وحق بان بالدليل ،
وما زال علماء الإسلام يتراجعون ويختلفون بل هذا هو الواجب على أهل العلم ورجال
الدعوة .
ليكن همُّ كل واحد في هذه الأمة أن يبلِّغ عن الله ، ورسوله ، ولو آية أو
حديثاً ، وألاّ يمتلكه الحزن الذي يقعد عن العمل لدين الله ، أو اتخاذ طريق ليست
مشروعة في التعامل ، أو الشعور بعدم القدرة والاحباط فيميل إلى الصفائية والمثالية
والانتقاء ، فيجد نفسه أخيراً مراجعاً لإخوانه الدعاة ، ثم قائماً عليهم
حكَمَاً على أقوالهم وأعمالهم ،
يحسب عليهم أنفاسهم ، وهنا ربما خالطه شعور أن هذه هي الأصالة والديانة 0
الغلو في الدين
" الغلو " مصطلح ورد في القرآن الكريم في موضعين ؛ في
قوله تعالى:
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق .
( سورة النساء : آية " 171 " )
وفي قوله تعالى :
قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا
من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل .
( سورة المائدة : آية " 77 " )
وقد ورد عن ابن عباس رضي الله
عنهما أنه لمّا جمع للنبيّ جمرات ، أمره أنّ يلتقط حصىً صغاراً ، وقال : بمثل
هؤلاء فارموا ، بمثل هؤلاء
فارموا ، وإياكم والغلوَّ في الدين ! فإنه أهلك من كان قبلكم ، الغلوُّ في
الدين .
أخرجه النسائي " 5 / 268 " والإمام أحمد
" 1 / 215 "
معنى الغلو:
ومعنى الغلو: مجاوزة الحد ،
والحد هو النصُّ الشرعي ، كلام الله عزَّ وجلَّ ، وما صح من كلام رسول الله صلّى
الله عليه وسلّم ، وأن يُفهم هذا النص وفق قواعد علم الأصول، وكما قال تعالى في
كتابه العزيز:
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من
أمرهم .
( سورة الأحزاب آية " 36 " ) ..
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن
تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير
وأحسن تأويلا .
( سورة النساء : آية
" 59 " )
وإذا بحث المسلم في مسألة من
مسائل الدين ، عليه أن يجمع النصوص القرآنية والنبويّة فيها ، ويؤلف بينها على وجه لا يغلب بعضها على بعض ، ولا يأخذ
نصاً ويهمل غيره ، ولا يأخذ فقرة من نصٍّ ويُهمل بقية الفقرات .
أما الغلاة فيضربون بعض النصوص
ببعض ، أو يأخذون نصاً يُلائم غلوَّهم يُسلِّطون عليه الأضواء ، ويُعَتِّمون على
نصٍّ آحر ، ينقض غلوهم ، فالآيات التي يمكن أن تغطي غلوَّهم ، يشدُّونها عن طريق
التأويل المتكلف إلى ما يوافق أهواءهم ، والآيات التي تناقض غلوهم يغفلون ذكرها ،
وإذا ذُكَّروا بها صرفوها إلى غير المعنى الأصولي الذي أراده الله .
أمّا فيما يتعلق بالأحاديث
الشريفة ، فهم يقبلون الضعيف ، بل الموضوع ،إذا غطّى غلوهم ويُعرضون غن الحسن ، بل
الصحيح إذا فضح انحرافهم .
ثم إنهم - فيما سوى القرآن
والسنة - يقبلون كل قولٍ يدعم غلوهم متجاوزين القاعدة المنهجية : " إن كنت
ناقلاً فالصحة ، وإذا كنت مدَّعياً فالدليل " ويرفضون كل قول ليس في جانبهم
ولو دعمه أقوى دليل.
إنهم يتخيَّرون من النصوص مّا
يعجبهم ، فهم -وهذا حالهم - من أهل الرأي ، الذين تحَكَّموا بالنصّ ولم يحتَكِموا
إليه .
*
* *
أنواع الغلو
والغلوُّ نوعان : اعتقادي .. وهو
أن الغلاة يعتقدون فيمّا هو جزء من الدين أنه الدين كلّه . فغلاة الصوفية مثلاً
يرون أن صفاء القلب هو الدين كلّه ، وهم بهذا يعطلون الجانب التشريعي ، والجانب
العملي في الدين .
وغلاة كلّ فرع من فروع الدين ،
يُحلُّون هذا الفرع محلَّ الأصل، وينظرون إلى من عُني ببقية فروع الدين نظرة
ازدراءٍ وإشفاق ، وقد أشار إلى هذين النوعين من الغلّو الإمام الشاطبي في
"موافقاته " .
ولا يخفى أن من كليات الدين
الجانب الإعتقادي ، والجانب السلوكي ، والجانب النفسي ، وحينما تحلُّ كلية من هذه
الكليات محلَّ الدين كلّه ، فهذا غلو وأي غلو ... هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فإن تضخيم الفرع في الدين ليحلَّ محلَّ الأصل
غلوٌّ في الدين .. وأي غلو ؟.. فهل يُعقل أن يصبح الدين كله إتقانَ علمِ
التجويد ليس غير..
