الدرس 23 بتاريخ 29/4/1980
لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي
الموضوع : موضوعات أدبية
: درس تلفزيوني .
المضمون : الوجه آ : " الندوة 23 " : فن المقالة .
تفريغ : عرفان النابلسي
بسم الله الرحمن
الرحيم
أعزائي المشاهدين أسعدتم مساء و أهلاً بكم و مرحباً ، الكائنات البحرية تعد
الحياة في البحر مسرفة إسرافاً أبعد من كل خيال ، سواء في وفرتها أو في تنوعها أو
في قدمها أو غرابتها أو جمالها أو شراستها بغير تعقل و بما ليس له نظير آخر في
الطبيعة ، و تتراوح الكائنات البحرية من ملايين بلايين الكائنات الميكروئية التي
تجوب البحر في المياه الزرقاء إلى حيتان المحيط المتجمد الجنوبي الذي يبلغ طول
الواحد منها ثلاثين متراً ، و يزن مائة و ثلاثين طناً ، و تشتمل هذه الكائنات على
أجمل الأنواع التي لم تَجُد الطبيعة بمثلها كتلك الأسماك الرائعة الفضية و كتلك
الحيوانات التي تتفتح كالزهور ، و كتلك الشعب المرجانية المتلألئة ، و كتلك
الديدان التي يبلغ طول الواحد منها سبعة و عشرين متراً ، و كتلك الأسماك التي
تتلون بأحد ثمانية ألوان ، فإذا وقفنا عند الحوت و هو أكبر الكائنات البحرية و
أكبر الكائنات البرية أيضاً ، فيحتاج الحوت الواحد إلى أربعة أطنان من السمك تدخل
معدته حتى يشعر بالشبع ، و يحتاج وليده إلى ثلاثمائة كيلو من الحليب في الرضعة
الواحدة ، و يتدفق من جسم الحوت في أثناء صيده ثمانية أطنان من الدم و فيه خمسة و
عشرون طناً من الدهن ، و خمسون طناً من اللحم ، و عشرون طناً من العظام ، و تزن
أعضاؤه الداخلية ثلاثة أطنان و لسانه طنين و نصف ، و يستخرج من الحوت ما يزيد عن مائة
و عشرين برميلاً من الزيت ، وقد استطاع حوت واحد أن يجر سفينة ثمانية ساعات و نصف
بسرعة تزيد عن خمس عقد في الساعة و السفينة تُعمل محركاتها بأقصى سرعة باتجاه
معاكس لسيره .
أخوتي المشاهدين :
استمعتم قبل قليل إلى مقالة علمية عن الكائنات البحرية مأخوذة من مجموعة
علمية عنوانها " لايف " أردت أن أستهل بها هذا اللقاء عن فن المقالة ،
موضوع اللقاء فن المقالة، لتكون تجسيداً و متكئاً للأفكار النظرية المتعلقة بهذا
الموضوع .
بادئ ذي بدء سأعرض عليكم مخططاً للموضوع و بعدها ننتقل إلى الحديث عن
فقراته فقرة فقرة .
المخطط هو كما يلي :
المقالة : أولاً سوف نتحدث عن تعريفها و بعدها ننتقل إلى أهميتها و كيف
أنها فن عصري ، بعدها نتحدث عن عناصرها و عناصر المقالة تتألف من المادة و الأسلوب
و الخطة .
فالمادة هناك تعريف لها و هناك حديث عن شروطها ، و بعض الشواهد .
و الأسلوب فيه عناصر ثلاثة : الوضوح و القوة و الجمال .
و في الخطة مقدمة و عرض و خاتمة .
يا إخوتنا الطلاب و يا أعزاءنا المشاهدين :
جواب سؤال التعبير الأدبي في امتحان الشهادة الثانوية يشبه أن يكون مقالة
أدبية متواضعة لشاب مغمور هو أنت أيها الطالب ، لذلك فقرات هذا الدرس و هذا اللقاء
هي نفسها فقرات أصول كتابة موضوع في التعبير الأدبي ، الحديث عن فن المقالة عن
تعريفها و عن مقوماتها هو حديث يشبه الحديث عن أصول كتابة مقالة أدبية أي جواب
سؤال التعبير في الامتحان .
فالمقالة كما يعرفها إدموند جونسون و لنخرج قليلاً عن تعريف الكتاب:
المقالة كما يعرفها إدموند جونسون فن من الفنون الأدبية و هي قطعة إنشائية ذات طول
معتدل تكتب نثراً و تلم بالمظاهر الخارجية للموضوع بطريقة سهلة سريعة و لا تعنى
إلا بالناحية التي تمس الكاتب عن قرب .
