شروط الداعية الناحج

 

نشرت في مجلة نهج الإسلام عدد (30)

 

  الدعوة إلى الله ـ خطاباً أو تدريساً ـ نوع من أنواع القيادة الفكرية  ومن أولى مقومات القيادة ، امتلاك القدرة على التأثير ، في الآخرين   وحملهم على تغيير تصوراتهم وقناعاتهم من جهة ، ثم حملهم على تغيير سلوكهم وأنماط حياتهم من جهة أخرى ، مع التأكيد على أن يكون هذا التغيير طوعاً لا كرهاً .. قال تعالى :

[سورة البقرة الآية 256]

والدعوة إلى الله نوع من أنواع التربية ، وهي في حقيقتها توجيه الأفراد توجيهاً صحيحاً، في مختلف المجالات ، في العقائد، والعبادات  والمعاملات ، وبحسب المصطلحات الحديثة ، توجيه الأفراد توجيهاً علمياً ، ونفسياً ، واجتماعياً ، كل هذا .. من أجل أن يُحقق الإنسان الهدف الذي خلقه الله من أجله ، فيسعد هو ومجتمعه في الدنيا والآخرة قال تعالى :

[سورة الذاريات الآية 56]

والعبادة في بعض تعاريفها : طاعة طوعية ، تسبقها معرفة يقينية تُفضي إلى سعادة أبدية ، لذلك كان لزاماً على الداعية إلى الله أن يملك القدرة على التأثير في الآخرين ، ليتمكن من تأدية رسالته المقدسة  التي وقف نفسه عليها ، تأدية كاملة ، أو قريبة من الكمال ، ويمكن للداعية أن يمتلك الكثير من مقومات " فن التأثير في الآخرين " لأن هذا الفن ليس موهبة فطرية كلياً، بل فيه نوعٌ من الكسب ، فمن مقومات التأثير في الآخرين :

ـ جلب انتباههم ، والحركة بمعناها الواسع ، تجلب الانتباه ، فتحرك المتكلم تحركاً معتدلاً ، وذا معنى ، وتحريك يديه ورأسه حركة ذكية مُعبرة ، وتحريك عينيه لتقعا على كل مُستمع ، وتحريك الصوت بتلوينه ارتفاعاً وانخفاضاً ، رقَّة وجزالة ، بحسب المعنى والهدف وتحريك الأسلوب بين الخبر والإنشاء ، وبين الأمر والنهي ، والوعد والوعيد  وبين الوصف والتحليل ، وبين السرد والنقد ، وبين القصة والمثل ، وبين التقرير والتصوير ، وبين الترغيب والترهيب ، وبين الحوار والحدث  فإن في الحركة جلباً لانتباه الآخرين ، وجلبُ انتباههم شرطٌ لإحداث التأثير فيهم .

ـ وتُعد القصة من أهم الأطر التعبيرية ، ومن أوسعها انتشاراً ، ومن أقربها إلى النفس الإنسانية ، وذلك لقدرتها على التغلغل في أعماقها ونظراً لما تنطوي عليه من حقائق إنسانية ، ولما تتمتع به من إثارة وتشويق ، ولما تتركه في نفس المستمع أو القارئ من أثر فكري وأخلاقي ، لذا تُعد القصة من أشهر الوسائل التعبيرية ، والتوجيهية فاعلية ، ففي القصة تتحرك الشخصيات ، عن طريق الحدث والحوار ، حركةً لا يمكن التنبؤ بنتائجها ، وهذا هو سرٌّ التشويق في القصة  ففي الإنسان قدرٌ من حسب الاطلاع ، يدفعه إلى متابعة كل متحرك، لا يعرف كيف يستقر ، ويظل مشدوداً إلى هذا المتحرك ، إلى أن يعرفَ مصيره على الأقل ، وهذا ما يُفسر عدم تركنا قصة شائقة ومثيرة ومن هنا كانت القصة إحدى أهم الوسائل الفعالة في التوجيه ، بسبب ما تملكه من إمتاع مستمر يجعل المرء مشدوداً إليها ، فإذا كان مغزاها يتصل بحقيقة دينية أساسية ، تركت أثراً كبيراً في إحداث تصورات ومواقف جديدة لدى المستمع ، قال تعالى :

