من كتاب : نظرات في الإسلام . لفضيلة الأستاذ
محمد راتب النابلسي .
الموضوع : يا سيدي يا رسول الله
تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج
عثمان .
يا سيدي يا رسول
الله
يا من جئت الحياة ، فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدَّست الوجود كله ، ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة
العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيّأت تفُّوقك لتكون واحداً فوق الجميع ،
فعشت واحداً بين الجميع ، يا من أعطيت القدوة ، وضربت المثل ، وعبّدت الطريق .. يا
من كانت الرحمة مُهجتك ، والعَدل شريعتك ، والحُب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات
الناس عبادتك . ولسان حالك يقول: " المعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ديني ،
والحب أساسي ، والشوق مَركبي ، وذِكر الله أنيسي ، والثقة كنزي ، والحزن رفيقي ،
والعلم سلاحي ، والصبر ردائي ، والرضا غنيمتي ، والزُهد حرفتي ، واليقين قوّتي ،
والصدق شفيعي ، والطاعة حسبي ، والجهاد خُلقي ، وجُعلت قُرَّة عيني في الصلاة ..
" .
أشهد أن الذين بهرتْهم عظمتك لمعذورون ، وأن الذين افْتَدَوْكَ بأرواحهم
لهم الرابحون ، أي إيمان ، وأي عزم ، وأي مضاء ، وأي صدق ، وأي طُهر ، وأي نقاء ،
وأي تواضع ، وأي حُب ، وأي وفاء؟..
فيوم كنت طفلاً عَزَفْتَ عن لَهْو الأطفال ! .. وعن ملاعبهم ، وأسمارهم ،
وكنت تقول لأترابك إذا دَعَوكَ إلى اللهو : " أنا لم أُخْلَق لهذا"!!.
ويوم جاءتك رسالة الهدى ، وحُمَّلتَ أمانة التَبليغ ، قلت لزوجتك، وقد دعتك إلى أخذ قسطٍ من الراحة : " انقضى عهدُ النومِ يا
خديجة " ..
ويوم فتحت مكة التي آذتك وأخرجتك ، وكادت لك ، وائتمرت على قتلك .. وقد
ملأت راياتك الأفق ظافرة عزيزة ، قلت لخصومك : "اذهبوا فأنت الطلقاء !!" .
ويوم دانت لك الجزيرة العربية ، وجاء نصر الله والفتح ، ودخل الناس في دين
الله أفواجاً صعدت المنبر ، واستقبلت باكياً ، وقلت لهم : " من كنتُ جلدت
له ظهراً فَهذا ظهري فَلْيَقْتَد منه ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ
منه .. " .
ويوم دخلت على ثَوْبان ـ ذلك الغلام الفقير ـ فرأيته يبكي فسألتَه : ما
يُبكيك يا ثَوبان؟ .. قال : يا رسول الله إنك غبتَ إني اشتقتُ إليك ، فتبكي
عيناي ، فإذا تذكرت الآخرة وأنني لن أكون معك في الجنة حيث أنت في أعلى درجاتها ،
ازداد بكائي .. عندئذٍ هبط الأمين جبريل يقول الله عز وجل :

(سورة النساء : من آية " 69 " )
ويوم أقبل عليك رجلٌ فَظٌّ ، لم يكن قد رآك من قبل غير أنه سمع أن محمداً
يسبُّ آلهة قريش ، فحمل سيفه وأقسم ليسوِّينَّ حسابه مع محمد ، ودخل عليك وبدأ
حديثه عاصفاً مزمجراً، وأنت تبتسم وتنطلق مع بسماتك أطياف نور آسر ، وما هي إلا
لحظات ، حتى انقلب الغيظ المتجهم حباً ..!!
يكاد من فرط الوجد والحياء أن يذوب ، وانكفأ على يديك ودمعه ينهمر من عينيه
، ولما أفاق قال لك : يا محمد ، والله لقد سعيت إليك وما على وجه الأرض أبغضُ
إليَّ منك ، وإني لذاهب عنك ، وما على وجه الأرض أحب إليَّ منك !! .. لقد أشرقت
على هذا الرجل أنوار الحق ، ومحبة الخلق الكامنة في قلبه الشريف ، ففعلت في قلب
الرجل فعل السحر !!..
إنها النبوة ! إنها النبوة ! .
ويوم غضبت صلى الله عليه وسلم
من غلامٍ لك ـ وكان بيدك سواك ـ فقلت له : " والله لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك"...
نحن بأمسَّ الحاجة إلى هديك الرَّباني ، الذي لا تزيده الأيام إلا رسوخاً
وشموخاً ، ونحن بأمسَّ الحاجة إلى سُنَّتك المطهرة ، التي هي المنهج القويم
والصراط المستقيم ، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى أخلاقك العُظمى ، التي لا يزيدها
التأمُّل ، والتحليل ، إلاَّ تألُّقاً ونضارة ، لقد كنت بحقٍّ بين الرجال بطلاً ..
وبين الأبطال مثلاً ..
حيث قلت لابنتك فاطمة الزهراء رضي الله عنها : " يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار ، أنا لا أغني عنك من الله شيئاً
، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ! " .
ما من كلمة تُقال في شمائلك أبلغ من كلمة سيدنا جعفر بن أبي طالب ابن عمك
رضي الله عنه ، يوم كان في الحبشة مهاجراً وسأله ملكها النجاشي عنك فقال : "
أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ،
ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث
الله إلينا رسولاً منّا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله
لنوحَّده ، ونعبده ، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة
والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم، وحسن الجوار ،
والكفُّ عن المحارم والدماء ... ونهانا عن الفواحش ، وشهادة الزور، وأكل مال
اليتيم وقذف المحصنات "( 1 ) .
خاطبك ربك فقال :