والنوع الثاني من الغلو : الغلو
العملي .. فحينما يقع الإنسان فريسة وساوسه المتسلطة في شأن طهارته ، ووضوئه ،
وحينما يتجاوز في عبادته الحد الذي شرَّعه الله فيهمل عمله ويهمل أسرته ، وبهذا
يختل توازنه ، ولا يحقق الهدف الأمثل من تدينه ...
ولا شك أن الغلو الاعتقادي هو
الأخطر ، لأن صاحبه لا يرجع عنه ، إذ يعتقد أنه على صواب فهو لا يدري ولا يدري أنه
لا يدري .
ولأنه المفترق الذي افترقت منه
الفِرق، وبزغت عندها الأهواء ، واختلفت فيه العقول ، وتباعدت من أجله القلوب ، ثم
سُلَّت السيوف ، وسالت الدماء . قال تعالى :
وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع
الصابرين .
( سورة الأنفال "
آية 46 " )
*
* *
أسباب الغلو
وأسباب الغلو كثيرة ، ومن أبرزها
الجهل ، وهو : عدم معرفة حكم الله جلّ وعلا وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ،
فقد يكون المغالي معظماً للحرمات ، غيوراً على دين الله، فإذا رأى إنساناً متلبساً
بمعصية ، لم يطق ، أو لم يتصور أن هذا الشخص مسلم ، أو أن ذنبه يمكن أن يُغفر ،
لذلك يتهمه بالكفر والخروج من الدين . وقد تكون له محبة لرجل صالح ، وأصل هذه
المحبة مشروع في الدين ، لكن هذه المحبة زادت وطغت بسبب الجهل حتى وصلت إلى درجة
الغلو الذي رفع هذا الإنسان فوق منزلته ؛ واتهم كل من لم يقره على هذا الغلو
بالكفر والفسوق . وقد يكون الجهل جهلاً بالدليل لعدم معرفته أو الاطلاع عليه ، وقد
يكون جهلاً بالاستنباط ، أو جهلاً بقواعد اللغة العربية .
والجهل أسهلُ أسبابِ الغلو
معالجةً ، ولا سيما إذا كان المغالي بريئاً من الهوى ، والنزعات الشريرة ، فالجهل
يزول بالعلم .. ففي عهد عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ناظر الخوارج وحاورهم ،
فرجع منهم ما يزيد عن ألفي إنسان في مجلس واحد .
ومن أسباب الغلو : الهوى .. الذي
يجر صاحبه إلى التعسف في التأويل ، وردّ النصوص ، وقد يكون الهوى لغرض دنيوي من
طلب الرئاسة أو الشهرة أو نحوها ، وقد يكون المغالي بعيداً عن هذه المطالب، ولكن
البدعة والانحراف سبقا إلى عقله وقلبه ن واستقرا فيهما، وتعمَّقت جذورهما ، وترسخت
، وكما قيل :
أتاني هواها قبل أن أعرفَ
الهوى ... فصادف
قلباً فارغاً فتمكَّنا
وحينئذ يَعِزُّ على المغالي أن
يتخلى من غلوه ، وأن يقرَّ على نفسه أنه كان متحمساً للباطل ، مناوئاً للحق ،
فيتشبث بباطله ويلتمس له الأدلة الضعيفة الواهية من هنا وهناك . لذلك قيل :
تعلَّموا قبل أن ترأسوا ، فإن ترأستم فلن تعلموا .
وقد يكون الهوى بسبب نفسية مريضة
معتلَّة منحرفة ، تميل إلى الحدة والعنف ، والعسف في آرائها ومواقفها ، وتنظر
دائماً إلى الجانب السلبي والمظلم للآخرين .. وقد يتصف صاحبها بالعلو والفوقية ،
من دون أن يشعر ذلك من نفسه ، فضلاً عن أن يعترف به. فإذا التقى الأشخاص أو قرأ
كتبهم ، فليبحث عن نقاط ضعفهم ، مغفلاً النواحي الإيجابية التي يتمتعون بها ،
وعندها تتبخَّر ثقته بالعلماء العاملين ، والدعاة المخلصين ، و يبتعد عنهم ويستقل
بنفسه ورأيه ، فينتج عن هذا الشذوذ في الآراء والمواقف والتصورات .
ومن أسباب الغلو في الدين : غلو
الطرف الآخر .. فالذين يجرُّون المجتمعات الإسلامية إلى الفساد ، والانحلال الخلقي
، هم في الحقيقة من المتسببين في حدوث الغلو ، وإن أعلنوا الحرب عليه .. فمظاهر
الرذيلة والانحلال في المدرسة والجامعة والشارع والشاطئ والمتجر والحديقة إذا
أقرَّها المجتمع وسكت عنها ، أو شجعها ودعمها وحماها ، فإن هذا المجتمع عليه أن
يستعد للتعامل مع أنماط كثيرة من الغلو .
وقبل أن نبحث عن الحلول
الفعَّالة للقضاء على الغلو .. يجب أن نفرِّق بين غلو حقيقي وهو مجاوزة
للحدِّ الشرعي ، وانحراف عن سواء السبيل ، وبين غلو موهوم في رأس أعداء
الدين .. يوصف بالأصولية تارة ، وبالتطرف تارة أخرى .. وهو في حقيقته دعوةٌ خالصة
إلى الله وإلى دينه ، وإلى تحكيم شريعته ، والعمل بالكتاب والسنّة .