هذا التعريف تعريف إدموند جونسون فماذا عن تعريف الكتاب المقرر؟
تعريف الكتاب المقرر المقالة قطعة من النثر معتدلة الطول تعالج موضوعاً ما
معالجة سريعة من وجهة نظر كاتبها ، سوف أشرح لكم هذا التعريف بالتفصيل و سوف أقف
عند الكلمات التي تحتها خط في هذا التعريف .
فكلمة تعالج موضوعاً ما هنا جاءت عامة هي موضوعاً ما ، في التعريف تعني أن
المقالة من أكثر الفنون الأدبية استيعاباً و شمولاً لشتى الموضوعات ، فموضوعات
كالتضخم النقدي و أساليب الإعلان و التخدير بالإبر لا يمكن أن تحملها أجنحة الشعر
، و لا حوادث القصة ، و لا حوار المسرحية ، و المقالة وحدها تتقبل مثل هذه
الموضوعات و أية موضوعات أخرى ، و تجيد توضيحها و تحسن عرضها ، إذاً الفن الأدبي
الذي يتسع لأي موضوع يخطر في خاطر كاتبه هو فن المقالة ، إذاً تعالج موضوعاً ما ،
و لكن هذه المعالجة ليست معالجة متأنية كالبحث العلمي إنها معالجة سريعة ، فكلمة
معالجة سريعة في التعريف تعني أن كاتب المقالة ما زاد عن أنه شجّر تأملات أو
تصورات أو مشاهدات تغلب عليها العفوية و السرعة ، فلو كانت المعالجة متأنية إذ
جُمعت الحقائق و محصت و صنفت و اعتمد على الإحصاء و التجربة و المتابعة لعدَّ هذا
العمل بحثاً علمياً و ليس مقالة أدبية ، فلو قرأت في مجلة علمية أن طيور
البلاكبورد تطير في الخريف إلى شاطئ المحيط الأطلسي و من هناك تقوم برحلة جوية لا
تصدق ، ما هي هذه الرحلة ؟ تقوم برحلة جوية لا تصدق فوق البحار في اتجاه أمريكا
الجنوبية مجتازة مسافة أربعة آلاف كيلو متر بلا توقف خلال ست و ثمانين ساعة على
ارتفاع يزيد عن ستة آلاف متر ، لو قرأت هذه الفقرة في مجلة علمية لعرفت أن هذه
الأسطر قد كلفت العلماء سنوات طويلة من الملاحظة و المتابعة ، إذاً هذه الفقرة هي
جزء من بحث علمي و ليس مقالة أدبية .
و أما كلمة من وجهة نظر كاتبها تعني أن المقالة تعبر عن ذات كاتبها أكثر
مما تعبر عن موضوعها لأن كاتب المقالة يرى الأشياء من خلال ذاته و ما يعتمل فيها
من مشاعر و انفعالات ، استمعوا معي إلى مي زيادة تتحدث عن طائرها :
" طائر صغير أحببته شهوراً طوالا ، غرد لكآبتي فأطربها ، ناجى وحشتي فآنسها ،
غنى لقلبي فأرقصه ، نادم وحدتي فملأها ألحانا "
و الآن ننتقل إلى الفقرة الثانية من المخطط و هي أهمية المقالة ، و إذا شئت
أن ألخص لكم كل ما سوف أقوله عن أهمية المقالة فالمقالة فن عصري .