( سورة الأحزاب )
لقد دعوت إلى الله ، وتلوت على
قومك آيات الله ، وعلَّمتهم الكتاب الحِكمة ، وزكِّيت الذين آمنوا بك ، وساروا على
نهجك ، حتى صاروا أبطالاً .. رهباناً في الليل فرساناً في النهار .. يقومون الليل
إلا قليلاً ، ينفقون أموالهم سرّاً وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة ، في صلاتهم
خاشعون ، عن اللغو مُعرِضون ، للزكاة فاعلون ، لفروجهم حافظون ، ولأماناتهم وعهدهم
راعون ، يمشون على الأرض هوناً ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً يبيتون لربهم سجَّداً وقياماً ، هم
تائبون .. عابدون .. حامدون .. سائحون .. راكعون ، ساجدون .. آمرون بالمعروف
وناهون عن المنكر .. حافظون لحدود الله .. يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون لومة
لائم ، إذا قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لهم فاخشوهم ، زادهم إيماناً ، وقالوا
حسبنا الله ونعم الوكيل ، هم رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى
نحبه، ومنهم من ينتظر ، وما بدّلوا تبديلاً ، يُبلغون رسالات الله ويخشونه ، ولا
يشخون أحداً إلا الله، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، إذا ذُكر الله
وجِلَت قلوبهم ، وإذا تُلِيت عليهم آياته زادتهم إيماناً ، وعلى ربهم يتوكَّلون ،
ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ،
كانوا قوَّامين بالله شُهداء بالقِسط ، أذلة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين ..
أحبوا الله وأحبهم .. رضي الله عنهم ورضوا عنه ..
لقد عرفت قيمة الوقت ، فجعلته ظرفاً لبطولات تعجز عن صنعها الأمم والشعوب ،
حتى أقسم الله بعمرك الثمين فقال
تعالى :

( سورة الحجر)
ما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يصطلحوا مع ربّهم ، ويخلصوا له دينهم ،
ويهتدوا بهديك ، ويتبعوا سُنَّتك ، ثم يدعوا بدعائك ، فلعل اللّه يُخرجهم من
الظُلمة ، وكيف عنهم الغمّة، وينصرهم على عدوهم .
يا ذا القلب الذكي ، يا من لا
تَفْلَت منك شاردة ، من آمال الناس وآلامهم ، إلا لبَّيتها ورعيتها ، وأعطيتها من
ذات نفسك كلَّ اهتمامٍ وتأييد .. يا أيها العابد الأوَّاب ، يا من تقف في صلاتك
تتلو سوراً طويلة من القرآن ، في انتشاء وغبطة ، لا تقايض عليها ملء الأرض ذهباً ،
ثم لا تلبث أن تسمع بكاء طفلٍ رضيع كانت أمه تصلي خلفك في المسجد فتُضحُي بغضبتك
الكبرى وحبورك الجيّاش ، وتُنهي صلاتك على عجل رحمةً بالرضيع !!..
يا من سوَّيت نفسك
مع أصحابك ، في بعض الغزوات ، فتناوبت واثنين منهم على راحلة ، فلما طُلِب منك أن
تبقى راكباً قلت لهما : " ما أنتما بأقوى مني على السير ، وما أنا بأغنى
منكما على الأجر !؟ " .
يا من كنت ترتجف ، حينما ترى دابة ، تحمل على ظهرها فوق ما تطيق ..
يا من أرسلك الله رحمةً للعالمين . فقال :

( سورة الأنبياء )
وزكّى عقلك فقال :

( سورة النجم )
وزكّى لسانك فقال :

( سورة النجم )
وزكّى شرعك فقال :

( سورة النجم )
وزكّى جليسك فقال :

( سورة النجم )
وزكّى فؤادك فقال :

( سورة النجم )
وزكّى بصرك فقال :

( سورة النجم )
وزكّى خلقك فقال :

( سورة القلم )
وأقسم بعمرك الثمين فقال :

( سورة الحجر)
نشهد أنك أدّيت الأمانة ، وبلَّغت الرسالة ، ونصحت الأمَّة .. وكشفت
الغُمَّة ، ومحوت الظُلْمة ... وجاهدت في الله حق الجهاد ، وهديت العباد إلى سبيل
الرشاد ...
اللهم صلِّ وسلَّم وبارك على سيد البشر وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين
، الذين ربّاهم تربية حملت أحدهم على أن يقول : "والله لو كُشِفَ الغطاء ما
ازدت يقيناً ، ولو علمت أن غداً أجلي ، ما قدرت أن أزيد في عملي " .
ونحن نقول مع مَن قال :
يا سيدي يا رسول الله ، ما أعقلك ، وما
أرحمك ، وما أوصلك ، وما أحكمك .. جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً
عن أمّته ، لقد كنت رحمةً مهداة ونعمة مزجاة ..
والحمد لله رب
العالمين
*
* *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) حديث صحيح أخرجه ابن هشام في
" السيرة النبوية " وأبو نعيم في "الحلية " ( 1 / 115 ) وذكره
الهيثمي في " مجمع الزوائد " ( 6 / 24 ـ 27 ) وقال : رواه الإمام أحمد ،
راجع " سيرة أعلام النبلاء " ( 1/ 208)
*
* * *
* *