* * *
معالجة الغلو
ولا سبيل إلى القضاء على الغلو
الحقيقي في الدين .. إلا بتمكين العلماء الربانيين العاملين المخلصين من القيام
بواجبهم في الدعوة إلى الله، وَفقَ أُسس صحيحة متوازنة ، ومن خلال رؤية صافية
لحقيقة الدين الحنيف ، وبأساليب نابعة من الكتاب والسنّة ..
كل هذا
من أجل بناء شخصية المسلم بناءً ، تتمثل فيه صحة الجسد ، وطُهرُ النفس، ورجاحة
العقل ، بناءً يوازن بين المادة والروح ، وبين الحاجات والقيم ، ويسعى إلى إصلاح
الدنيا والآخرة .. بناءً يجعل المسلم إنساناً متميزاً يرى ما لا يراه الآخرون ،
ويشعر بما لا يشعرون ، يتمتع بوعي عميق ، وإدراك دقيق ، له قلبٌ كبير ، وعزم متين
، وإرادة صلبة.. هدفه أكبر من حاجاته ، ورسالته أسمى من رغباته ، يملك نفسه ولا
تملكه ، يقود هواه ولا ينقاد له ، تحكمه القيم ويحتكم إليها من دون أن يسخرها أو
يسخر منها ، سما حتى اشرأبَّت إليه الأعناق ، وصفا
حتى مالت إليه النفوس .
قواعد الخطاب الإسلامي
المسلمون من دون دعاة إلى الله جُهَّال تتخطفهم شياطين الإنس والجن ، من
كل حدب وصوب ، وتعصف بهم الضلالات من كل جانب لذلك كان الدعاة إلى الله مصابيح
الدجى ، وأئمة الهدى ، وحجة الله في أرضه ، بهم تُمحق الضلالات وتنقشع الغشاوات ، هم
ركيزة الإيمان ، وغيظ الشيطان ، وهم قوام الأمة ، وعماد الدين ، هم أمناء على دين
الله يدعون الناس إلى الله بلسان صادق ، وجنان ثابت ، وخلق كريم فأعمالهم تؤكد
أقوالهم ، لذا فهم أسوة ونبراس يصلحون ما فسد ويقوِّمون ما اعوجَّ ، لا يستخفون من
الناس ، ولا يخشون أحداً إلا الله ، ولا يقولون إلا حسناً .
ولن يفلح الدعاة
إلى الله في دعوتهم ، إلا إذا اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي عصمه الله عن
الخطأ في الأقوال ، والأفعال والأحوال ، وأوحى إليه وحياً متلواً وغير متلو ،
وألزمنا أن نأخذ منه كل ما أمرنا به ، وأن ندع كل ما نهانا عنه ، وأن نتأسى
بمواقفه وسيرته ، لأنه القدوة ، والأسوة الحسنة ، والمثل الأعلى فمن القواعد
المستنبطة من دعوته صلى الله عليه وسلم :
القاعدة الأولى : القدوة قبل الدعوة ..
كان صلى الله عليه وسلم عابداً متحنثاً ، وقائداً فذاً ، شيَّد أمَّةً
من الفُتات المتناثر ، ورجل حرب يضع الخطط ، ويقود الجيوش ، وأباً عطوفاً ، وزوجاً
، تحققت فيه المودة ، والرحمة ، والسكن ، وصديقاً حميماً ، وقريباً كريماً ،
وجاراً تشغله هموم جيرانه ، وحاكماً تملأ نفسه مشاعر محكوميه يمنحهم من مودته ،
وعطفه ما يجعلهم يفتدونه بأنفسهم ، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها
الأرض ، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل ، وتغلغلت في كيانه كله ، ورأى
الناس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة كلها ،
فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها ، ورأوها متمثلة فيه ، ولم يقرؤوها في كتاب
جامد ، بل رأوها في بشر متحرك ، فتحركت لها نفوسهم ، وهفت لها مشاعرهم ، وحاولوا
أن يقتبسوا قبسات من الرسول الكريم ، كلٍّ بقدر ما يُطيق فكان أكبر قدوة للبشرية
في تاريخها الطويل ، وكان هادياً ومربياً بسلوكه الشخصي ، قبل أن يكون بالكلم الطيب
الذي ينطق به .
ولأن القدوة هي أعظم وسائل التربية ذلك ، لأن دعوة المترف إلى التقشف
دعوة ساقطة ، ودعوة الكذوب إلى الصدق دعوة مضحكة ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة
مخجلة ، لذلك كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ، وفضائله ، ومكارمه
قدوةً صالحة ، وأسوة حسنة ، ومثلاً يُحتذى ، وهي ليست للإعجاب السلبي ، ولا للتأمل
التجريدي ، ولكنها وُجدت فيه لنحققها في ذوات أنفسنا ، كل بقدر ما يستطيع .
وقد ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ أن ((يا
معاذ أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وترك
الخيانة ، وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ، ولين الكلام ، وبذل السلام ، وحسن العمل ،
وقصر الأمل ، ولزوم الإيمان ، والتفقه في القرآن ، وحب الآخرة والجزع من الحساب ،
وخفض الجناح ، وأنهاك أن تَسُبَّ حكيمــــاً ، أو تكذب صادقاً ، أو تُطيع آثماً ،
أو تعصي إماماً عادلاً ، أو تُفسد أرضاً .. وأوصيك باتقــاء الله عند كل حجر ، وشجر ، ومدر ، وأن تُحدث لكل ذنب
توبة ، السر بالسر ، والعلانية بالعلانية)) .
