المسجد الأقصى

من خطبة ألقيت بمسجد الشيخ عبد الغني النابلسي

بتاريخ 3/11/1989 ونقلتها إذاعة دمشق

وصوت الشعب

 

في المسجد يتعرف الناس إلى ربهم ، ويتعلمون أحكام دينهم، وفيه يقفون على المنهج الأمثل لتطبيق هذه الأحكام ، وفيه تقام الصلوات وأنواع العبادات ، ومن دون المسجد تؤول وحدة المسلمين إلى شتات وتفرقهم الأهواء والشهوات ، لذلك سارع النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن وطئت قدماه أرض المدينة، وهي أول دار للإسلام ، سارع إلى بناء المسجد ليكون الركيزة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي .

روي أن تميماً الداري ، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حمل من الشام إلى المدينة ، قناديل ، وزيتاً وحبالاً ، فلما انتهى إلى المدينة ، وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاماً له فربط الحبال ، وعلق القناديل ، وصب فيها الزيت ، وجعل فيها الفتيل، فلما غربت الشمس أمر غلامه فأسرجها ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فإذا هي تزهر فقال : " من فعل هذا " ؟ قالوا : تميم الداري يا رسول الله  .. فقال : " نوّرت الإسلام ، نور الله عليك في الدنيا والآخرة ، أما لو كانت لي ابنة لزوجتكها " فقال نوفل بن الحارث : لي ابنة يا رسول الله ، تسمى المغيرة ، فافعل بها ما أردت فزوجه إياها .

(نوفل بن انلحارث رضي الله عنه هو صحابي أبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان أسن من العباس ، حضر بدراً مع المشركين ، فأسر ففداه عمه العباس ثم أسلم ، وهاجر عام الخندق  أعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين بثلاثة آلاف رمح ، مات سنة 20هـ وقيل 15هـ (سير الأعلام1/199)

ويتعرض المسجد الأقصى موطن سيدنا إبراهيم ، ومتعبد الأنبياء السابقين ومسرى خاتم النبيين ، المسجد الذي نوه الله به في الآيات المفصلة ، وتليت فيه الكتب المنزلة ، أولى القبلتين ، وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه كما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم .

المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ببركات الدين والدنيا ، والذي أضحى بالإسراء إليه ، والمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين ، وهذا المسجد يتعرض اليوم لاعتداءات متكررة على بنائه  حيث تجري أعمال الحفريات في حرمه وما حوله ، بزعم التنقيب عن هيكل سيدنا سليمان ، إنها حجة واهية تخفي وراءها نوايا عدوانية تستهدف تخريبه وإزالته من الوجود ، وطمس هذا المعلم الإسلامي البارز من المعالم والمقدسات الإسلامية ، وتدنيس فاضح لحرمة هذا المكان الطاهر .

فإنها مؤامرة تُحاك ضد هذا المسجد ، حيث يحلم الصهاينة ببناء معبد يهودي على أنقاضه ، لذلك هم ينشطون لإبراز مسجد الصخرة على أنه المسجد الأقصى ، تمهيداً لإزالته ، وبناء المعبد المزعوم مكانه .

إن مسجد الصخرة الذي يبرزه الإعلام الصهيوني على أنه المسجد الأقصى بصورته المعهودة ، عند عامة الناس ، ليس هو المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، بل هو مسجد الصخرة ، التي تم منها عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى ، حيث دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحي إلى عبده ما أوحى ، وفي وصف القرآن الكريم المسجد الأقصى بالبركة إيماءٌ قوي للعرب حملة رسالة الإسلام ، وإلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، أنه مفروض عليهم ـ وقد بارك الله حوله ـ أن يحفظوا له هذه البركة ، ومتى اعتدي عليها ، فعليهم أن يصطلحوا مع ربهم أولاً ، ويعدُّوا لعدوهم ما يستطيعون من قوة ثانياً .. كي يحرروه ، ويحرروا ما حوله من أيدي الغزاة ، ويحيوا بتحريره سيرة فاتحيه الأبطال ؛ عمر بن الخطاب ، وصلاح الدين الأيوبي..