[سورة يوسف الآية 111]

ـ ومن أساليب التأثير في الآخرين الاستعانة بالرغبات ، والحاجات فمن الضروري إذا أريد التأثير في شخص ما ، أن يُجعل من رعباته المشروعة ، وحاجاته وسيلةً للتأثير فيه ، فمجرد إلقاء المعلومات لا يأتي بالثمرة المطلوبة ، ما لم تكن هذه المعلومات مرتبطة بالاهتمامات الحقيقية للشخص المستمع ، فالإنسان نادراً ما يتأثر عن طريق العقل المجرد ، أو الحقائق الجافة ، التي ليس لها صلة بحياته ، فالوعظ والتعنيف واللوم مضيعةٌ للوقت ، مجلبةٌ للسأم ، والحديث عن الحياة الطيبة ، التي وعد الله بها المؤمنين أقرب إلى قلب المستمع من موضوع المواريث أو عتق العبيد .

ـ وعامل آخر من عوامل التأثير في الآخرين ؛ وهو الجدَّةُ والإبداع. إن مقداراً معيناً من الجدة والإبداع ضروري لجلب انتباه الآخرين والتأثير فيهم ، على ألا تكون تلك الجدة بعيدةً جداً عن المألوف ، لأن الناس يخشون قليلاً الأشياء الغريبة المخالفة ، وهم من جهة أخرى لا يُصغون إلى الحكاية القديمة المألوفة ، لهذا نحن بحاجة إلى مزيج عادل من القديم والجديد . قال تعالى :

[سورة النحل الآية 8]

  ففي الآية إشارةٌ إلى وسائل النقل الحديثة ، مع وسائل النقل التي كانت سائدة .

ـ هذا وإن معرفة خطوط دفاع الآخرين ، والتغلغل وراءها ضروري لإحداث الأثر المطلوب ؛ فالإنسان ـ عادة ـ مستمسك بما هو عليه من تصورات ، ومواقف ، وتصرفات ، وعادات ، وتقاليد ، وهو يدافع عنها  ويرفض كل تجديد ، لأنه يدافع عن شخصيته ، ويؤكد ذاته ، والتأثير في مثل هذا النوع من الناس صعبٌ ، إلا إذا تمكن الداعية من تحطيم خطوط دفاعه ، أو التسلل وراءها ليصل إلى حاجاته الأساسية ، أو سماته العميقة  ويستعين بها لإحداث قناعات جديدة ، ومواقف صحيحة  مخاطباً العقل تارةً والعاطفة تارةً أخرى .

ـ ولا يستطيع الداعة أن يؤثر في الآخرين إلا إذا شاركهم في معاناتهم فإذا اقترب الداعية من واقع الناس ، وعاش مشكلاتهم ، كان أقرب إلى قلوبهم ، وأقدر على حل مشكلاتهم ، وأملك لقوة التأثير فيهم  إن الداعية لحقيقي يختلط مع الناس ، ليفهم مشكلاتهم، ويرشدهم إلى حلها ، فالأنبياء العظام اختلطوا مع الناس ، ومشوا في الأسواق  وشاركوا الناس كل ما في الحياة ، إلا الصغائر والآثام ، إنهم قاسموهم كل شيء إلا ضعفهم الفكري، والخلقي ، إنهم مع الناس ليفهموهم  ويرحموهم ، ويرشدوهم ، وليكونوا لهم القدوة والنبراس .