[أخرجه البيهقي في كتاب الزهد]
يستطيع الإنسان أن يكون عالماً جهبذاً في الطب ، أو العلوم ، أو الهندسة
من دون أن تتطلب هذه العلوم ممن يتعلمها قيداً سلوكياً ، ولا يُفسد حقائقها أن
يتبع النابغ فيها هوى نفسه ، في حياته الخاصة ، إلا علم الدين ، فإنك إن كنت من
المتدينين المخلصين ، أو من علمائه أو الداعين إليه ، فلا بد أن تكون قدوة حسنة
لمن تدعوهم إليه ، وإلا ما استمع إليك أحد ، ولو كنت أكثر الناس اطلاعاً وعلماً في
دين الله ، ولن ينظر إليك أحد نظرة احترام جديرة بك ، إلا إذا كان سلوكك وفقاً
لقواعد الدين .
قال ملك عمان ، وقد التقى النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما دلني على
هذا النبي الأمي ، إلا أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ، ولا ينهى عن شيء إلا
كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر ، ويُغلب فلا يضجر ، ويفي بالعهد وينجز
الوعد .
قال أحد كُتاب السيرة الغربيين الذين أسلموا : " كان محمد ملكاً ،
وسياسياً ، ومحارباً ، وقائداً، ومشرِّعاً ، وقاضياً ، وفاتحاً ، ومهاجراً ، مارس
بالفعل جميع المبادئ التي كان يلقنها للناس ، ولن تجد في القرآن حُكماً أو أمراً
لم يعمل به النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه
بالقول ، فالمرء مثلاً لن يكون عفواً ، إلا أن يكون له عدو يلقى منه أشد الإساءة ،
ثم تدور الدائرة على هذا العدو فيقع في قبضته ، ويصبح تحت رحمته ، ثم يملك القدرة
على الانتقام منه ، ثم يعفو عنه .. ثم يقول الكاتب : " تأمل دخول النبـي صلى
الله عليه وسلم مكة دخول الظافر المنتصر ، وقد خرَّت جزيرة العرب صريعة تحت قدميه
، وأصبحت مكة قلعة العدو تحت رحمته ، فلو شاء لقطع رؤوس القوم ، الذين كانوا
بالأمس ألد أعدائه ، الذين اتخذوه هزواً ، وأمعنوا في اضطهاده والاستخفاف به ، ولو
أنه عاقبهم بذنبهم لكان مُحقاّ ، ولم يكن ملوماً ، ولم تظهر فضيلة العفو قط
بصورتها الكاملة في تاريخ أي دين من الأديان حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم
ولولاه لظلت هذه الفضيلة معطلة إلى الأبد " .
القاعدة الثانية : الإحسان قبل البيان ..
لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نكون رحماء قبل أن نكون أوصياء
، فمن لا يرحم لا يُرحم ..
[سورة الأنبياء]
فالنفوس جُبلـت على حُب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها فهو صلى
الله عليه وسلم فتح أقفال القلوب برحمته ورفقه ، حتى لانت له القلوب القاسية ،
واستقامت الجوارح العاصية 0
بعث النبي الكريم خيلاً قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يُقال له
" ثمامة بن آثال " ، وكان ثمامة قد أوقع أشدَّ الأذى بالنبي صلى الله
عليه وسلم وأصحابه ، فربطوا ثمامة بسارية من سواري المسجد ، فخرج النبي الكريم صلى
الله عليه وسلم إليه فقال : ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال : عندي خير ، إن تقتلني تقتل
ذا دم ، وإن تنعمْ تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت .. فتركه
حتى كان الغد ثم قال له : ما عند يا ثمامة ؟ فقال : ما قلت لك ، إن تنعم تنعمْ على
شاكر ، فتركه حتى كان بعد الغد فقال : ما عند يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلته لك
فقال : أطلقوا ثمامة ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم ندخل المسجد
فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله يا محمد ؛ والله ما
كان على وجه الأرض أبغض إليَّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إلي ، والله
ما كان من دين أبغض إلي من دينك ، فأصبح دينك أحبّ الدين إلي ، والله ما كان بلدٌ
أبغض إلي من بلدك ، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إلي ، وإن خيلك أخذتني ، وأنا أريد
العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يعتمر ، فلما
قدم مكة قالوا له : صبوت ؟ قال : لا والله ، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي
صلى الله عليه وسلم " .
[أخرجه الإمام البخاري 8/68-69 في المغازي]
وهذا نوع من الحصار الاقتصادي .
القاعدة الثالثة : الترغيب قبل الترهيب
..
لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقدَّم للمدعو الترغيب قبل
الترهيب ، والتبشير قبل الإنذار ، وأن نرغِّبه في الإخلاص ، قبل أن نرهبه من
الرياء ، وأن نرغبه في طلب العلم ونشره ، قبل أن نرهبه من الإعراض عنه وكتمانه ،
وأن نرغبه في الصلاة في وقتها ، قبل أن نرهبه من تركها أو تأخيرها ، لأن تقديم
أسلوب الترغيب يكون أنفع وأجدى من تقديم أسلوب الترهيب ، يتَّضح هذا من موقف النبي
صلى الله عليه وسلم وحديثه لعدي بن حاتم حينما أسلم .
