القضاء والقدر

 

نشرت في مجلة نهج الإسلام ، عدد (32)

الإيمان بالقضاء والقدر ، من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة.

أشار إلى هذا صاحب الجوهرة :

وواجب إيماننا بالقدر      و بالقضا كما أتى في الخبر

لقوله صلى الله عليه وسلم : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره " .

 (رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي)

والقضاء تعلق علم الله وإرادته بإيجاد الأشياء على وجه مخصوص والقدر إيجادها فعلاً على هذا النحو .

[تعلق القضاء بالعلم ، وتعلقت الإرادة بالقدرة والفعل]

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك علاقة بين توحيد الألوهية وبين القضاء والقدر ، فقال صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه الديلمي بمسند الفردوس :

" الإيمان بالقدر نظام التوحيد "

النتائج النفسية التي يحققها الإيمان بالقضاء والقدر فيما رواه الحاكم في تاريخه : " الإيمان بالقدر يُذهب الهم والحزن " .

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الخوض في موضوع القضاء والقدر ، والبحث في مكنون أسرارهما ، لأن المخلوق الحادث لا يستطيع أن يدرك علم الخالق القديم ، فقال صلى الله عليه وسلم :

" إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا ، وغذا ذُكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكر القدر فأمسكوا "

[رواه الطبراني وابن عدي بسند حسن]

والمؤمن يجب أن يعتقد أن جميع أفعال العباد ، وكل حادث في الكون إنا هو بقضاء الله وقدره ، ولكنَّ مشيئة الله شاءت أن يكون للإنسان مشيئة حرة، هي أساس التكليف ، والابتلاء، ومناط الثواب والعقاب ، وبسببها يكسب الإنسان الخير ، أو الشر ، فيُثاب على الخير ، ويُعاقب على الشر قال تعالى :

[سورة البقرة الآية 286]

والقضاء والقدر نوعان : نوع لا كسب فيه للإنسان ؛ لأنه لا إرادة له فيه  ولا يؤاخذ عليه ، كحركة الأفلاك والأنواء ، ونزول المطر ، ونمو النبات ، واختلاف أحوال الناس من صحة ومرض ، وقوة وضعف  وغنى وفقر ، وحياة وموت ، وبما أن من لوازم الحكيم ، أن تكون أفعاله حكيمة ، والقضاء والقدر من أفعاله ، فالقضاء والقدر الذي لا كسب للإنسان فيه متعلق بالحكمة ، والحكمة متعلقة بالخير المحض ، قال تعالى مشيراً إلى هذا النوع من القضاء والقدر :

[سورة آل عمران الآية 26]

والنوع الثاني من القضاء والقدر متصل بأفعال العباد ، فالإنسان مُنح إرادة حرة هي أساس التكليف ، والابتلاء ، وقد منحه الله أيضاً مقومات التكليف ، والابتلاء ، فسخر له ما في السماوات والأرض تسخير تعريف وتكريم ، ليؤمن به ويشكره ، ومنحه العقل قوةً إداركية يتعرف به إلى الله خلال الكون المسخر ، قال تعالى :

[سورة الرحمن]

وبعث الأنبياء والرسل ، وأنزل معهم الكتاب بالحق ، ليكون منهجاً للإنسان يهتدي به .. قال تعالى :

فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى

[سورة طه الآية 123]

وأودع الله في الإنسان الشهوات ، ليرقى بها صابراً أو شاكراً إلى رب الأرض والسماوات ، قال تعالى :

[سورة النازعات]

لقد منح الإنسان إرادة حرة ، لتكون أساس التكليف والابتلاء ، وليكون النجاح بها ثمن العطاء ، ومادام الإنسان قد مُنح هذه الإرادة الحرة ليكسب بها أعماله الاختيارية ، وليكون مسؤولاً في حدود ما منحه الله إمكانات ، فلن تُسلب منه هذه الإرادة الحرة ؛ لأنه يستحيل أن تتناقض إرادات الله ، ومتى توجهت إرادة الإنسان إلى فعل شيء ، في الدائرة التي هي مناط اختياره ، تعلقت إرادة الله فأمدته بالقدرة على تحقيقها  وسيَّرت الفعل الاختياري الكسبي للإنسان إلى الجهة التي تستحق الخير أو الشر ، وهكذا تُوظَّف مشيئة الإنسان الحرة الخيِّرة ، أو الشريرة للخير المطلق. قال تعالى :

