رقم الشريط
: 16/901.
رقم الـدرس
: 16 ـ ب .
الموضـــوع
: ندوة إذاعية أجرتها إذاعة دمشق حول التوكل والتواكل
كتـــــابــــــة
: م . م . حسان العودة .
بسم الله
الرحمن الرحيم
مستمعي الأعزاء ، أهلاً ومرحباً بكم بحلقة جديدة من برنامج الإسلام والحياة
.
ضيف حلقة اليوم ... الأستاذ محمد راتب النابلسي ... الأستاذ المحاضر
في كلية التربية، في جامعة دمشق ، وخطيب مسجد عبد الغني النابلسي .
الموضوع الذي سنتناوله اليوم بإذن الله ؛ هو موضوع التوكل والفارق بينه
وبين التواكل ، علماً بأن هناك شبهةً قد يعرض لها بعضهم من خلال أن التوكل لا حاجة
لنا به إذا قدمنا الأسباب كاملةً
علماً بأن الإنسان كثيراً ما يقدم الأسباب كاملةً ، ومدروسة ، وبعد ذلك يخطئ ، ويعلم أنه قد أخطئ ، إذاً
لابد من التوكل ، ومن ناحية ثانية يجب أن يبتعد عن التواكل .
ضمن هذا المفهوم ، يسيئ بعض الناس مفهوم التوكل فيسوقهم هذا المفهوم الخاطئ إلى السلبية ، وإلى عدم
الأخذ بالأسباب .
ما رأيكم أن نتناول هذا الموضوع بداية ؟
موضوع التوكل ، موضوع مهم جداً في حياة المؤمن ، لأنه من لوازم إيمانه
بالله تعالى ، بل هو ثمرة من ثمار إيمانه بالله تعالى ولابد قبل الحديث عن التوكل من أن نمهد له بموضوع يعد أساساً
له وهو أن الله جل جلاله ، خلق
الكون بسماواته وأرضه ، وخلق العوالم
وعلى رأسها الإنسان وفق أنظمة بالغة الدقة .
ومن أبرز هذه الأنظمة ، نظام السببية ، وفي تعريف السببية تلازم شيئين حدوثاً وعدماً ، أحدهما قبل
الآخر ، فنسمي الأول سبباً ونسمي الثاني نتيجة .
لكن مما يكمل هذا النظام ، أن العقل البشري يقوم في تركيبه على مبدأ
السببية ؛ أي أن العقل لا يفهم حدثاً من دون محدث ، ومن رحمة الله بنا ، أن هذا
النظام في الكون ، وذاك المبدأ في العقل يقودنا برفق إلى معرفة الله مسبب الأسباب .
الأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض
ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟.
ومن رحمة الله بنا ثانية :
أن تلازم الأسباب مع النتائج يضفي على الكون طابع الثبات ويمهد الطريق لاكتشاف القوانين ، ويعطي
الأشياء خصائصها الثابتة ليسهل
التعامل معها ، ولو لم تكن النتائج بقدر الأسباب ، لأخذ الكون طابع العبثية ،
ولتاه الإنسان في سبيل المعرفة ، ولم ينتفع بعقله .
والآن إلى موضوع التوكل :
سؤال ؟
إذا كان الأمر كذلك ، فما هي حقيقة التوكل ؟ وما هي مجالاته المشروعة ؟
أستاذ عدنان ، التوكل مكانه قلب المؤمن ، وأما الأخذ بالأسباب فمكانه
الجوارح والأعضاء ، فإذا تركنا الأخذ بالأسباب ، توكلاً على الله ، وقعنا في مرض
خطير ؛ هو سبب تخلف المسلمين ، وقد يطلق على هذه الحالة المرضية الخطيرة التي تصيب
المسلمين بالشلل يطلق على هذه
الحالة بالتواكل ، وهو نقيض التوكل ، أراد الله أن توكل ، لكن لم يرد بنا أن
نتواكل .
فمن أخذ بالأسباب واعتمد عليها فقد حبط عمله ، وسلك طريقاً لا يصل به إلى
الله عز وجل .
لذلك يتفضل الله على هذا الإنسان فيؤدبه ، كيف يأدبه بتعطيل فاعلية الأسباب التي اعتمد
عليها ، فيفاجأ هذا الإنسان بنتائج غير متوقعة ، لكن في حالة أخرى ، من ترك الأخذ
بالأسباب متوكلاً في زعمه على الله ، فقد عصى ، فقد عصى ربه ، لأنه لم يعبأ بهذا
النظام، الذي ينتظم الكون ، ولأنه طمع بغير حق ، أن يخرق الله له هذه السنن .
قال عمر رضي الله عنه : المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله .
سؤال ؟
طيب إذا أخطأنا فهم حقيقة التوكل ، فانزلقنا إلى أن يحبط عملنا أو إلى معصية ، من خلال ترك الأسباب ،
فما الذي يحدث ؟
الأستاذ :
الحقيقة هذا يقودنا إلى رأي علماء التوحيد في هذا الموضوع علماء التوحيد يرون ، أن السبب لا يعد
كافياً لخلق النتيجة ، فالنار لا تحرق بذاتها ، بل عند مشيئة الله لها أن تحرق ،
واستنبط العلماء هذه الحقيقة من أدلة نقلية وعقلية وواقعية ، وعبروا عنها اختصاراً
عندها لا بها ؛ أي أن النار لا تحرق بقوة الإحراق الذاتية التي أودعت فيها فيما
يبدو ، بل بمشيئة الله تعالى لها أن تحرق فالكي لا نتوهم أن الأسباب وحدها تخلق
النتائج ، فنتجه إليها ، ونعتمد عليها ، من دون الله ، لأن علة وجودنا أن نؤمن
بالله ، وأن توجه إليه ، وأن نعتمد عليه
لنسعد به .
لذلك من تربية الله لنا ،
ومن رحمته بنا ، ومن تأديبه لنا أنه يخرق لنا أحياناً هذه القاعدة، وقاية لنا من
الشرك ، وترسيخاً للتوحيد عندئذٍ
تعطل الأسباب ، كما وقع لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما ألقي في النار .