ولا يكون كلام الداعية مؤثراً إلا إذا توافرت فيه شروط منها :

ـ الإعداد العلمي الجيد : فينبغي أن يعرف المتكلم ماذا يريد أن يقول وما الهدف من المحاضرة ، ما موضوعها الأساسي ، ما الأفكار الرئيسية ، ما المعاني التفصيلية التي تُعمق الأفكار الأساسية ، ما الأدلة النقلية ، ما الأدلة العقلية ، التي تدعم ما يذهب إليه ، ما الأمثلة الواقعية وما القصص المؤثرة التي توضح وترسخ ما يريد أن ينقله إلى الناس ، ثم كيف يرتب وينظم هذه الأفكار والشواهد ، والأدلة  والقصص ، وما الذي ينبغي أن يُقال أولاً ، أنشرح الفكرة ثم نأتي بالدليل ، أم نأتي بالدليل ثم نشرحه ؟ فلابد من تنظيم الأفكار، وتشقيقها  وتفريعها ، وفق خطة واضحة ، محكمة معلومة ، لدى المستمع  ولابد من محور تاريخي أو موضوعي أو شخصي تسير عليه الأفكار ، في حركتها وانتقالها ، ولابد من التنويه عند الانتقال من فكرة إلى أخرى  ولابد من تلخيص الموضوعات الكبرى في المحاضرة ، فمن الثابت أن الإنسان لا يصغي عادة إلى الحديث المضطرب غير المنظم .

ـ وعلى الداعية الناجد أن يفكر بسامعيه ، فعليه أن يجعل لهم صورة في ذهنه ، ماذا يحبون ؟ .. وبماذا يهتمون ؟ .. وما الموضوعات التي تعنيهم ؟ .. وما الموضوعات التي سئموها ؟ .. فالموضوعات التي لا تتصل بحياة الناس ، ولا تتعلق بمشكلاتهم ، ولا تُجيب عن تساؤلاتهم ولا تنهي حيرتهم ؟ مثل هذه الموضوعات لا يلقون إليها آذاناً صاغية ، ولا يجدون رغبة في متابعة الاستماع إليها .

ففي الجامعة يُلزم الطالب بمتابعة المحاضرات ، وربما توقف نجاحه على هذه المتابعة، بينما لا يملك الداعية أو المدرس الديني أن يُلزم أحداً على حضور دروسه ، لكن قوة المضمون ، وروعة العرض  وجمال الأسلوب ، ودقة الأمثلة ، وحضور القلب ، والإخلاص في هداية الآخرين ، كل هذه الشروط تجعل الآخرين ملتزمين بحضور هذا الدرس.

ولا يستطيع الداعية الناجح ، أن يشد الناس إليه ، إلا أن يعتقد الذكاء والنباهة في المستمعين ، فلا يفرض أنهم لا يعرفون شيئاً ، ولا يستطيعون أن يفكروا في شيء ، فهو يلقي إليهم أبسط الحقائق وأتفه التفصيلات ، ويجري أمامهم المحاكمات الشاذة عندئذ يخسرُ فئة الأذكياء من مستمعيه ، أو يخسر انتباههم ، ثم يخسر تقديرهم ، ثم يخسر وجودهم . بل يجب عليه أن يجعل المستمعين يفكرون معه  ويملئون بعض الفارغات الفكرية ، ويحملهم على أن يستنبطوا بعض الحقائق بأنفسهم ، والقرآن الكريم يعلمنا أن نلحظ ذكاء المستمع ، قال تعالى :

[سورة يوسف الآية 45-46]

   فهناك تفصيلات كثيرة لم يذكرها القرآن ، مفترضاً الذكاء والنباهة في القارئ ، ولو ذُكرت لكانت عبئاً على القصة وليس في خدمتها  وهذا هو سر أن البلاغة في الإيجاز ، وقد قيل : " البلاغة بين الإيجاز المخل  والإطناب الممل " .