يا إخوتنا المشاهدين و يا طلابنا الأعزاء :
كتب على غلاف إحدى المجلات ذات الطبعات الدولية كُتب هكذا : أكثر من مائة
مليون يقرؤون هذه المجلة في مائة و ثمانين بلداً في العالم و بخمسة عشر لغة ، فما
سر هذا الإقبال الشديد على مطالعة المقالات المنوعة في الصحف و المجلات ، في كل
أقطار العالم ؟
إن السر يكمن في طبيعة العصر و طبيعة حياة الإنسان في هذا العصر، في هذا
العصر التي طغت فيه المادة على القيم ، و نما العقل على حساب القلب ، و تعقدت
أنماط الحياة ، و كثرت متطلباتها ، و استهلك كسب الرزق معظم الوقت ، و اختصر كل
شيء حتى اختصرت الشهور في ساعات ، و السنون في أيام ، و ظهرت الحاجة ملحة إلى
مطالعات سريعة خفيفة ، فتطلع الناس إلى الصحف و المجلات و استهوتهم الكتيبات و
الدوريات و كأن الناس أرادوا أن يختصروا البحر في قارورة و البستان في باقة و ضياء
الشمس في بارقة و هزيم الرعد في أغرودة ، و بحثوا عن فن أدبي يدور معهم أينما داروا
و يرافقهم حيثما ساروا ، و يكون معهم في حلهم و ترحالهم و أحزانهم و أفراحهم ، في
لهوهم و جدهم ، يعبر عن نشاطهم العقلي و عن اضطرابهم النفسي ، لذلك اختصرت الكتب
في مقالات فجاءت بلسماً شافياً لمرض العصر و دواء لضيق الوقت فكانت المقالة من
أوسع الفنون الأدبية انتشاراً لأنها أقلها تعقيداً و أشدها وضوحاً و أكثرها
استيعاباً لشتى الموضوعات و أيسرها مؤونة على الكاتب و أسهلها هضماً على القارئ ،
هذه هي الأسباب التي جعلت من المقالة من أوسع الفنون الأدبية انتشاراً و من أكثرها
تلبية لحاجات العصر و لحاجات الإنسان العصري الذي يعيشها .
و الآن ننتقل إلى العنصر الثالث من عناصر الخطة و هي عناصر المقالة ، و
عناصر المقالة كما شاهدتم قبل قليل هي المادة و الأسلوب و الخطة .
فالمادة هي مجموعة الأفكار ـ الآن تعريفها ـ و الآراء و الحقائق و المعارف
و النظريات و التأملات و التصورات و المشاهدات و التجارب و الأحاسيس و المشاعر و
الخبرات التي تنطوي عليها المقالة ، تنوع التعريف بتنوع الموضوعات ، و هذا عن
تعريف مادة المقالة فماذا عن شروطها ؟
الآن شروط المقالة : يجب أن تكون المادة واضحة لا لبس فيها و لا غموض ، و
أن تكون بعيدة عن التناقض بين المقدمات و النتائج ، فيها من العمق ما يجتذب القارئ
و فيها من التركيز ما لا يجعل من قراءتها هدراً للوقت ، و فيها وفاء بالغرض بحيث
لا يصاب قارئها بخيبة أمل ، و أن يكون فيها من الطرافة و الجدة بحيث تبتعد عن
الهزيل من الرأي، و الشائع من المعرفة ، و السوقي من الفكر ، و فيها من الإمتاع
بحيث تكون مطالعتها ترويحاً للنفس أكثر مما تكون عبئاً عليها ، أن تكون المادة
واضحة و صحيحة و عميقة و مركزة و وافية للغرض طريفة و ممتعة هذه شروط المادة في
المقالة حتى تكون مادة قيمة يقبل عليها القارئ بنهم و شغف .
يقول أحد الكتاب إن مهمة الكاتب ليست في إضعاف النفوس بل في تحريك الرؤوس و
كل كاتب لا يثير في الناس رأياً أو فكراً أو مغزى يدفعهم إلى التطور أو النهوض أو
السمو على أنفسهم و لا يحرك فيهم غير المشاعر السطحية العابثة و لا يقر فيهم غير
الاطمئنان الرخيص و لا يوحي إلا بالإحساس المبتذل و لا يمنحهم غير الراحة الفارغة
و لا يغمرهم إلا في التسلية و الملذات السخيفة التي لا تكون فيهم شخصية و لا تثقف
فيهم ذهناً و لا تربي فيهم رأياً لهو كاتب يقضي على نمو الشعب و تطور المجتمع هذه
الكلمة لأحد الكتّاب يتحدث فيها عن مهمة الكاتب في مضمون المقالة أي في مادتها ،
يجب أن تحرك الرؤوس لا أن تضعف النفوس ، يجب أن تثير المثل العليا لا الغرائز
السفلى .
و العنصر الثاني في فن المقالة هو الأسلوب : و الأسلوب قبل أن نتحدث عن
شروط الأسلوب ، الأسلوب في التعريف هو الصياغة اللغوية و الأدبية لمادة المقالة أو
هو القالب الأدبي الذي تصب فيه أفكارها ، و مع أن الكتّاب تختلف أساليبهم بحسب
تنوع ثقافتهم و تباين أمزجتهم و تعدد طرائق تفكيرهم و تفاوتهم في قدراتهم
التعبيرية و أساليبهم التصويرية و مع ذلك فلا بد من حد أدنى من الخصائص الأسلوبية
حتى يصح انتماء المقالة إلى فنون الأدب .