يروي عديُ بن حاتم الطائي عن نفسه فيقول : ما من رجل من العرب كان أشد
كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يُذكر مني ، وكنت ملكاً في قومي فالتقيت
به فقال لي : لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، (
أي فقر المؤمنين)، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ،
ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ، ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم تقول : إنما
اتَّبعه ضعفة الناس ، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها
تزور هذا البيت لا تخاف أحداً إلا الله ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن
المُلك والسلطان في غيرهم ، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض في أرض بابل
قد فُتحت عليهم ، قال عدي : فلما سمعت بذلك أسلمتُ " .
القاعدة الرابعة : التيسير لا التعسير
..
لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نُيسر ولا نُعسر ، وأن نُبشر ولا
ننفِّر ، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم عنه صلى الله عليه وسلم : قوله : ((يسروا
ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا)) .
[رواه البخاري]
قال الإمام النووي رحمه الله : لو اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في
قوله على " يسروا " لصدق على ن يسَّر مرة وعسَّر كثيراً فلما قال : ((ولا
تعسِّروا)) ، فلكي نجتنب التعسير في كل الأحوال ، قال ابن مسعود رضي الله عنه
: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام ، كراهة السآمة
علينا " .
أي كان يعظنا من حين لآخر ، دون تتابع لئلا نسأم الموعظة ، وقد نهى
النبي صلى الله عليه وسلم عن تكليف الناس ما لا يطيقون ليستمر سيرهم في طريق
الإيمان ، فالداعية المتبع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ نفسه بالعزائم ،
ويسمح للمدعويين بالرخص ، تخفيفاً عليهم وتيسيراً لهم ، وعن أنس رضي الله عنه :
" أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يُهادي بين ابنيه ، قال : ما بال
هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي .. قال : إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني ، وأمره أن
يركب " .
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قائماً في الشمس ، فقال : ما
بال هذا ؟ قالوا : نذر ألا يستظل ، ولا يتكلم ، ويصوم ، فأمره أن يستظل ، ويتكلم ،
ويصوم ويفطر ، وقال : عليكم بما
تطيقون ، فإن الله لا يملُّ حتى تملوا .
وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه : " إن للقلوب إقبالاً وإدباراً
فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإن أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض".
[راجع المائة المختارة للجاحظ ، وغرر الحكم
للآمدي ص113]
القاعدة الخامسة : التربية لا التعرية
..
لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أقواله وأفعاله ومواقفه
من أصحابه في شتى مستوياتهم ، وأحوالهم أن الدعوة مهمة تربوية أساسها النفسي الحب
الصادق ، والرحمة الواعية ، والشفقة الحانية على المدعو ، وأساسها العقلي :
المعرفة الدقيقة والعميقة والشاملة لطبيعة النفس الإنسانية ، في قوتها وضعفها في
تألقها وفتورها في إقبالها وإدبارها .
لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة
إلى أهل مكلة يخبرهم بذل ، وقال لهم : إن رسول الله يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم ،
ثم أرسل الكتاب مع امرأة مسافرة ، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم
يخبره بذلك ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير والمقداد وقال :
انطلقوا حتى تأتوا موضع كذا ، فإن به ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها فأتوني به ،
يقول الراوي : فخرجنا حتى أتينا الروضة ، وهو المكان الذي حدده لهم النبي صلى الله
عليه وسلم ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها : أخرجي الكتاب فقالت : ما معي من كتاب ،
فقلنا لها : لتُخرِجنَّ الكتاب ، أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها ، أي من
ضفائر شعرها ، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي
بلتعة إلى أُناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب : ما هذا يا حاطب ؟ وما حملك على ما صنعت؟ ..
فقال : يا رسول الله ، لا تعجل عليَّ إني كنت امرأ ملصقاً في قريش ، ولم أكن من
أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بهم أهلهم ، وأموالهم ، بمكة
، فأحببت إذ فاتني ذلك النسب منهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ، وما فعلت
ذلك كفراً، ولا ارتداداً عن ديني ، فقال عمر رضي الله عنه : دعني يا رسول الله
أضرب عنق هذا المنافق ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنه شهد بدراً ولعل الله اطلع
على أهل بدر فغفر لهم " ثم التفت إلى أصحابه ، وقال : " صدقوه ولا
تقولوا إلا خيراً " .
إنه القلب الكبير ، والصدر الواسع ، والتفهُّم العميق للحظة ضعف طارئة
ألمت بهذا الصحابي، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الموقف الرحيم ، أن
يعينه وينهضه من عثرته فلا يطارده بها ، ولا يدع أحداً يطارده .. وسر التفاوت بين
موقف النبي صلى الله عليه وسلم وموقف عمر رضي الله عنه ، أن عمر نظر إلى الذنب
نفسه فإذا هو خيانة عظمى لله ولرسوله ولدينه ، بينما نظر النبي صلى الله عليه وسلم
إلى لحظة الضعف الطارئة التي ألمت بصاحب الذنب فتفهمه ورحمه .
القاعدة السادسة : مخاطبة العقل والقلب معاً …
علَّمنا النبي صلى الله
عليه وسلم من خلال سنته وسيرته ، أن الإنسان عقل يدرك وقلب يحب ، وأن العقل غذاؤه
العلم ، وأن القلب غذاؤه الحب ، وأن العقل أمير القلب ، لذلك ورد عن النبي صلى
الله عليه وسلم أن : ((أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً)) .
وإذا كان العقل للنفس كالعين تبصر به فإن الهدي الرباني نور لهذه العين
، فأنى للعقل أن يرى الحقائق من دون نور يكشفها له ؟ وإذا كان القلب وما ينطوي
عليه من حب محركاً للإنسان ، ينتقل ويرقى به فإن العقل مقودٌ يوجه الحركة نحو
الهدف ، ويجنبها الانحراف والهلاك .
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب العقل في الإنسان فعن أبي أمامة
رضي الله عنه أن شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم : فقال : يا نبي الله أتأذن
لي في الزنا ؟ فصاح الناس به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه ، فدنا حتى
جلس بين يديه ، فقل له الرسول صلى الله عليه وسلم : أتحبه لأمك ؟ قال : لا ، جعلني
الله فداك ، قال صلى الله عليه وسلم : فكذلك الناس لا يُحبونه لأمهاتهم .. أتحبه
لابنتك ؟ قال : لا جعلني الله فداك ، قال صلى الله عليه وسلم : كذلك الناس لا
يحبونه لبناتهم ، قال : أتحبه لأختك ؟ قال : لا ، جعلني الله فداك ، قال صلى الله
عليه وسلم : كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم ، ثم ذكر له العمة والخالة ، ثم وضع
النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال : ((اللهم طهر قلبه ، واغفر ذنبه ،
وحصِّن فرجه)) .
فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا ".
[راجع كنز العمال 13614 عن ابن جرير]
وإذا كانت مخاطبة العقل تُحدث قناعة ، فإن مخاطبة القلب تُحدث موقفاً ،
فلقد خاطب الأنصار الذين وجدوا عيه في أنفسهم ، عقب غزوة حنين ، وتوزيع الغنائم ،
فقال لهم : ((يا معشر الأنصار ، ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله بي ، وعالة
فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ .. أوجدتم يا معشر الأنصار في
أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليُسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، أما
ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا أنتم برسول الله
إلى رحالكم ؟ .. عندئذ بكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم)) .
القاعدة السابعة : الدليل والتعليل ..
علمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال ما أُوحي إليه ، أن القرآن
الكريم كلام خالق السماوات والأرض .. قال تعالى :
[سورة الفرقان]
إذاً لا بد من تطابق دقيق وتام بين مضامين القرآن الكريم ، وقوانين
الكون بسماواته وأرضه ومخلوقاته ، ولا سيما الإنسان ، كما أن العقل بمبادئه ، مبدأ
السببية والغائية وعدم التناقض ، يتفق مع سنن الكون الثابتة ، ودعوة القرآن الكريم
إلى إعمال العقل في خلق السماوات والأرض ، كأداة لمعرفة الله ، وكمناط لمسؤولية
الإنسان ، يؤكد هذا التوافق ، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الفطرة الإنسانية تتفق
اتفاقاً تاماً مع الإيمان بالله واليوم الآخر وطاعة الله، واللجوء إليه والسعادة
بقربه ، قال تعالى :
[سورة الروم]
لهذا نستنتج أن كل دعوة إلى الله لا يتقاطع في دائرتها النقل الصحيح مع
العقل الصريح مع الفطرة السليمة ، مع الواقع الموضوعي هي دعوة غير مقبولة ، ولا
يمكن أن تحقق نجاحاً لذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((إنما الطاعة في معروف))
.
[رواه البخاري 8/47 ، وسلم 840]
القاعدة الثامنة : الآمر قبل الأمر ..
علمنا النبي صلى
الله عليه وسلم من خلال ما أوحي إليه ، أن العلم وحده هو الوسيلة والطريق إلى الله
، قال تعالى :
[سورة فاطر]
وإن المرء ما لم يتعرف إلى الله من خلال آياته الكونية ، وآياته
التكوينية ، وآياته القرآنية ، فإنه لا يملك الخشية الكافية التي تحمله على طاعته
، واتباع سنة نبيه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعـو ويقول : ((الله اقسم
لن من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك)) .