[سورة الأنعام الآية 129]

وهنا محل الإشارة إلى مقولة : " إن الله خالق لفعل الإنسان " فهذا لا يعني أنه أجبره عليه ، ولا يعني أيضاً أنه رضيه منه ، ومقولة : " إن الله علم ما كان وما سيكون " لا يعني أن علم الله هو إلغاء لاختيار الإنسان ، إنه علم كشف وليس جبراً ، فالجبر يتناقض مع التكليف .

 (ويضيف بعض العلماء على مقومات التكليف ، القدرة الظاهرة على تنفيذ مشيئة الإنسان ، وهي في حقيقتها قدرة الله التي تتحقق بها مشيئة الإنسان)

والابتلاء والمسؤولية والجزاء والثواب والعقاب .. لقول الله عز وجل :

[سورة الأنعام الآية 148-149]

وهذه آية محكمة هي أصل في نفي الجبرية ، وتُحمل الآيات المتشابهة كما هو رأي علماء الأصول على الآيات المحكمة .

ولعل في قول سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما

(الحسن بن علي رضي الله عنهما : هو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وريحانته ، وأشبه خلق الله به في وجهه ، ولد في سنة 3هـ . كان يحبه صلى الله عليه وسلم ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فلا يدخل في مراء ، ولا يُدلي بحجة حتى يرى قاضياً ، توفي بعد وفاة والده بستة أشهر. وصالح معاوية سنة 41هـ وسُمي ذلك العام عام الصلح، ورُفع مقامه فهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة .(سير الأعلام 3/245)(البداية والنهاية 8/42))

  تلخيصاً لعقيدة القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة : من لم يؤمن بقضاء الله فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر ، وإن الله تعالى لا يُطاع استكراهاً ، ولا يُعصى بغلبة، لأنه تعالى مالكٌ لما ملَّكهم ، وقادرٌ على ما أقدرهم ، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا وإن عملوا بالمعصية فليس هو الذي أجبرهم على ذلك ، ولو أجبر الخلق على الطاعة لأسقط الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب ، ولو أهملهم كان ذلك عجزاً في القدرة ، فإن عملوا بالطاعة فله المنَّة عليهم ، وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم " .

[انظر (المرقاة 1/52) نقلاً عن تائية القضاء والقدر وشرحها]

وللحسن البصري رضي الله عنه أجوبة شافية في القضاء والقدر ، فعندما قيل له : إن الله أجبر عباده ؟ قال : الله أعدل من ذلك ، فلمَّا قيل له : أفوض إليهم ؟ قال : هو أعزُّ من ذلك ، ثم قال : لو أجبرهم لما عذبهم ، ولو فوَّض إليهم لما كان للأمر معنى.

وهناك من يعتذر بالقضاء والقدر ليتنصل من المسؤولية ، وهذا عذرٌ واهٍ وحجة باطلة.

فتجاهل الإرادة الحرة التي منحها الله للإنسان ، وكذلك الفكر الذي يميز به الخير من الشر ، والشرع الذي فيه تبيان لكل شيء ، فإن هذا التجاهل لا يُعفي صاحبه من المسؤولية .

" أتي برجل سارق إلى عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فقال له عمر : ما حملك على السرقة ؟ فقال : قضاء الله وقدره يا أمير المؤمنين  فأمر عمر بقطع يده ثم حسمت ، ثم جلده ثمانين جلدة ، وقال له : إنما قطعت يدك لسرقتك ، وإنما جلدتك لكذبك على الله واحتجاجك بالقضاء والقدر ، فقضاء الله تعالى لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار " .

 (من كتاب شرح الطريقة المحمدية للشيخ عبد الغني النابلسي)

* * *

وعند أهل السنة والجماعة هناك فرق بين القضاء والمقضي ، فالقضاء فعل الله تعالى وإرادته ومشيئته ، وقضاء الله تعالى كلّه حق ، وكله للعباد ، وكله حسن ، والمقضي هو كسب العبد وفعله ظاهراً ، وفيه العدل والجور ، والخير والشر ، والحسن والقبح ، ويجب على المسلم بناء على هذا ـ أن يقاوم المقضي إذا كان جوراً ، أو شراً ، أو قبحاً لا أن يستسلم له ؛ لأن الرضا بالكفر كفر ، والرضا بالظلم ظلم ، وهكذا قال تعالى :

[سورة الشورى]

فإن عجز المسلم عن إزالة المقضي ، أو مقاومته ، فعليه أن يضرع إلى الله أن ينجيه منه ، قال تعالى :

[سورة الأنعام الآية 42-43]

وللدعاء أثر في رد القضاء ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :

" الدعاء يردُّ القضاء " .

[رواه الحاكم في صحيحه عن ثوبان]

وقال أيضاً :

" لا يردُّ القدر إلا الدعاء " .

[رواه الترمذي والحاكم عن سلمان بسند صحيح]

" فالدعاء من أنفع الأدوية ، وهو عدو البلاء يدافعه ، ويعالجه ، ويمنع نزوله ، ويرفعه أو يخففه إذا نزل ، وهو سلاح المؤمن " .

[انظر الطب النبوي لابن قيم الجوزية]

وقد أشار العلامة البيجوري في حاشيته على جوهرة التوحيد عند قول الناظم :

وعندنا أن الدعاء ينفع              كما من القرآن وعداً يُسمع

لقد أشار إلى أن الدعاء ينفع في القضاء المبرم ، فيكون اللطف ، وفي القضاء المعلق فيكون الدفع .

لذلك لا يُجدي الذكاء ، والحيطة ، والحذر ، في ردِّ القضاء ، ولكن الدعاء المخلص ، عقب التوبة الصادقة ، ينفع في ردِّ القضاء ، أو اللطف به .. قال صلى الله عليه وسلم :

" لا يُغني حذر من قدر ، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ".

[رواه الحاكم في صحيحه عن عائشة]

والإيمان بالقضاء والقدر لا يتناقض مع الأخذ بالأسباب ، فلا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض ، فكيف بمعادهم ، فإن الله أمرنا أن ندفع السيئة وهي من قضائه وقدره ، بالحسنة وهي من قضائه وقدره ، فقد روى الإمام البخاري عن عمر بن الخطاب وعن الصحابة ، رضوان الله عليهم أجمعين ، أنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية ، بلغهم أن بها موتاً عظيماً ، ووباءً ذريعاً ، فافترق الناس فرقتين ، فقال بعضهم : لا ندخل على الوباء ، فنلقي بأيدينا إلى التهلكة ، وقالت طائفة أخرى : بل ندخل ونتوكل ، ولا نهرب من قدر الله ، ولا نفر من الموت ، فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه فقال : نرجع ولا ندخل على الوباء ، فقال له المخالفون لرأيه : أنفرُّ من قدر الله ؟ فقال عمر : نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ! ، أرأيتم لو كان لأحدكم غنم فهبط وادياً له شعبتان ، إحداهما مخصبة ، والأخرى مجدبة ، أليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر الله تعالى ، وإن رعى المجدبة رعاها بقدر الله ؟ " .

* * *

ومن ثمرات الإيمان الصحيح المتوازن بالقضاء والقدر ؛ الاستقامةُ على أمر الله ، والعمل بما يرضيه لأنه ؛

 " إليه يُرجعُ الأمرُ كُلُهُ "

[سورة هود الآية 123]

[سورة فاطر]

 ومن ثمرات الإيمان الصحيح : الشجاعة ، والإقدام ، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون جبناً ، ولا إحجاماً ، ففي آذانهم دويُّ التوجيه الإلهي ، قوله تعالى :

[سورة التوبة]

  ومن ثمرات الإيمان الصحيح : التحلي بالصبر الجميل ، والرضا والتسليم ، فعندما تنزل المصائب ، يذكر المؤمن عند الصدمة الأولى قوله تعالى :

[سورة البقرة]

وهكذا نجد أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن خطير من أركان الإيمان وهو من العقائد الأساسية التي يجب أن تُعلم بالضرورة .

* * *