لابد في أسلوب المقالة من الوضوح ، الوضوح كما شاهدتم في المخطط ، الوضوح
لقصد الإفهام ، و القوة لقصد التأثير ، و الجمال لقصد الإمتاع ، لابد من الفهم ، و
لابد من التأثر ، و لابد من الاستمتاع، فكل شرط من شروط الأسلوب يحقق غرضاً من
أغراض الأسلوب ، الوضوح للفهم ، و القوة للتأثير ، و الجمال للإمتاع ، فماذا عن
الوضوح وضوح الأسلوب في المقالة ؟ لابد في أسلوب المقالة من الوضوح بقصد الإفهام ،
فالوضوح في التفكير أساس الوضوح في التعبير هذه حقيقة مسلم بها ، الوضوح في
التفكير أساس الوضوح في التعبير ، مادامت الأفكار واضحة وضوحاً جداً في ذهن الكاتب
فلابد أن تأتي أفكاره و أساليبه واضحة كذلك ، و معرفة الفروق الدقيقة بين
المترادفات ثم استعمال الكلمة ذات المعنى الدقيق في مكانها المناسب فكلمة لمح كما
تشاهدون و لاح و حدج و حدق و حملق و شخص و رنا و استشف و استشرف كل هذه الكلمات
تعني النظر، و لكن لكل كلمة معنى دقيقاً جداً يتحدث عن حالة من حالات النظر ، فلمح
شيء ظهر ، إنسان نظر ثم أعرض ، بينما لاح شيء ظهر و اختفى ، و أما حدج فهو الحديث
و المستمع ممتلئ بالمحبة ، و أما حدق حينما تكبر حدقة العين فهذا هو التحديق ، و
أما حملق حينما يظهر حملاق العين و هو باطن الجفن فهذا معنى كلمة حملق ، و أما شخص
مع الخوف ، و أما رنا نظر مع السرور، بينما استشف نظر مع التفحص بالأصابع ، و
استشرف نظر مع التمطي في الأرجل ، فإذا عرف الكاتب المعاني الدقيقة جداً للكلمات
أمكنه أن يستخدمها في مكانها الصحيح و بهذا يسهم استخدام الكلمة بالمعنى الدقيق في
توضيح المعنى ، المعنى الواضح يسهم في توضيح الأسلوب و معرفة الفروق الدقيقة بين
المترادفات تسهم أيضاً في توضيح الأسلوب و في ذلك معرفة العلاقات في التراكيب و
تحديدها تحديداً دقيقاً و عدم الوقوع في اللبس أي احتمال تركيب معنيين في وقت واحد
هذا يسهم أيضاً في توضيح أسلوب المقالة .
فالعبارة يسمح مثلاً لو قال أحدهم يسمح ببيع العلف لفلان ، قد يفهم من هذه
العبارة أنها سخرية أو استهزاء أو تقريع فكأن فلان حيوان ، بينما يقال يسمح لفلان
ببيع العلف فهذه عبارة واضحة محددة ، لا يمكن أن تحتمل معنى آخر ما أراده الكاتب ،
فتحديد المعنى من قبل الكاتب عن طريق دقة الصياغة هو الذي يسهم أيضاً في وضوح
الأسلوب في المقالة .
كما أن الإكثار من الطباق يزيد المعنى وضوحاً و قديماً قالوا بضدها تتميز
الأشياء ، و كذلك المقابلة و المقابلة كما تعرفون تشابك طباقين أو أكثر ،
فالمطابقة كالحر و القر ، و الجود و الشح ، و الطيش و الحلم ، إيراد المعاني
المتعاكسة في النص من شأنه أن يوضح المعنى توضيحاً جيداً ، أما استخدام الصور
بعامة و الصور البيانية بخاصة فهو شيء أساسي في توضيح أسلوب المقالة ، مثال ذلك ،
يقول أحد الكتاب معرفاً الأدب : الأدب اليوم عصا بيد الإنسانية بها تسير لا مروداً
تكحل به عينيها شبه الأدب بالعصا التي تستعين الإنسانية بها و ليست مروداً و
المرود هو ميل الكحل ، ليست مروداً تكحل به عينيها و هو نور براق يفتح الأبصار ، و
ليس حلية بديعة ساكنة فوق الصدور .