( سورة
الأنبياء : 69 ) .
وأحياناً يوجد السبب ولا تتحقق النتيجة ، وأحياناً توجد النتيجة من دون سبب
، أو من دون سبب كافٍ .
قال تعالى ، وقد حدثنا عن سيدنا عيس عليه الصلاة والسلام :

( سورة آل
عمران : 49 ) .
وباختصار التوكل درب ضيق عن يمينه وعن شماله واديان فمن أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها ، فقد
انزلق إلى إحباط العمل ، ومن لم يأخذ بها فقد انزلق إلى معصية الله ، لكن الموقف
الدقيق الذي أراده الله عز وجل ، أن نأخذ بالأسباب من دون أن نعتمد عليها ، وأن
توكل على مسبب الأسباب رب العالمين .
هذه حقيقة التوكل التي أرادها الله عز وجل ، وقد ورد التوكل في آيات كثيرة
، فقال تعالى :

( سورة
إبراهيم : 12 ) .
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه إذا أردت أن تكون أقوى الناس
فتوكل على الله .
سؤال :
يعني هنا يحضروني بعض الأمثلة ، حتى فيما يمكن أن يقال في قمة الاختراعات
والتصنيع ، مثلاً لكل عام نجد في السيارات طرازاً جديداً يختلف عما سبقه ، عندما
صممت السيارة درست من قبل مهندسين ، درست من قبل أخصائيين ، من كل النواحي ، وصنعت
بعد ذلك السيارة ، في العام التالي نجد تعديلاً فيها ، ترى ألم يأخذوا بالأسباب من
قبل ؟ أخذوا بالأسباب ، طيب لماذا جاء هذا التعديل إن كانت الأسباب تودي إلى الصحة
المتكاملة باستمرار ؟ لاشك أن الإنسان وعقله ، عاجز عن تأدية الكمال ، هنا دور
الإيمان ، أن الإنسان يؤدي الأسباب كاملة ، وبعد ذلك يلتجئ إلى الله تعالى أن يارب
إني قد أديت ما عليّ وبعد ذلك أتوكل عليك .
الأستاذ :
الحقيقة هذا الطرح الذي طرحتموه دقيق جداً ، لأن خبرة الإنسان مكتسبة ، خبرته
حديثة، محدثة ، لكن خبرة الله قديمة ، فلم يطرأ أي تعديل على خلقة الله عز وجل ،
لأن كماله مطلق ، وخبرته قديمة ، أما الإنسان بحكم ضعفه .
قال تعالى :

( سورة
النساء : 28 ) .
فخبرته يكتسبها شيئاً فشيئاً ، فهذا لا يمنع أن نأخذ بالأسباب دائماً ،
وكلما واجهنا مشكلة نبحث عن أسبابها ، ونغطي هذا السبب بعلاج ناجح ، ونافع .
السائل : هو التوكل .
الأستاذ : هو التوكل .
في نهاية هذا اللقاء نشكر الأستاذ محمد راتب النابلسي ، الأستاذ
المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، وخطيب مسجد عبد الغني النابلسي .