رقم الشريط
: 16/901.
رقم الـدرس
: 16 ـ ج .
الموضـــوع
: ندوة إذاعية أجرتها إذاعة دمشق حول مفهوم العبادة في الإسلام
كتـــــابــــــة
: م . م . حسان العودة .
بسم الله
الرحمن الرحيم
مستمعي الأعزاء أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج الإسلام والحياة
.
ضيف حلقة اليوم ...الأستاذ محمد راتب النابلسي ... الأستاذ المحاضر
في كلية التربية بجامعة دمشق ، وخطيب مسجد عبد الغني النابلسي .
أهلاً ومرحباً بالأستاذ .
أهلاً بكم يا أخي .
سؤال ؟
أستاذ سوف نتناول اليوم موضوع العبادة ، العبادة بمفهومها الواسع العريض ،
وقد ورد في بعض الآثار القدسية ، عبادي إذا ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة ، ولا
لأستكثر بكم من قلة ، ولا لأستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه ، ولا لجلب منفعة
، ولا لدفع مضرة ، وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرةً وأصيلا .
هنا تتوضح أن العبادة لله تعالى ، ليست من خلال أن الله بحاجة إلى هذه
العبادة ، هذه ناحية .
الناحية الثانية : إن للعبادة فلسفة يمكن أن تعتمد ، وإن صح أن لكل شيء
فلسفة ، فما فلسفة العبادة في الإسلام ؟ بتعبير آخر لماذا نعبد الله تعالى ؟
الإنسان ... هو المخلوق الأول رتبةً ... قال تعالى :

( سورة
الأحزاب : 72 ) .
والإنسان أيضاً هو المخلوق المكرم ، لقوله تعالى :

( سورة
الإسراء : 70 ) .
شيء آخر ، هو أن الكون كله بسماواته وأرضه مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم
، قال تعالى :

( سورة
الجاثية : 13 ) .
إذا كان الكون مسخر للإنسان ، فلإنسان لمن ؟ .
الإجابة عن هذا السؤال الإنسان لله ، ليعرفه ، لعبده ، ليسعد بقربه إلى أبد
الآبدين ، قال تعالى :

( سورة
الذاريات : 56 ) .
والعبادة في بعض تعاريفها الدقيقة ، طاعة طوعيه ، تخالطها محبة قلبية ،
أساسها معرفة يقينية ، تفضي بالإنسان إلى سعادة أبدية فالمعرفة أساس العبادة ، والعبادة أساس السعادة .
سؤال :
طيب هل تقتصر العبادة في الإسلام على الصوم ، والصلاة والزكاة ، وما إلى ذلك ؟ أم أن لها
مفهومات تشمل الحياة كلها ، وكيان الإنسان كله أيضا ؟
الأستاذ :
الحقيقة أستاذ عدنان ، أن العبادة نوعان :
عبادة تعاملية ، كل أمر أمر الله به ، الائتمار به من العبادة وكل نهي نهى الله عنه ، الانتهاء عنه من
العبادة .
إذاً : تطبيق أوامر الله عز وجل ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
، والأحكام الفقهية التي استنبطها
المجتهدون ، هذا التطبيق بحد ذاته هو العبادة .
لكن النوع الثاني من العبادة :
هو العبادات الشعائرية ، كالصلاة ، والصيام ، والحج والزكاة ، فبعض هذه العبادات قولي
، كتلاوة القرآن ، والأدعية
والأذكار ، وبعض هذه العبادات بدني ، كالصلاة ، وبعض هذه العبادات مالي ،
كالزكاة ، وبعض هذه العبادات بدني مالي ، كالحج والعمرة .
لكن العبادة الشعائرية في جوهرها ، وهذا أهم ما فيها ، إنها اتصال بالله
بشكل أو بآخر ، هذا الاتصال لا ينعقد إلا إذا كان العبد ملتزماً بالعبادة
التعاملية ؛ أي كان عند الأمر والنهي ، لأن الذنب حجاب بين العبد وربه .
لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رُب تالٍ للقرآني والقرآن يلعنه ، إن لم يطبق أوامر الله
التي وردت في القرآن .
وفي موضوع الدعاء ، يقول العبد : يارب ، يارب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام ، وغُذي بالحرام ، فأنى
يستجاب له ؟.
وعن الصلاة : فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا
بعداً .
وعن الصوم : رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش .
وعن الإنفاق :

( سورة التوبة : 53 ) .
وركعتان من ورع ، خير من ألف ركعة من مخلط ، ومن لم يكن له ورع يصده عن
معصية الله لم يعب الله بشيء من عمله
وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام .
إذاً : فالعبادات الشعائرية لا تحقق هدفها ، ولا تقطف ثمارها إلا إذا كان
العبد ملتزماً بأمر الله ونهيه .
سؤال ؟
يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه : العبادات معللة بمصالح الخلق ، كيف
نفهم هذه العبادات في ضوء هذا القول ؟
الأستاذ :
رضي الله عنه عن الإمام الشافعي كما تفضلتم ، الحقيقة أن الصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، عبادات
معللة كما قال الشافعي بمصالح الخلق
فالصلاة مثلاً ذكر لله عز وجل .
قال تعالى :

( سورة طه :
14 ) .
والصلاة أيضاً قرب لله عز وجل ،
قال تعالى :

( سورة
العلق : 19 ) .
والصلاة وعي وعقل .
قال تعالى :

( سورة
النساء : 43 ) .
فمن صلى ولم يعي ما قرأ في الصلاة فكأنه في حالة السكران وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ،
والصلاة فضلاً عن ذلك فيها تطهير للنفس
من الأدران ، إنها نور تهتدي به النفس في ظلمات الحياة ، الصلاة عماد الدين ،
وعصام اليقين ، وسيدة القربات ، وغرة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض
والسماوات .
والزكاة أيضاً : تطهر الغني من الشح ، تطهر الفقير من الحقد تطهر المال من
تعلق حق الغير به ، تنمي شعور الغني بقيمته في المجتمع ، من خلال بذله ، تنمي شعور
الفقير بأن مجتمعه مهتم به تنمي
المال التي دفعت زكاته ، كل هذه المعاني استنبطها علماء التفسير، من قوله تعالى :

( سورة
التوبة : 103 ) .
والصوم ؟
الأستاذ :
الصوم : ونحن في شهر الصوم ، صوم رمضان دورة سنوية مكثفة ، يدع فيه المؤمن
طعامه ، وشرابه ، تقرباً إلى الله عز وجل
ففي الصيام يعرف الإنسان عبوديته لله عز وجل، وفي الصيام يتعرف إلى فضل
الله عليه .
والصيام أيضاً : مناسبة تتقوى فيها إرادة الإنسان الخيرة ، بل هو قفزة
نوعية في معرفة الله ، والتقرب منه ، وفضلاً عن كل ذلك ففيه وقاية وصيانة لأجهزة
الجسم المختلفة .
أما حج بيت الله الحرام :
فهو رحلة إلى الله تعالى ، تبعد الإنسان عن كل أوهام المادة وتهيئه للقاء الله عز وجل حيث السعادة
الأبدية .
سؤال :
تفضلتم أن في الصوم يتعرف الإنسان على عبوديته لله تعالى هذه العبودية هل فيها منقصة للإنسان ؟ أم
فيها رفعة للإنسان ؟
الأستاذ :
الحقيقة أستاذ عدنان :
لا يرقى الإنسان إلى أعلى مراتبه إلا إذا كان عبداً لله ، لا يتألق ، بل لا
تتألق إنسانيته إلا إذا كان عبداً لله ، والإنسان حينما يعبد الله يستمد من الله
عز وجل كل قوته ، وكل حكمته ، وكل كماله الإنساني .
فالإنسان إذا عبد الله ، حقق وجوده ، وأكد ذاته ، وحقق الهدف الذي من أجله
خلق ، أو خلقه الله عز وجل .
في نهاية هذا اللقاء نشكر الأستاذ محمد راتب النابلسي ، الأستاذ
المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق ، وخطيب مسجد عبد الغني النابلسي .