[ذكره السيوطي في الجامع الصغير ، وعزاه للترمذي
والحاكم عن ابن عمر ]
لذلك كان التفكُّر في خلق السماوات والأرض طريقاً إلى خشية الله التي هي
طريق إلى طاعته ، وطاعته طريق إلى سعادة الدارين ، قال تعالى :

[سورة الفتح]
وأي دعوة إلى الله تقتصر على التعريف بأمره ونهيه ، ولا تُقدم على
التعريف بأمره التعريف به هي دعوة لا يُكتب لها النجاح ، قال تعالى :
شروط الداعية الناحج
الدعوة
إلى الله ـ خطاباً أو تدريساً ـ نوع من أنواع القيادة الفكرية ومن أولى مقومات القيادة ، امتلاك القدرة
على التأثير ، في الآخرين
وحملهم على تغيير تصوراتهم وقناعاتهم من جهة ، ثم حملهم على تغيير سلوكهم
وأنماط حياتهم من جهة أخرى ، مع التأكيد على أن يكون هذا التغيير طوعاً لا كرهاً
.. قال تعالى :

[سورة البقرة الآية 256]
والدعوة إلى الله نوع من أنواع التربية ، وهي في حقيقتها توجيه الأفراد
توجيهاً صحيحاً، في مختلف المجالات ، في العقائد، والعبادات والمعاملات ، وبحسب المصطلحات الحديثة ،
توجيه الأفراد توجيهاً علمياً ، ونفسياً ، واجتماعياً ، كل هذا .. من أجل أن يُحقق
الإنسان الهدف الذي خلقه الله من أجله ، فيسعد هو ومجتمعه في الدنيا والآخرة قال
تعالى :

[سورة الذاريات الآية 56]
والعبادة في بعض تعاريفها : طاعة طوعية ، تسبقها معرفة يقينية تُفضي إلى
سعادة أبدية ، لذلك كان لزاماً على الداعية إلى الله أن يملك القدرة على التأثير
في الآخرين ، ليتمكن من تأدية رسالته المقدسة التي وقف نفسه عليها ، تأدية كاملة ، أو قريبة من الكمال ،
ويمكن للداعية أن يمتلك الكثير من مقومات " فن التأثير في الآخرين " لأن
هذا الفن ليس موهبة فطرية كلياً، بل فيه نوعٌ من الكسب ، فمن مقومات التأثير في
الآخرين :
ـ جلب انتباههم ، والحركة بمعناها الواسع ، تجلب الانتباه ، فتحرك المتكلم
تحركاً معتدلاً ، وذا معنى ، وتحريك يديه ورأسه حركة ذكية مُعبرة ، وتحريك عينيه
لتقعا على كل مُستمع ، وتحريك الصوت بتلوينه ارتفاعاً وانخفاضاً ، رقَّة وجزالة ،
بحسب المعنى والهدف وتحريك الأسلوب بين الخبر والإنشاء ، وبين الأمر والنهي ،
والوعد والوعيد وبين الوصف والتحليل
، وبين السرد والنقد ، وبين القصة والمثل ، وبين التقرير والتصوير ، وبين الترغيب
والترهيب ، وبين الحوار والحدث فإن
في الحركة جلباً لانتباه الآخرين ، وجلبُ انتباههم شرطٌ لإحداث التأثير فيهم .
ـ وتُعد القصة من أهم الأطر التعبيرية ، ومن أوسعها انتشاراً ، ومن أقربها
إلى النفس الإنسانية ، وذلك لقدرتها على التغلغل في أعماقها ونظراً لما تنطوي عليه
من حقائق إنسانية ، ولما تتمتع به من إثارة وتشويق ، ولما تتركه في نفس المستمع أو
القارئ من أثر فكري وأخلاقي ، لذا تُعد القصة من أشهر الوسائل التعبيرية ،
والتوجيهية فاعلية ، ففي القصة تتحرك الشخصيات ، عن طريق الحدث والحوار ، حركةً لا
يمكن التنبؤ بنتائجها ، وهذا هو سرٌّ التشويق في القصة ففي الإنسان قدرٌ من حسب الاطلاع ، يدفعه إلى متابعة كل متحرك،
لا يعرف كيف يستقر ، ويظل مشدوداً إلى هذا المتحرك ، إلى أن يعرفَ مصيره على الأقل
، وهذا ما يُفسر عدم تركنا قصة شائقة ومثيرة ومن هنا كانت القصة إحدى أهم الوسائل
الفعالة في التوجيه ، بسبب ما تملكه من إمتاع مستمر يجعل المرء مشدوداً إليها ،
فإذا كان مغزاها يتصل بحقيقة دينية أساسية ، تركت أثراً كبيراً في إحداث تصورات
ومواقف جديدة لدى المستمع ، قال تعالى :

[سورة يوسف الآية 111]
ـ ومن أساليب التأثير في الآخرين الاستعانة بالرغبات ، والحاجات فمن
الضروري إذا أريد التأثير في شخص ما ، أن يُجعل من رعباته المشروعة ، وحاجاته
وسيلةً للتأثير فيه ، فمجرد إلقاء المعلومات لا يأتي بالثمرة المطلوبة ، ما لم تكن
هذه المعلومات مرتبطة بالاهتمامات الحقيقية للشخص المستمع ، فالإنسان نادراً ما
يتأثر عن طريق العقل المجرد ، أو الحقائق الجافة ، التي ليس لها صلة بحياته ،
فالوعظ والتعنيف واللوم مضيعةٌ للوقت ، مجلبةٌ للسأم ، والحديث عن الحياة الطيبة ،
التي وعد الله بها المؤمنين أقرب إلى قلب المستمع من موضوع المواريث أو عتق العبيد
.
ـ وعامل آخر من عوامل التأثير في الآخرين ؛ وهو الجدَّةُ والإبداع. إن
مقداراً معيناً من الجدة والإبداع ضروري لجلب انتباه الآخرين والتأثير فيهم ، على
ألا تكون تلك الجدة بعيدةً جداً عن المألوف ، لأن الناس يخشون قليلاً الأشياء
الغريبة المخالفة ، وهم من جهة أخرى لا يُصغون إلى الحكاية القديمة المألوفة ،
لهذا نحن بحاجة إلى مزيج عادل من القديم والجديد . قال تعالى :

[سورة النحل الآية 8]
ففي
الآية إشارةٌ إلى وسائل النقل الحديثة ، مع وسائل النقل التي كانت سائدة .
