ندوات الإفطار الإذاعية من إذاعة الشرق في
باريس - إخلاص العبادة لله وحده ، لفضيلة الدكتور محمد راتب
النابلسي
أعزَّائي المستمعين
إخوتي المؤمنين ، السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
و بعد .
فصيامُ رمضان
عبادة من عبادات الإسلام ، و لا تتَّضح حقيقةُ العبادات إلا إذا رُبِطت بأصول الدين
، لماذا وُجِدتُ ؟ و ما مهمَّتي في هذا الوجود و ماذا بعد الموت ؟ سؤالٌ واجب على كل إنسان أن يطرحه على نفسه
و أن يفكِّر مليّا في الإجابة عنه ، فإن كل جهلٍ مهما عظُمت نتائجُه فقد يُغتفَر
إلا أن يجهل الإنسانُ سرَّ وجوده و غاية وجوده و رسالةَ نوعه فعليه أن يعرف من أين
و إلى أين و لماذا ؟ و أكبرُ عارٍ على هذا المخلوق الأول و المكرَّم الذي أوتيَ
العقلَ و الإرادة أن يعيش غافلا يأكل و يتمتَّع كما تأكل الأنعام ، لا يدري شيئا
عن حقيقة نفسه و طليعة دوره في الحياة ، قال تعالى :

[سورة البقرة]
أي ما عرف
قدرها ، و ليست قصةُ الإنسان كما يتوهَّم الماديُّون ؛ أرحامٌ تدفع و أرضٌ تبلع ،
و الإنسانُ بين صَرخة الوضع و أنَّة النزع يعاني ما يعاني ، و لا خلودَ و لا جزاءَ
، يستوي في ذلك من أحسن نهاية الإحسان ومن أساء كلَّ الإساءة ، يستوي في ذلك من
عاش عمرَه للناس على حساب شهواته و من عاش عمرَه لشهواته على حساب الناس يستوي في
ذلك من ضحَّى بحياته في سبيل الحقِّ و من اعتدى على حياة الآخرين في سبيل الباطل ،
قال تعالى :

[سورة القيامة]
و قال تعالى
:

[سورة المؤمنون]
و قال تعالى
:

[سورة الجاثية]
أيها الإخوة
الكرام ؛ لقد خلق اللهُ الإنسانَ ليكون خليفته في الأرض ، قال تعالى :

[سورة البقرة]
و أول شيء
في هذه الخلافة أن يعرف ربَّه حقَّ المعرفة ، قال تعالى :

[سورة الطلاق]
و ثاني شيء
في هذه الخلافة أن يعبده حقَّ العبادة ، قال تعالى :

[سورة الذاريات]
فالماءُ للأرض
، و الأرض للنبات ، و النباتُ للحيوان ، و الحيوان للإنسان و الإنسان لمَن؟ الإنسان
لله ، لمعرفته ، لعبادته ، لا لعبادة بشرٍ و لا حجر و لا بقر و لا شجر ، و لا شمس
و لا قمر ، ابنَ آدم اُطلُبني تجدني ، فإن وجدتَني وجدتَ كلَّ شيء ، و إن فِتُّك
فاتك كلُّ شيء ، و يا ربي ماذا وجد من فقدك ،و ماذا فقد من وجدك ، و إذا كان اللهُ
معك فمن عليك ، و إذا كان الله عليك فمن معك .
إن معرفة
الله موجودا و واحدا و كاملا هي نهايةُ العلم ،و إن طاعته و التقرُّبَ إليه هي
نهايةُ العمل ، و هاتان الحقيقتان هما فحوى رسالات الأنبياء جميعا ، قال تعالى :

[سورة الأنبياء]
و العبادةُ
هي غاية الخضوع مع غاية الحبِّ ، فمن خضع و لم يحبَّ لا يكون عابدا ، و من أحبَّ و
لم يخضع لا يكون عابدا ، الخضوعُ و الحبّ هو ما فُطر عليه الإنسانُ ، قال تعالى :

[سورة الروم]
لذلك نلمَح
في العبادة أمرين :
الأول : هو
الالتزامُ بما شرعه اللهُ تعالى ، أمرا و نهيا و تحليلا و تحريما ، فليس عبدا لله
و لا عابدا له من استكب عن اتِّباع منهجه و الانقياد لشرعه ، و إن أقرَّ بأن الله
خالقُه و رازقُه، و إن دعاه في الكُرُبات و استغاثه في الشدائد ، و أساس الخضوع
لله هو الشعورُ الواعي بوجود الله و وحدانيته و علمه و محاسبته ، و بأنه وحده يملك
النفعَ و الضرَّ و الخير و الشرَّ و الحياة و الموت ، له الخلقُ و الأمر ، و ما
شاء اللهُ كان ، و ما لم يشأ لم يكن ، إليه يرجع الأمرُ كلُّه ، يحكم لا معقب
لحكمه ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، و كلما ازداد ذلك الشعورُ الواعي عمقًا
و اتِّساعا قوِيَ الاتِّجاهُ إلى الله و الاعتمادُ عليه و السعادة بقربه .
و الشيء
الثاني : أن يصدر هذا الالتزام عن قلب يحبُّ اللهَ تعالى ، فليس في الوجود من هو
أجدرُ من الله بأن يُحبَّ فهو صاحبُ الفضل و الإحسان ، خلق الإنسانَ و لم يكن شيئا
مذكورا ، و خلق له ما في الأرض جميعا ، و أسبغ عليه نعمه ظاهرةً و باطنةً ، خلقه
في أحسن تقويم ، و كرَّمه أعظم تكريم ، فضَّله على كثير من العالمين ، و رزقه الطيِّباتِ
، و يسَّر له القرُبات ، و استخلفه في الأرض ، نفخ فيه من روحه ، و أسجد له
ملائكته .
أيها الإخوة
الأحباب ؛ الصيامُ عبادة ، و من لوازم هذه العبادة الخضوع لأمر الله في كلِّ ما
أمر و أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما .
اللهم لأخرجنا
من ظلمات الجهل و الوهم إلى أنوار المعرفة و العلم و من وحول الشهوات إلى جنات
القربات و اجعلْ صيامَنا و قيامنا خالصا لك .
أيها الإخوة
الأحباب ؛ أشكر لكم إصغاءكم و إلى لقاء آخر إن شاء اللهُ تعالى و السلام عليكم و
رحمة الله و بركاته