و الآن ننتقل إلى العنصر الثاني في الأسلوب و هو القوة ، قوة الأسلوب تعني
أن هذا الأسلوب شديد التأثير فإذا كان وضوح الأسلوب يحدث عند القارئ قناعة فإن قوة
الأسلوب قد تحدث عند القارئ موقفاً ، و الموقف هو أن تقف باتجاه هدف معين و تتحرك
نحوه ، إذا كانت العبارات الواضحة تُحدث قناعة فإن قوة الأسلوب تُحدث موقفاً عند
القارئ ، و تأتي قوة الأسلوب من حيوية الأفكار و دقتها ، و متانة الجمل و روعتها ،
و كذلك تسهم في قوة الأسلوب الكلمات الموحية و العبارات الغنية و الصور الرائعة و
التقديم و التأخير و الإيجاز و الإطناب و الخبر و الإنشاء و التأكيد و الإسناد و
الفصل و الوصل و كل هذه الكلمات عنوانات لموضوعات مرت بكم في البلاغة و لاسيما في
علم المعاني ، مثال ذلك: إذا أردنا أن نعيش سعداء حقاً فما علينا إلا أن نراقب
القمح في نموه و الأزهار في تفتحها و نستنشق النسيم العليل و لنقرأ و لنفكر و لنشارك
تايلر في إحساسه إذ يقول سلبني اللصوص ما سلبوا و لكنهم تركوا لي الشمس مشرقة و
القمر منيراً و المياه الفضية الأدين و زوجة مخلصة تسهر على مصالحي و تربية أطفالي
و رفقاء يشدون أزري و يأخذون بيدي في كربي فماذا سلبني اللصوص بعد ذلك؟ لاشيء فها
هو ثغري باسم و قلبي ضاحك و ضميري نقي طاهر .
و أما الجمال في الأسلوب و هو العنصر الثالث في الأسلوب الجمال من أجل
الإمتاع فهو شيء أساسي أيضاً في الأسلوب حينما يملك الكاتب الذوق الأدبي المرهف و
الأذن الموسيقية و القدرات البيانية يستطيع عندئذ أن يتحاشى الكلمات الخشنة و الجمل
المتنافرة و الجرس الرتيب ، و حينما يواءم بين الألفاظ و المعاني و يستوحي من
خياله الصور المعبرة يكون أسلوبه جميلاً ، لأضرب لكم مثالاً : يقول أحد الكتاب
البرج العاجي الخلقي هو السمو عن المطامع المادية و المآرب الشخصية فليس من حق
مفكر اليوم أن ينأى بفكره عن معضلات زمانه
و لكن من واجبه أن ينأى بخلقه عن مباذل عصره و سقطاته، البرج العاجي عندي
هو الصفاء الفكري و النقاء الخلقي و هو الصخرة التي ينبغي أن يعيش فوقها الكاتب ،
مرتفعاً عن بحر الدنايا الذي يغمر أهل عصره لا خير عندي من المفكر الذي لا يعطي من
شخصه مثلاً أعلى لكل شيء نبيل رفيع جميل .
و أما العنصر الأخير في المقالة فهو الخطة ، و الخطة كما سوف تعرفون مقدمة
و عرض و خاتمة ، و يسميها بعضهم الأسلوب الخفيف و هي المنهج العقلي الذي تسير عليه
المقالة ، فإذا اجتمعت للكاتب أفكار و آراء يريد بثها للقراء و كان له من الأسلوب
ما يستطيع أن تشرق فيه معانيه وجب ألا يهجم على الموضوع من غير أن يهيء له الخطة
التي يدفع في سبلها موضوعه ، و الخطة تتألف من مقدمة و عرض و خاتمة. فالمقدمة هي المدخل إلى الموضوع ، و
تمهيد لعرض آراء الكاتب ، و يجب أن تكون أفكار مقدمته بديهية مسلماً بها و لا
تحتاج إلى برهان و أن تكون شديدة الاتصال بالموضوع ، و أن تكون موجزة و مركزة و
مشرقة ، و أما العرض فهو صلب الموضوع و هو الأصل في المقالة و فيه تعرض أفكار
الكاتب عرضاً صحيحاً ، وافياً متوازناً مترابطاً متسلسلاً و يستحسن أن يمثل الكاتب
لكل فكرة و يربطها بسابقتها و يذكر أهميتها و يشرحها و يعللها و يوازنها مع غيرها
و يذكر أصلها و تطورها و يدعمها بشاهد أدبي أو تاريخي .
هذه طريقة عرض الأفكار و يفضل أن تعرض كل فكرة رئيسة في فقرة خاصة ، و في
الخاتمة تلخص النتائج التي توصل إليها الكاتب في العرض و يجب أن تكون واضحة صريحة
حازمة .
إخوتي المشاهدين :
أرجو لكم التوفيق و النجاح في شتى الميادين و إلى لقاء آخر و السلام عليكم
.