رقم الشريط : 8/901.

رقم الـدرس : 8 آ / 901 .

الموضـــوع : 9- التوبة (الطمأنينة والسكينة) .

كتـــــابــــــة : م . م . حسان العودة .

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فنحن في رمضان شهر التقوى ، شهر التوبة والغفران ، شهر الطاعة والإحسان ، شهر الذكر والقرب ، شهر التقوى والحب ، لقد فرضه الله علينا الصيام في كل عام ، ليكون موسماً يرقى فيه عباده الطائعون ، وفرحة لعباده الصالحين ، وفرصة يتوب فيه عباده المسيئون ، ويصطلحون فيه مع ربهم .

والتوبة أيها الأخوة :

إنما شرعها الله سبحانه وتعالى ، لتكون صوناً للهداية ، وسبيلاً للنجاة ، فهو جل جلاله ، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل .

 ويا أيها الأخوة الأكارم :

التوبة في حقيقتها مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته  وهي صمام الأمان حينما تضغط عليه سيئاته ، وهي تصحيح للمسار  حينما تضله أهواؤه ، وهي حبل الله المتين ، حينما تغرقه زلاته   وهي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته .

قال عليه الصلاة والسلام : رغم أنف عبد ـ أي خاب وخسر  أدرك رمضان فلم يغفر له ، إن لم يغفر له فمتى ؟ إن الله سبحانه وتعالى لأفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد ، والعقيم الوالد  والظمآن الوارد .

كيف لا والله جل في علاه ؟ وقال في الحديث القدسي : وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته ، وإن أتاني نهاراً قبلته   وإن تقرب مني شبراً ، تقربت منه ذراعاً ، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ، وإن مشى إلي ، هرولت إليه ، وإن استغفرني غفرت له ، وإن استقالني ألقلته ، وإن تاب إليّ قبلته ، وإن أقبل عليّ تلقيته من بعيد ، وإن أعرض عني ناديته من قريب ، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ، ومن استعان بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردته ما يريد ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل طاعتي أهل كرامتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لطهرهم من الذنوب والمعايب ، أشكر اليسير من العمل  وأغفر الكثير من الذلل ، رحمتي سبقت غضبي ، وحلمي سبق مؤاخذتي ، وعفوي سبق عقوبتي ، وأنا أرحم بعبدي من الأم بولدها .

والآن تعالوا يا أيها الأخوة :

لنرى ثمار التوبة اللامعة ، إنها الطمأنينة والأمن ، فلا خوف  ولا حزن ، ولا قلق ، ولا هم ، فالإنسان حينما يلبي نداء فطرته السليمة  فيؤمن بخالقه ومربيه  وينطلق في طريق طاعته ، والإحسان إلى خلقه عندئذٍ تتصل هذه النفس التائبة المنيبة بربها ، فإذا كل طمأنينتها  وسعادتها بالقرب منه .

قال تعالى :

( سورة فصلت : 30 ـ 31 ) .

أيها الأخوة الأكارم :

أي قلق يبقى ؟ إذا كان الله وليك ، وأي خوف يستحوذ عليك إذا كان الله معك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك  وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويارب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ابن أدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء  وأنا أحب إليك من كل شيء .

أيها الأخوة الأكارم :

التائب ينفذ توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم  ينفذ توجيهاته السديدة ، في شأن الدنيا ، وهموم المعاش  فالنبي عليه الصلاة والسلام أمين وحي السماء ، ومبعوث العناية الإلهية  وهو الرحمة المهداة  والنعمة المزجاة ...

يقول عليه الصلاة والسلام في ما رواه الترمذي : من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه ، ومن تشعبته الهموم ، لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك .

وقد ورد في الأثر : أن خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر  وإن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها ، أرغبهم فيها .

أيها الأخوة الأحباب :

لقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام : أن يستعينوا بالله في النجاة من هموم الحياة  الضاغطة ومقلقاتها الساحقة .

قال أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : دخل النبي عليه الصلاة والسلام المسجد ذات يوم ، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامه ، فقال : يا أبى أمامه ، ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ قال يا رسول الله : هموم لزمتني وديون ، قال عليه الصلاة والسلام : أفلا أعلمك كلاماً إن قلته أذهب الله همك  وقض دينك ؟ قلت بلى يا رسول الله ، قال عليه الصلاة والسلام : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم : إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن والبخل ، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ، قال : ففعلت فأذهب الله همي وقضى ديني .

يا أيها الأخوة الأكارم :

طوبى لمن عرف ربه ، عرفه قبل فوات الأوان ، طوبى لمن تاب إليه قبل أن لا تكون توبة، طوبى لمن أطاعه مخلصاً ، طوبى لمن أحسن إلى خلقه مخلصاً ، طوبى لمن طاب كسبه ، وصلحت سريرته ، وكملت علانيته ، وعزل عن الناس شره  طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله ، قال تعالى :

( سورة الرعد : 29 )  .

اللهم علمنا ما ينفعنا ، وأنفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .