رقم الشريط : 9/901.
رقم الـدرس : 9 ج / 901.
الموضـــوع : 14 - الزمن (الوقت) .
كتــــــابـــــة : م . م . حسان العودة .
أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
ورد في الحديث الشريف : أن رغم أنف عبدٍ ـ أي خاب وخسر ـ أدرك رمضان فلم
يغفر له ، إلا لم يغفر له فمتى ؟ لذلك ينبغي للمرء أن يخرج في رمضان ، من ظلمات
الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحُول الشهوات ، إلى جنات القربات
، ومن مدافعة التدني ، إلى متابعة الترقي ، فلعل هذا الإنسان ، يرى الحقيقة الكبرى التي تتمحور حولها كل الحقائق ، فينطلق
إلى الهدف الكبير ، الذي ينتظر كل الخلائق ، فيهتدي ويهدي ، ويسعد ويُسعد .
أيها الأخوة الكرام :
في القرآن الكريم سورة قصيرة ، كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، إذا التقيا لن يتفرقا حتى يتلو أحدهما على الآخر هذه السورة ، وكان
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول
لو فكر الناس في هذه السورة لكفتهم .
هذه السورة :
ترسم حدود منهج كامل للحياة البشرية ، كما يريدها خالق البشرية ، فعلى
امتداد الزمان في جميع العصور ، وعلى امتداد المكان في جميع الدهور ، ليس أمام
الإنسان إلا منهجٌ واحدٌ رابح وطريق
واحد سالك ، إلى جنة الخلد ، وكل ما وارء ذلك ، ضياعٌ وخسارٌ وشقاء .
أيها الأخوة المشاهدون :
لعلكم تسألون ما هذه السورة ؟ إنها سورة العصر :

لقد أقسم الله جل جلاله بمطلق الزمن ، العصر للإنسان الذي هو في حقيقته ،
زمن ، فهو بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، وما من يوم ينشق فجره ، إلا
وينادي يا ابن آدم ، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني لا أعود إلى
يوم القيامة .
لقد أقسم الله بالزمن ،
للإنسان ، أنه في خسر بمعنى أن مضي الزمن وحده ، يستهلك عمر الإنسان ، الذي هو رأس
ماله ، ووعاء عمله الصالح ، الذي هو ثمن الجنة التي وعد بها .
وهل الخسارة أيها الأخوة : في العرف التجاري ، إلا تضيع رأس المال من دون
تحقيق الربح المطلوب ، لكن الإنسان إذا أستثمر الوقت فيما خلق ، يستطيع أن يتلافى
هذه الخسارة ، وذلك بالإيمان والعمل
الصالح ، والتواصي بالحق والتواصي
بالصبر .
قال تعالى :

أولاً : الإيمان ..
الإيمان هو اتصال هذا الكائن الإنساني ، الصغير ، الضعيف الفاني ، المحدود
، بالأصل المطلق الأزلي الباقي ، الذي صدر عنه هذا الوجود وعندئذٍ ينطلق هذا
الإنسان من حدود ذاته الصغيرة ، إلى راحبة الكون الكبير ، ومن حدود قوته الهزلية ،
إلى عظمة الطاقات الكونية المخبوءة ، ومن حدود عمره القصير ، إلى امتداد الآباد
التي لا يعلمها إلا الله ، هذا الاتصال فضلاً على أنه يمنح الإنسان القوة ،
والامتداد والانطلاق، فإنه يمنحه
السعادة الحقيقية التي يلهث ورائها الإنسان
وهي سعادة رفيعة ، وفرح نفيس، وأُنس بالحياة ، كأنس الحبيب لحبيبه وهو كسب لا يعدله كسب ، وفقدانه خسران لا
يعدله خسران ، وعبادة إله واحد يرفع الإنسان عن العبودية لسواه ، فلا يذل لأحد ،
ولا يحني رأسه لغير الواحد القهار ، فليس هناك إلا قوة واحدة ، ومعبودٌ واحد وعندئذ تنتفي من حياة الإنسان المصلحة ،
والهوى ، ليحل محلها الشريعة والعدل .