ـ هذا وإن معرفة خطوط دفاع الآخرين ، والتغلغل وراءها ضروري لإحداث الأثر
المطلوب ؛ فالإنسان ـ عادة ـ مستمسك بما هو عليه من تصورات ، ومواقف ، وتصرفات ،
وعادات ، وتقاليد ، وهو يدافع عنها
ويرفض كل تجديد ، لأنه يدافع عن شخصيته ، ويؤكد ذاته ، والتأثير في مثل هذا
النوع من الناس صعبٌ ، إلا إذا تمكن الداعية من تحطيم خطوط دفاعه ، أو التسلل
وراءها ليصل إلى حاجاته الأساسية ، أو سماته العميقة ويستعين بها لإحداث قناعات جديدة ، ومواقف صحيحة مخاطباً العقل تارةً والعاطفة تارةً أخرى
.
ـ ولا يستطيع الداعية أن يؤثر في الآخرين إلا إذا شاركهم في معاناتهم فإذا
اقترب الداعية من واقع الناس ، وعاش مشكلاتهم ، كان أقرب إلى قلوبهم ، وأقدر على
حل مشكلاتهم ، وأملك لقوة التأثير فيهم
إن الداعية لحقيقي يختلط مع الناس ، ليفهم مشكلاتهم، ويرشدهم إلى حلها ،
فالأنبياء العظام اختلطوا مع الناس ، ومشوا في الأسواق وشاركوا الناس كل ما في الحياة ، إلا الصغائر والآثام ، إنهم
قاسموهم كل شيء إلا ضعفهم الفكري، والخلقي ، إنهم مع الناس ليفهموهم ويرحموهم ، ويرشدوهم ، وليكونوا لهم
القدوة والنبراس .
ولا يكون كلام الداعية مؤثراً إلا إذا توافرت فيه شروط منها :
ـ الإعداد العلمي الجيد : فينبغي أن يعرف المتكلم ماذا يريد أن يقول وما
الهدف من المحاضرة ، ما موضوعها الأساسي ، ما الأفكار الرئيسية ، ما المعاني
التفصيلية التي تُعمق الأفكار الأساسية ، ما الأدلة النقلية ، ما الأدلة العقلية ،
التي تدعم ما يذهب إليه ، ما الأمثلة الواقعية وما القصص المؤثرة التي توضح وترسخ
ما يريد أن ينقله إلى الناس ، ثم كيف يرتب وينظم هذه الأفكار والشواهد ،
والأدلة والقصص ، وما الذي ينبغي أن
يُقال أولاً ، أنشرح الفكرة ثم نأتي بالدليل ، أم نأتي بالدليل ثم نشرحه ؟ فلابد
من تنظيم الأفكار، وتشقيقها
وتفريعها ، وفق خطة واضحة ، محكمة معلومة ، لدى المستمع ولابد من محور تاريخي أو موضوعي أو شخصي
تسير عليه الأفكار ، في حركتها وانتقالها ، ولابد من التنويه عند الانتقال من فكرة
إلى أخرى ولابد من تلخيص الموضوعات
الكبرى في المحاضرة ، فمن الثابت أن الإنسان لا يصغي عادة إلى الحديث المضطرب غير
المنظم .
ـ وعلى الداعية الناجح أن يفكر بسامعيه ، فعليه أن يجعل لهم صورة في ذهنه ،
ماذا يحبون ؟ .. وبماذا يهتمون ؟ .. وما الموضوعات التي تعنيهم ؟ .. وما الموضوعات
التي سئموها ؟ .. فالموضوعات التي لا تتصل بحياة الناس ، ولا تتعلق بمشكلاتهم ،
ولا تُجيب عن تساؤلاتهم ولا تنهي حيرتهم ؟ مثل هذه الموضوعات لا يلقون إليها
آذاناً صاغية ، ولا يجدون رغبة في متابعة الاستماع إليها .
ففي الجامعة يُلزم الطالب بمتابعة المحاضرات ، وربما توقف نجاحه على هذه
المتابعة، بينما لا يملك الداعية أو المدرس الديني أن يُلزم أحداً على حضور دروسه
، لكن قوة المضمون ، وروعة العرض
وجمال الأسلوب ، ودقة الأمثلة ، وحضور القلب ، والإخلاص في هداية الآخرين ،
كل هذه الشروط تجعل الآخرين ملتزمين بحضور هذا الدرس.
ولا يستطيع الداعية الناجح ، أن يشد الناس إليه ، إلا أن يعتقد الذكاء
والنباهة في المستمعين ، فلا يفرض أنهم لا يعرفون شيئاً ، ولا يستطيعون أن يفكروا
في شيء ، فهو يلقي إليهم أبسط الحقائق وأتفه التفصيلات ، ويجري أمامهم المحاكمات
الشاذة عندئذ يخسرُ فئة الأذكياء من مستمعيه ، أو يخسر انتباههم ، ثم يخسر تقديرهم
، ثم يخسر وجودهم . بل يجب عليه أن يجعل المستمعين يفكرون معه ويملئون بعض الفارغات الفكرية ، ويحملهم
على أن يستنبطوا بعض الحقائق بأنفسهم ، والقرآن الكريم يعلمنا أن نلحظ ذكاء
المستمع ، قال تعالى :