الجهاد
ألقيت في مسجد الشيخ عبد الغني
النابلسي
بتاريخ 3/11/1989 ، ونقلتها
إذاعة دمشق وصوت الشعب
الإسلام هو النظام الأمثل للإنسان ، منفرداً
أو مجتمعاً ، مهتماً بجسده أو متطلعاً إلى روحه، ناظراً إلى دنياه ، أو مستشرفاً
لآخرته مسالماً أو محارباً ، مطالباً بحق نفسه ، أو معطياً حق غيره ، فلا يكون
المسلم مسلماً ، إذا ترك دنياه لآخرته ، ولا إذا ترك آخرته لدنياه إلا أن يأخذ منهما معاً ، فإن الأولى
مطية للثانية .
والإسلام رسالة الإنسان ، ومنهجه في كل مجالات الحياة ، وفي جميع ميادين
النشاط البشري ، فلا يدع جانباً ، من جوانب الحياة الإنسانية إلا كان له فيها موقف
، قد يتمثل في الإقرار والتأييد ، أو في التصحيح والتعديل ، أو في الإتمام
والتكميل ، أو في التغيير والتبديل، وقد يتدخل في الإرشاد والتوجيه ، أو بالتشريع
والتقنين ، وقد يسلك سبيل الموعظة الحسنة ، وقد يتخذ أسلوب العقوبة الرادعة ، كلٌ
في موضعه .
والغاية الأخيرة ، والهدف البعيد ، هو الحصول على مرضاة الله ثمناً لحسن الصلة به ، والسعادة الأبدية
في قربه .. قال تعالى :
" يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ".
[سورة الإنشقاق الآية 6]
وفي الإسلام غايات ، وأهداف أخرى ، إنسانية ، واجتماعية، ولكنها بعد التأمل
فيها ، لا تخرج عن خدمة الهدف الأكبر ، وهو مرضاة الله تعالى ، وحسن مثوبته ، فهو
هدف الأهداف، وغاية الغايات.
* ففي الإسلام تشريع ، ومعاملات ، ولكن المقصود منها تنظيم حياة الناس ، حتى
يستريحوا ، ويبرؤوا من الصراع على المتاع الأدنى ، ويفرغوا لمعرفة الله ، وعبادته
، والسعي لمرضاته.
* وفي الإسلام حث على المشي في مناكب الأرض ، والأكل في
طيباتها ، ليكون العمل أساساً للابتلاء ، والنعمة وسيلة لمعرفة المنعم وأداء حقه
وشكره ، قال تعالى :
" كلو من رزق ربكم
واشكروا له " .
[سورة سبأ الآية 15]
* وفي الإسلام جهاد وقتال للأعداء ، قال تعالى :
" وقاتلوهم حتى لا
تكون فتنة ويكون الدين لله " .
[سورة البقرة 193]
فكل ما في الإسلام من تشريع ، وتوجيه ، وإرشاد ، إنما يقصد إلى إعداد
الإنسان ، ليكون عبداً خالصاً لله ، يعرفه ويطيعه ويوحده ويعبده قال تعالى :
"وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ألا أنا فاعبدون
" .
[سورة الأنبياء الآية 25]
وبعدئذ يستحق رحمته ..
" ألا من رحك ربك ولذلك خلقهم " .
[سورة هود الآية 119]
لقد
ضمن القرآن الكريم الجهاد معنى إنسانياً نبيلاً وفريداً ، وحدد له مقاصده العليا ،
منزهة عن الهوى والأغراض المادية العاجلة ، والمطامح الشخصية ، أو العنصرية ، من
شهوة العلو في الأرض ، أو التوسع فيها لتكون أمة هي أربى من أمة ، وجرَّده وسيله
رئيسة لترسيخ القيم والمثل العليا ، في الوجود البشري بعامة ، والحفاظ عليها .
وإن الإسلام لم يجعل الجهاد مفروضاً في أعلى مراتب الفرضية ، وأعظمها مثوبة
من أجل الدفاع عن الوجود ، أو الحفاظ على مقوماته فحسب ، بل يوليه عناية فائقة إذ
جعله سنداً مكيناً لدعوته ، التي تسعى إلى نشر رسالة السماء إلى الأرض ، لتتحقق
خلافة الإنسان فيها .. عن طريق التمسك بمبادئ الحق ، والخير السامية ، وقيم العدل
والإحسان الرفيعة ، فجعله خالصاً ومخلصاً لوجه الله تعالى ، وابتغاء مرضاته ،
ومرضاته لا تتم إلا إذا سادت تعاليمه ، وعلت في الأرض مُثُلُه ، وحتى لا تكون
فتنةٌ ويكون الدين لله ، ولا أدل على صحة هذه المبادئ ، وتلك المفهومات من هذه
السعادة ، التي تملأ جوانح الإنسان حينما يكتشف سرَّ وجوده ، وجوهر رسالته ،
وينطلق في طريق الهدف الكبير ، الذي خُلق من أجله .
* * *
وإليكم هذا المشهد :
لما فرغ الناس لقتالهم في أُحد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" من رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع : أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟
" فذهب رجل من الأنصار ، فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق ، فقال له : إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟ قال : أنا
في الأموات ، أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام ، وقل له : إن سعد بن
الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام
، وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله ، إن خُلِصَ إلى
نبيكم وفيكم عين تَطرِف .. قال : فلم أبرح حتى مات .. فجئت رسول الله صلى الله
عليه وسلم فأخبرته خبري فبكى ، حتى أخضل لحيته
(راجع
السيرة النبوية لابن هشام (3/75) و" أسد الغابة " لابن الأثير (2/348))
وقد ظهرت من ثمرات هذه المبادئ ، وتلك القيم ، بطولات فذة ، يندر أن نرى
مثلها في المجتمعات التي أدارت ظهرها لمنهج الله ، وانغمست في وحول الشهوات ، قال
تعالى :
" فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً "
[سورة مريم الآية 59]
* * * * *