ـ والداعية الناجح لا يُشعر المستمعين بالنقص ، فهم لا يعرفون شيئاً  وهو يعرف كل شيء ، فلا ينبغي أن يُحدثهم بلغة لا يفهمونها ، ولا ينبغي أن يعرض عليهم أفكاره بطريقة لا يألفونها ، لان ينبغي أن يجعل بينه وبينهم هوة كبيرة ، بل عليه أن يبسط لهم الحقائق المعقدة  وييسر لهم سُبل الفهم باستخدام العبارة الواضحة المألوفة ، عليه أن يضرب لهم الأمثلة ، أن يقصَّ عليهم القصص الموضحة ، إن هذا الأسلوب هو ما يوصف بالسهل الممتنع ، فهو سهل على المستمع  ممتنع على المقلد ، وإن الذين تركوا آثاراً واضحة في مستمعيهم تميزت أساليبهم بالسهولة والامتناع .

ـ والداعية الناجح هو الذي يستعمل الفكاهة الذكية الرصينة ، التي لا تجرح ولا تؤذي أحداً ، بل ربما كانت نابعة من موضوع الحديث نفسه ، وقد تكون موضحة لبعض الحقائق فيه ، فهي تجدد نشاط المستمع ، وتقوي فيه الانتباه ، وتعزز عنده الفهم ، وهي تقيم نوعاً من الصلة المحببة بين المتكلم والمستمع .

ـ ويُفضل أن يمرَّ الداعية بنظره على كل من يستمع إليه ، فكأن هذه النظرة التي يُلقيها المتكلم على المستمع تقيم اتصالاً روحياً بينهما فضلاً عن أنها تشدُّ المستمع إلى المتكلم ، وتُعينه على متابعة الموضوع ، والتفاعل معه ، بينما انقطاع النظر بين المتكلم والمستمع ، يضعف المتابعة ، ويسبب السأم ، ويقطع الصلة الروحية بينهما، لهذا كانت المساجد التي تتيح للخطيب أو المدرس أن يرى كل المستمعين أكثر فعالية في أداء رسالة المسجد .

ـ ومن أهم عوامل التأثير أن يعرف الداعية ، أن لكل شيء حداً يقف عنده ، وإذا تجاوزه أدى ذلك إلى تأثير سلبي معاكس لهدف المتكلم . فهناك حدٌ لما ينبغي أن يعمل في وقت معين ، هناك حدٌ لانتباه المستمع ، هناك حدٌ لمقدار التأثير الذي يمكن إحداثه في فرصة معينة ، إننا نُخفق حينما نحاول أن نعمل أكثر مما ينبغي في مرة وحدة ، لذلك على المتكلم أن يعرف متى ينبغي أن يقف ، قف متى انتهيت ، قف متى انتهى الذي أعددته ، قف إذا شعرت أن الملل والسأم قد بدا على وجوه المستمعين قف وهم يتمنون لو تتابع الحديث ، لا أن يتمنوا أن تقف وأنت تتابع الحديث .

وهنا محل الإشارة أن من عوامل نجاح المتكلم ، بل من عوامل جلب انتباه المستمعين طوال فترة المحاضرة ، أن يعلموا جميعاً متى تنتهي المحاضرة ، فهذا الدرس ـ مثلاً ـ ينتهي مع أذان العشاء ، إذن الجميع منصرفون إليه لأنهم يعرفون توقيته ومدته ، وقد يبنون على مدته المحددة مواعيدهم الأخرى ، ويستريحون من القلق الذي يساورهم إذا كانت مدة المحاضرة مفتوحة .

أما الشروط التي تجعل الخطاب ثقيلاً فهي كثيرة منها : الجمود بكل معانيه المادية والمعنوية ، والبعد عن حاجات المستمع ومشكلاته وعدم مزج القديم بالجديد ، والاتجار من دون إعداد وتنظيم ، والإطناب الممل ، والإيجاز المخل ، وعدم الوضوح ، وعدم وجود الإثارة والوتيرة الواحدة ، والتكرار ، وعدم وجود الصور الحية ، وأن يكون المتكلم في واد ، والمستمع في واد آخر .. واستخدام أسلوب اللف والدوران في معالجة الموضوع ، والإكثار من التعميم، والسرعة في إصدار الأحكام والمبالغة والتهويل ، والحشو والتفصيل .

 

* * * *