(صلاح الدين الأيوبي رحمه الله هو المجاهد البطل ، محرر القدس من الصليبيين ، وبطل معركة حطين ، ينتمي إلى عائلة كردية من قبيلة الروادية ، ولد بقلعة تكريت قرب بغداد سنة 532هـ كان تقياً خاشع القلب غزير الدمعة ، حسن الظن بربه ، عادلاً رحيماً ، صابراً شجاعاً حليماً زاهداً ، يتذكر الموت دائماً (كتاب صلاح الدين لعبد الله علوان).)

ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .. قال تعالى :

 

[سورة البقرة]

فإن الخزي والعار في الدنيا ، والعذاب العظيم في الآخرة ، جزاء من يمنع مساجد الله ، أن يُذكر فيها اسمه ، ويسعى في خرابها ، أما الذي يعمر مساجد الله بالبنيان ، وينورها بالإيمان ، فعمله هذا علامة مميزة ، على صحة الإسلام ، وصدق الإيمان ، قال تعالى :

 

[سورة التوبة]

ولو انتقلنا إلى مدينة القدس ، حيث المسجد الأقصى متعبد الأنبياء ومسرى خاتم النبيين ، وعدنا القهقرى عبر البعد الزماني إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمائة وثلاثة وثمانين للهجرة ، الموافق في الثاني من تشرين الأول عام ألف ومائة وسبع ثمانين للميلاد .. لودناه يوماً عظيماً تم فيه فتح مدينة القدس من قبل المسلمين وبقيادة البطل صلاح الدين ، وتم تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين ، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح ، والوجوه قد عمها البشر ، ونسمع الألسنة وقد لهجت بالشكر  وقد علت الرايات وعلقت القناديل ورُفع الأذان وتُلي القرآن، وصفت العبادات وأُقيمت الصلوات وأديمت الدعوات ، وتجلت البركات  وانجلت الكربات وزال العبوس وطابت النفوس وفرح المؤمنون بنصر الله .

وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى ، فإذا المسلمون وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض ، لا تتفاوت مقاعدهم ، ولا يمتاز أميرهم عن أحد منهم ، قد خشعت جوارحهم ، وسكنت حركاتهم هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة ، استحالوا رهباناً خُشعاً كأن على رؤوسهم الطير ، في حرم المسجد ، وها هو ذا خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر  ويلقي خطبته ، ولو ألقيت على رمال البيد ، لتحركت وانقلبت فرساناً  ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة .. لقد افتتحها بقوله تعالى :

[سورة الأنعام ]

وها نحن أولاء نستمع إلى فقرات من خطبته :

" أيها الناس ابشروا برضوان من الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا ، لما يسّره الله على أيديكم ، من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة ، وردّها إلى مقرها من الإسلام ، بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مائة عام ، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يُرفع ويُذكر فيه اسمه ، من رجس الشرك والعدوان .

ثم قال محذراً : إياكم ، عباد الله ، أن يستذلكم الشيطان ، فيُخيل إليكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد ، وخيولكم الجياد .. لا والله وما النصر إلا من عند الله .. فاحذروا ، عباد الله ، بعد أن شرَّفكم الله بهذا الفتح الجليل ، أن تقترفوا كبيرة من مناهيه ، انصروا الله ينصركم .. خذوا في حسم الداء وقطع شأفة الأعداء " .

وهانحن أولاء نخرج من المسجد الأقصى ، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس وهاهو ذا يحدثنا فيقول : إن المسلمين لم يؤذوا أحداً ، ولم ينهبوا مالاً ، ولم يقتلوا مُسالماً ، ولا مُعاهداً ، وإن من شاء منا خرج وحمل معه ما شاء ، وإننا بعناهم ما فضُل من أمتعتنا ، فاشتروها منا بأثمانها ، وإننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين  لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة ، فهم أهل حضارة وتمدُّن ، وصدق من قال : " ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم " .

 

*****