والاعتقاد بكرامة الإنسان أيها الأخوة :
وهو من لوازم الإيمان ، الاعتقاد بكرامة الإنسان على الله يرفع من قيمته في
نظر نفسه ، ويثير في نفسه الحياء ، من التدني عن المرتبة التي رفعه الله إليها .
ثانياً :
" وعملوا الصالحات " ، ولأن الإيمان حقيقة إيجابية متحركة كان العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان ، فما إن تستقر
حقيقة الإيمان في ضمير المؤمن حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها ، في صورة عمل صالح
، فلا يمكن أن يظل الإيمان في نفس المؤمن خامداً لا يتحرك ، كاماً لا يتبدى ، فإن لم يتحرك الإيمان هذه الحركة
الطبيعية فهو مزيف ، أو ميت ، شأنه شأن الزهرة ينبعث أريجها منها انبعاثاً طبيعياً
، فإن لم ينبعث منها أريج فهو غير موجود .
والعمل الصالح أيها الأخوة :
ليس فلتةً عارضة ، ولا نزوةً طارئة ، ولا حادثةً منقطعة ، إنما ينبعث عن
دوافع ، ويتجه إلى هدف ، ويتعاون عليه المؤمنون .
فالإيمان ليس انكماشاً ، ولا سلبيةً ، ولا انزواءً ، ولا تقوقعاً بل هو حركةٌ خيرةٌ ، نظيفة ، وعمل إيجابي
، هادف ، وإعمار متوازنٌ للأرض ، وبناء شامخ للأجيال ، يتجه إلى الله ، ويليق
بمنهج يصدر عن الله .
ثالثاً :
" وتواصوا بالحق " ، ولأن النهوض بالحق عسير ، والمعوقات كثيرة ، والصوارف عديدة ، فهناك هوى النفس ، ومنطق المصلحة وظروف البيئة ، وضغوط العمل ، والتقاليد
، والعادات ، والحرص والطمع ،
عندئذٍ يأتي " التواصي بالحق " ، ليكون مذكراً ، ومشجعاً ومحصناً للمؤمن الذي يجد أخاه معه يوصيه
، ويشجعه ، ويقف معه ويحرص على
سلامته ، وسعادته ، ولا يخذله ، ولا يسلبه ، وفضلاً عن ذلك ، فإن "
التواصي بالحق " ينقي الاتجاهات الفردية ويوقيها فالحق لا يستقر ، ولا يستمر إلا في مجتمع
مؤمن ، متواص ، متعاونٍ متكافل ،
متضامن .
فالمرء بالإيمان ، والعمل الصالح يكمل نفسه ، وبالتواصي بالحق يكمل غيره ،
وبما أن كيان الأمة مبني على الدين الحق الذي جاءنا بالنقل الصحيح ، وأكده العقل ، وأقره الواقع ، وتطابق
مع الفطرة ، فلابد من أن يستمر هذا الحق ويستقر ، حتى تشعر الأمة بكيانها ،
ورسالتها ، فالتواصي بالحق ، قضية مصيرية فما لم تتنامى دوائر الحق في الأرض ،
تنامت دوائر الباطل وحاصرته فالتواصي بالحق ، يعني الحفاظ على وجوده ، والأداء
لرسالته .
رابعاً :
" وتواصوا بالصبر " ، وقد شاءت حكمة الله جل
جلاله أن تكون الدنيا دار ابتلاء بالشر والخير ، ودار صراع بين الحق والباطل لذلك كان التواصي بالصبر ضرورةً للفوز
بالابتلاء ، والغلبة في الصراع .
إذاً :
لابد من التواصي بالصبر ، على مغالبة هوى النفس وعناد الباطل ، وتحمل الأذى ، وتكبد المشقة ، لذلك يعد الصبر
وسيلةً فعالةً لتذليل العقبات ، ومضاعفة القدرات ، وبلوغ الغايات ، إن تكونوا
تألمون ، فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون .
أيها الأخوة المشاهدون : أرجو أن تكونوا قد أفتم من هذه السورة ، وشكراً
لإصغائكم، وإلى لقاء آخر ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .